بعد لقاء الصخيرات سنة 2015، الذي خططت له وأخرجته ونفذته، بالأساس، نفس الدول التي قامت بالهجوم على النظام الشرعي بليبيا، دون موافقة صريحة من الأمم المتحدة، حرب سُخرت لها كل آلألات الحربية الجهنمية والتي دامت ثمانية اشهر، بعد تبني أحد اسوء  القرارات رقم 1973 المشؤوم، الذي يقضي بفرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا، واتخاذ الإجراءات الضرورية لحماية المدنيين.

في عملية مخالفة لبنود القرار الأممي، بادرت هذه الدول، يتقدمها حلف الناتو المتغطرس، بكل عتاده وتقنياته وسلاحه الفتاك، بقصف القوات المسلحة الليبية ومعسكراتها، بما فيه خزائن الأسلحة والذخيرة، وعددا كبيرا من البنى التحتية الليبية. حتي معسكرات الطيران العسكري الليبي لم تَنْجَ، هي الأخري، من ضرباتها، علماً أن الطائرات الليبية لم تتجَرأ التحليق في أجواء ليبيا، نظراً للتفوق الكاسح لسلاح الجو المدجج التابع للناتو، ناهيك عن قتل عشرات الألاف من الجنود، وعدداً من المدنيين في مجازر بشعة وُثّقت للتاريخ وللأجيال القادمة.

بعد ثمانية أشهر من القصف المركز بالطائرات، مع وبدون طيار، وبالصواريخ المتعددة الأشكال ذات القوة التدميرية من الأسطول الخامس، والبواخر الراسخة في البحر على الشواطىء الليبية، إضافةً إلى المشاركة الفعلية لقوات خاصة انجليزية، فرنسية، إيطالية، قطرية، تركية، وطبعاً لم تغفل هذه القوات المعتدية، تسهيل مهمتها بإستعمال الطابور الخامس، حيث قامت بتسليح عدد كبير من العملاء والخونة من الليبين بالأسلحة الحديثة، عالية التقنية.

نظراً للفارق الكبير في العتاد، وفي القوة النارية بين الطرفين، وبعد مجابهة صعوبات ومحن كثيرة، جراء المقاومة الباسلة للقوات المسلحة العربية والشعب الليبي، تمكنت القوات الظالمة من الإستلاء على مدينة سرت التي كان الزعيم الليبي معمر القذافي لجأ إليها بعد سقوط العاصمة. كان بإمكان دول الحلف أن تقوم بإيقاف الزعيم الليبي الذي إستسلم لها بعد قصف الطائرات الأمريكية والفرنسية لموكبه، وتقديمه الى محكمة العدل الدولية كما شَرّع مجلسهم في الأمم المتحدة، لكن أوباما الرئيس الامريكي، وكامرون رئيس الوزراء البريطاني، وساركوزي الرئيس الفرنسي، آنذاك، فضلوا، أمام أنظار العالم، قتل الزعيم الليبي، بطريقة بشعة وهمجية تقشعر لها الأبدان، خارج القواعد والمواثيق الدولية. نعم، تم إعدام رئيس دولة، وإبنه المعتصم، العسكري المحارب الشجاع ورئيس أركان القوات المسلحة يونس أبو بكر، بدم بارد، في عملية إجرامية، مخالفة لقوانين الحرب والأسرى، والتي ما فتئوا، في كل لحظة ومناسبة، تدويخ عقولنا ببنودها وفرضية إحترامها.

مباشرة، بعد بضعة أيام فقط، إحتفل الثلاثة “الموسْكُوتِيرْ” (هيلاري، ساركوزي، كامرون) في طرابلس عاصمة كل الليبيين بفعلتهم الشنيعة، المتمثلة بإعدام القذافي ورفاقه خارج كل القوانين السماوية والوضعية. شاهدهم العالم وهم يتباهون بنهاية الرجل الدموية، دون ابسط تأنيب للضمير الإنساني، إن كان حقاً لهم ضمير !

وبعدها تركوا ليبيا لحالها المأساوي وبدأت عملية الفوضى الخلاقة تنخر في ليبيا ونسبياً في بلدان شمال إفريا والساحل لمواصلة الإستحواد على ثرواتها.

في هذا الصدد، ومهما روجوا عبر وسائلهم الإعلامية، التي تكيل بمكيالين، سنوات بعد إجرامهم في حق الشعب الليبي وقيادته الشرعية، حول فرضية خطأ حربهم على ليبيا، فليعلم هؤلاء الجبناء أن الشعب العربي وطليعته المقاوِمة لن تنخدع بكذبهم وبهتانهم، لأن إسراتجيتهم، وأُكرر، أصبحت مكشوفة المعالم. تجلت في مرحلة أولى بإدخال البلبلة و الفوضى الخلاقة في الشرق العربي ولإكمال المهمة تمّ تسويقهما بأسلوب جديد في المرحلة الثانية، لنشرهما في شمال إفريقيا والساحل، لإطالة التحكم في المنطقة ونهب خيراتها والضغط على حكام الدول.

عملية الإعدام الجماعية للقادة الليبيين، تُذكر بإعدام عدي وقصي أبناء شهيد العيد، القائد الرمز صدام حسين وحفيده مصطفى، ذو الأربعة عشر سنة. في هذه النازلة كذلك، كان بإمكان الجيش الأمريكي أن يقبض عليهم أحياء، لكن فضل هذا الأخير، بعقلية المتجبر المتغطرس، قتلهم بدم بارد، علماً أنهم كانوا محاصرين ومطوقين من كل الجهات في الفيلاَ التي كانوا يقطنون بها، تمّ إعدامهم، خلال عملية غير ضرورية، أستعمل فيها اليَانْكِي الطيران والدبابات وكل الأسلحة الثقيلة.

أنهى حوار الصخيرات أشغاله في نوفمبر 2015 وتكونت نتيجته حكومة الفرقاطة لصاحبها فائز السراج، وطبعاً عمِلت الإدارة الأمريكية المتصهينة على إعطاء حصة الأسد لعملائها، والى محمِيّيها المنتسبين للتيار…

نعم، ما يشاهده ويلاحظه المتتبع “الحذِر” للشأن العربي، أن التيارات الدينية وطرفها الأكثر تنظيماً، المتمثل في الإخوان المسلمين، لا زالت تتخبط في تزييف الحقائق عامةً، وخاصة فيما يخص الملف الليبي، سواءً بالنسبة للمليشيات المؤدلجة، أو بما يحوم حول السياسة التوسعية لإيران، التي تَتَباها بالتحكم بأربع عواصم عربية، أو بحليفتهم تركيا التي ساهمت بكبِّ الزيت على النار في الإقتتال بين المسلمين في سوريا وليبيا وغيرهما، وسخرت الطريق للمتطرفين القادمين من كل حدب وصوب، الدخول عبر حدودها الى سوريا، والتي تحتل، بدون حياء، أجزاءً كبيرة من التراب السوري، ناهيك عن إرسال عشرة ألاف جندي الى دويلة قطر القزم وسط الخليج العربي.

كما يُعيب الكثير على الإخوان، حقدهم على من يخالفهم الرأي، بالنسبة للسياسة المنتهجة من طرف ولي العهد السعودي وأمحمد إبن الشيخ زايد، وسيسي مصر، الذين يحاولون، قدر المستطاع، الإحتفاظ بما يمكن الإحتفاط به، وعلى ما تبقي من نفوذ للعالم العربي على المستوي الجيوستراتيجي.

هاته التصرفات، وغيرها الكثير، تركت المواطن العربي والمغربي متشائما، الى حد ما، بالنسبة للإنفتاح المزعوم للتيار الإخواني على الآخر في أوطاننا العربية والحقيقة تقال، إنه انفتاح إفتراضي ونوع من التقية، لايجب ان تنطلي على أحد. اخيرا وليس آخرا أتمنى ان أكون مبالغاً في بعض الجوانب من هذا التحليل، كما أتمنى أن يعود الإخوان إلى رشدهم لتفادي كثيرا من المحن والمآسي التي، لا قدر الله، ربما تأتي على الاخضر واليابس في أوطاننا، تكون التيارات الدينية الخاسر الأكبر فيها، وتُأجل بناء كتلة عربية قوية تفاوض الآخر من موقع قوة نسبية، تناسب مكانتها الحضارية والجغرافية والإقتصادية..

وفي الختام، أتمني من أصحاب القرار في وطني الغالي أن يُحسنوا الإختيار، لأنه، في نظري، لا يمكن ان نضع كتلة مكونة من 150 مليون نسمة (مصر، السعودية، الإمارات) أمام دويلة قطر الإرهابية التي يقطنها مليونين ونصف نسمة، بينهم نصف مليون مواطن قطري فقط.

اللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد.

بُودّة أحمد، صحفي