زمن العجب: مناقشة الأطروحات كفتح الرّمان والدّلاح والبطيخ “أنت وزهرك”..!
أثارت تدوينتي السابقة “هل ضاعت بوصلة البحث العلمي في المغرب” الكثير من ردود الإستياء والحسرة على مآل جامعة القنيطرة. وازداد السّجال حول الأطروحة الشهيرة “منهجية الحوار في تدبير قضايا الخلاف في القرآن الكريم: ابراهيم عليه السلام والحسن الثاني نموذجين”! لكن هناك من دافع عن “أحقية” هذا العمل الأكاديمي، فيما اعتبره آخرون ” مهزلة بكل المقاييس”.
دعونا نستفيد من حصيلة هذا السجال بين منتقد ومدافع عن هذه الأطروحة ومغزى القيام بها. قال أحد المعلّقين إنها “ليست مقارنة أو مقاربة، وإنما النّموذج الأوّل دراسة نظرية تمّ تقديم نبي الله ابراهيم عليه السلام كمدرسة حوارية متكاملة الأركان. والنموذج الثاني تقديم الحسن الثاني كنموذج للمملكة المغربية كيف أدار الأزمات ومحطات التحول المختلفة بالحوار وتدبير الخلاف على المستوى الداخلية.” غير أن مثل هذا التفسير يظل غير مقنع بوجود صلة منطقية بين نموذج النبي ابراهيم ونموذج الحسن الثاني.
آخذ معلّق ثان علينا (نحن معشر المنتقدين) قضية “تسرّعنا” في إصدار الأحكام المسبقة قائلا “من ثوابت المنهج العلمي أن نقرأ كل النص قبل أن نحكم عليه. حقا أن العنوان يوحي بمقاربة تعسفية في ربط موضوعين لا تبدو الصلة بينة بينهما. أي منهج الحوار عند سيدنا إبراهيم وذلك الذي يعتبر الباحث أن الحسن الثاني كان يتبعه.” قد نقبل الشطر الأول من هذه الملاحظة، لكن الشطر الثاني قد يجرّنا إلى بعض الإسقاطات الجامحة. وقال معلق آخر “لا يستطيع أحد ولا يحقّ لأحد الحكم على البحث بقراءة العنوان فقط”. حتى الآن، قد نقبل نصيحة صديقنا حتى يتبيّن الخيط الأسود من الأبيض في صحة ما يرمي إليه. لكن الجملة التالية كانت فوق كلّ التوقّعات، إذ تفتقت حكمته الرصينة بأنّ علينا أن نعتمد منطق الغلّة المسدودة قائلا بكل جرأة وثقة: “حُلْ الرّمانة عادْ حْكَمْ”!
كان لهذه النصيحة وَقْعٌ مُهول على رأسي، فهي بمثابة لكمة مايك تايسون زعزعت توازني وأسقطنتي طريحا على الأرض، وسؤال واحد يحيّرني: هل علينا أن نتبنّى منطق الرّمان والدّلاح والبطيخ في تقييم الأطروحات الجامعية عملا بالفتوى الجديدة “”أنت وزهرك”!
اعتبر معلقون آخرون هذه الأطروحة بمثابة شجرة تخفي وراءها الغابة. فقال أحدهم “ليس عنوان الأطروحة هو المشكلة، هي فقط عرّت عن حقيقة الجامعات المغربية و ما يجري فيها. من يريد الإصلاح يجب أن يتوجه للجذور المتعفنة حيث مقايضة الأطروحات بالجنس أو المال أو الخدمات أو مكالمات من الأعلى.” واعتبرها البعض “أطروحة القرن في الجاهلية الحالية.” وكتب آخر يقول “لا أظن أنها أطروحة، وإذا صحت فذلك دليل على إدانة المشرف ولجنة المناقشة قبل الطالب.”
لنسلّم مؤقتا بفرضية أنّ قيمة الكتاب لا تظهر بالضرورة من غلافه ونقبل نصيحة صديقنا صاحب نظرية “حُلْ الرّمانة عادْ حْكَمْ”. في الصورتيْن المرفقتيْن لفهرس الأطروحة تكمن بعض المؤشرات الموضوعية التي قد تساعدنا على قطع الشك باليقين على ما ينحو إليه صاحبها، فهي بالمناسبة تتناول “الحوار القصصي التمثيلي (صفحة 634)، و”الحوار الخطابي التذكيري (ص 639)، ثم يقرّر الباحث الانتقال بقفزة الزّان الطويلة إلى الفصل الثاني ليتناول “جلالة الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله نموذجا تطبيقيا للحوار في تدبير قضايا الخلاف من الواقع المعاصر في المملكة المغربية” (ص 643). وتزداد المتاهة تيها عندما يقفز صاحب الأطروحة مجدّدا (من طائرة هيليكوبتر على ما يبدو هذه المرّة) لتناول “قضايا الموارد البشرية والأمن الغذائي” (ص 720)، و”إدارة الحسن الثاني لماله الخاص والمال العام” (ص 730).
أطروحة تشمل مباحث وفصول متباعدة في منحاها البحثي وفرضياتها الفضفاضة، ولا تقترب من المنطق الأكاديمي السليم لتحديد نقاط التقاء أو تقاطعات موضوعية حتى لو قبلنا المقارنة بين المقدس عند النبي ابراهيم كأصول دينية معيارية والسياسي عند الحسن الثاني كمآلات دنيوية سياسية. وتنطوي أيضا على منحى يميل إليه الكثير من الطلاب هو تضخيم حجم الاطروحة إلى 700 أو 800 صفحة عملا بمقولة البحث “الجامع الشامل” مما ينمّ عن مغالطة مسيئة لصاحبها عندما تحضر القيمة الكمية quantitative وتضعف أو تغيب القيمة النوعية Qualitative .
قد أتعاطف مع الطالب في هذا المسعى، ولكن أتساءل أين يقف الأستاذ المشرف وأعضاء اللجنة الذين التزموا بمناقشتها واعتبارها إنجازا آخر ضمن قائمة نجاحاتهم الأكاديمية. هي أطروحة على ما يبدو من قبيل الخليط المفتعل أو research hodgepodge.
وتبقى القاعدة الذهبية التي أردّدها دوما: “لا تُرِينِي كلّ المسالك داخل الغابة، بل أَرِِني المسلكَ المنطقي والموضوعي بين مدخل الغابة والشجرة التي يعتبرها الباحث محور أطروحته.”!

(*) عن صفحة الفيس بوك للدكتور محمد الشرقاوي

المنشورة يوم الجمعة 12 يوليوز 2019.