كُتب في مدونة ذ. محمد لومة يوم 05 مارس 2016.

الأستاذ محمد لومة

ما بين 22 أبريل 1954 و 2 غشت 1955 نفذت السلطات الاستعمارية الفرنسية أحكام الإعدام في حق ـ 19 ـ مقاوما مغربيا ممن وجهوا ضربات مزلزلة لكيانها ولدولتها الغاصبة… وحيث جرى بعدها دفنهم بمقبرة سجن ـ العادر ـ في ضواحي مدينة الجديدة.. بدءا بالشهيد علي بن بيهي، مرورا بالشهداء : محمد البقال وعبد العالي بنشقرون وحمان الفطواكي وانتهاء ا بعبد الله الشفشاوني.

ومنذ ذلك التاريخ وعائلات هؤلاء الشهداء تعاني الأمرين في سبيل القيام بزيارة قبورهم للترحم عليهم كعادة باقي عباد الله المسلمين لاسيما خلال الأعياد الدينية، على الرغم من مرور عدة عقود على جلاء المستعمر الغاشم عن البلاد.. ففي كل مرة تواجه هذه العائلات بأعوان السجن الذين يطالبونها بإبراز تراخيص الزيارة.. كما لو أن أبناءها الشهداء لا يزالون رهن الاعتقال أحياء يرزقون !!؟

ولقد طالت معاناة عائلات هؤلاء الشهداء الأبرار على مدى عدة عقود إلى أن أتى الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي على رأس حكومة التناوب لسنة 1998، فتفاءل الجميع خيرا، لا سيما وأنه كان واحدا من أسرة المقاومة وجيش التحرير ؛ إذ جرى انتخابه في صيف 1956 على رأس (جمعية المقاومة والتحرير)، كأول مجلس وطني لهذه الهيئة.. قبل إحداث المندوبية السامية سنة 1973، وهكذا سارع أعضاء مكتب المجلس الوطني لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير لمرافقة السيد الوزير الأول الجديد مع المندوب السامي لزيارة سجن العادر، حيث جرى طرح الموضوع بجدية، فطلب بعض المقاومين بعض المقاومين بالعمل على إعادة دفن هؤلاء الشهداء قريبا من عائلاتهم من باب تخفيف معاناتها الدائمة مع مصاريف التنقل وغيرها.. ولكن الأمور بقيت على نفس الحال منذ ذلك اليوم بدون أي تغيير.

وحينما بحثت شخصيا عن أسباب ذلك، قيل لي بأن بعض العلماء المغاربة أفتوا ببطلان عملية نبش القبور لإعادة دفن أصحابها في مكان آخر.. فتساءلت مع نفسي ـ باستغراب شديد ـ وكيف سمح محمد الخامس والعالمان الجليلان محمد بلعربي العلوي والمختار السوسي بنقل قبر الشهيد علال بنعبد الله في صيف 1957 من منطقة الرماني إلى مقبرة الشهداء بالرباط ؟؟؟

فلماذا لا نقتدي بالأمم الراقية والمتقدمة التي خصصت لشهدائها وأبطالها أضرحة خاصة، تضم كل البيانات المتعلقة بما قدموه لوطنهم من خدمات، كما هو موجود حاليا في ـ البانطيون ـ الفرنسية،  وفي العديد من بلدان أوروبا الشرقية.. بل وحتى في أقطار المشرق العربي، لدرجة نصب تماثيل لهم، وعرض متعلقاتهم الشخصية..وغيرها؟؟

لماذا لا نعمل على نقل قبور هؤلاء الشهداء التسعة عشر بعيدا عن قضبان سجن ـ العادر ـ فنخصص لهم ـ على سبيل المثال ـ جزء ا من ساحة مسجد حسان في الرباط قريبا من ضريح الملك محمد الخامس،  حتى نتفادى مستقبلا فرضية (تجريفهم) كما هو جار به العمل في باقي المقابر بعد مرور أزيد من أربعة عقود.. وذلك اعتبارا لمكانة أصحابها كي يظلوا معلمة دائمة ومضيئة على درب أجيالنا المقبلة ؟؟

وتأسيسا على ما ذكر، فإنني أكتفي هنا بعرض تساؤل بريء لعل وعسى أن يبادر من بيدهم القرار السياسي في هذه البلاد إلى التحرك للقيام ببعض الواجب.. وإن كنت أعلم علم اليقين بأن قبري يوسف بن تاشفين وعبد الله بن ياسين قد تحولا إلى ما هو أشبه بمطرح للنفايات، كما هو حال جناح (الغرباء الكبار) في مقبرة ابن مسيك سيدي عثمان حيث يرقد عشرات المقاومين الكبار الذين ساهموا في إعادة المؤسسة الملكية بعد إعصار20 غشت 1953، فحرموا على عهد الاستقلال مجرد  شواهد تعريفية على قبورهم كما لو أنهم كانوا من قطاع الطرق أو لصوص المواشي، كالمقاومين: أحمد فوزي شيخ العرب ـ عبد الله كاكاز ـ الحاج أحمد اشويض ـ عبد الله بوزاليم ـ بلحسن آيت بوهوم ـ أحمد أزناك وغيرهم.

وجدير بالإشارة هنا إلى أن السلطات المعنية قامت مؤخرا بالسماح باستخراج رفات المقاوم المدني شفيق من ذات المربع المغضوب عليه رسميا (أي مربع الغرباء الكبار)، لإعادة دفنه بمقبرة الشهداء بالدار البيضاء، وهي الالتفاتة الكبيرة والمشكورة التي ستظل ناقصة ما لم يتم تعميمها على باقي المقاومين الكبار.

(رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ)

صدق الله العظيم

محمد لومة