وداعا أخانا المختار عقيل
على حين غرة، يخطف منا المنون رمزا آخر من رموزنا في هذه الجهة، لا نكاد نبرأ من ألم فراق عزيز حتى نفجع في آخر..
أشفق قليلا أيها الموت عنا.
ما عادت المرثيات تسعف.
ضقنا درعا بالصبر من هول الرزايا..
في العاشر من مارس الماضي نظم إخواني في اقليم العرائش حفل تكريم للمختار عقيل، غصت جنبات قاعة دار الثقافة المختار الكنوني بالقصر الكبير بالحضور حتى إنها ضاقت على رحابتها من أن تسع لإخوة وأحبة ورفاق المختار والاتحاد..كلفت يومها بأن أبوح بشهادة في حق الرجل.. كانت المهمة كأداء ان أتحدث عن الرجل في حضرته..ولأنه لم يكن لي بد من تقديم شهادتي في حقه..ارتجلت بضع كلمات ما كان لها أن توفي الرجل حقه:
عرفت سي المختار العاقل، هكذا كنّا نناديه، في أواسط الثمانينات من القرن الماضي مناضلا اتحاديا ونقابيا صلبا في القصر الكبير والعرائش وعلى الصعيد الوطني..غير ان رفقتي به عن قرب ابتدأت سنة 2006 عندما انتخبنا معا في عضوية الكتابة الجهوية للحزب بجهة الشمال بقيادة الفقيد الكبير، ورفيق الدرب، الحاج مصطفى القرقري.
منذ 13 سنة إذن كنت على مقربة من الرجل، كانت الاجتماعات واللقاءات تتوالى، وكان حبل المودة يزداد قوة ومتانة..
كنّا نحرص ان نستمع لرأي العاقل..
فيما كان هو يتعفف عن الكلام..
في صمته تكمن الحكمة..
وعندما يتحدث يوجز..
وحديثه دوما حديث العاقل..
ما كان فينا،ولا منا، من يجادل سي المختار عندما يبدي رأيا..
بعد غياب الحاج المصطفى، كان الحاج المختار هو المرجع..
هو امتدادنا في الزمان..
هو عمقنا في المكان..
هو بصيرتنا حين يشتد التيهان..
أعود لحفل تكريم سي المختار، وكأن الذين رتبوا الحفل تنبؤوا بقرب رحيله، قلت إنني وَجِل أن اتحدث عن خصال الرجل في حضرته، ومع ذلك استأذنته في البوح ببعض مناقبه كما عرفته:
– إنه رجل مبدأ: لم يساوم على قناعاته رغم المحن والشدائد.
– إنه رجل واقعية: مواقفه وقراراته تنبع من تفكير عقلاني عميق، تجعله يقدر الظروف والملابسات، ولا ينجرف مع المزايدات والشعارات الرنانة.
– إنه رجل مسؤولية: في الحزب كما في النقابة، لم يسجل عنه انه نافس على موقع او مسؤولية، بل المسؤولية هي التي تطلبه، وكان دائما أهلا لها، وفي مستواها.
– إنه رجل خُلق: لم اسمعه يوما في مجالساته يغتاب أحداً، أو يخوض في أعراض الآخرين، كان حريصا على أن يخيط بالأبيض في كل الأحوال.
– إنه رجل أمانة وعهد: كان إخوانه يأتمنونه على مال وممتلكات الحزب والنقابة، وما عرف عنه الا الوفاء والصدق.
– إنه رجل عِشرة: صحبته أنيقة، كما معاشرة العطار في القول المأثور “من عاشر العطار نال من طِيبِِه..”، وفي عِشرة المختار تنال الطيبة والود والطمأنينة ..
في ختام حفل تكريمه باح فينا المختار
بوحا شفافا..أجمل ما أذكره منه، وفاضت عيني دمعا..عندما قال في الحضور وفي صوته بحة عذبة..اعتذر لزوجتي رفيقة دربي عما كان لي من تقصير في حقها بسبب التزاماتي ..
في حضرتك الثناء صعب يا مختار..
وفي رحيلك الرثاء أصعب يا مختار..
وداعا أيها العزيز..إلى جنة الفردوس ان شاء الله.. أحر التعازي لأرملتك وابنائك وكل أهلك ورفاقك..
إنَّا لله وإنا اليه راجعون.

عن صفحة الاخ عجاب مصطفى على الفيس بوك