إن مسألة تأصيل الفكر السلفي الوثوقي الجبري وقوننته بدأت إرهاصاتها الأولى في نهايات القرن الأول للهجرة مع المالكي والشافعي  وابن حنبل, مرورا بتلامذتهم مثل, أبو حسن الأشعري وأبو حامد الغزالي, والسيوطي, والقطني والشعيبي وابن قيم الجوزية وابن تيمية والباقلاني والقطني والسختياني وغيرهم. فكل هؤلاء التلاميذ آمنوا إيماناً مطلقا بدور النقل على حساب العقل, وقياس الشاهد على الغائب, وأن صريح العقل لا يخالف صحيح النقل, وأن الحسن والقبيح هو ما حسنه الشرع أو قبحه. وإذا اضطروا لاستخدام العقل كما استخدمه الشافعي وغيره فيما بعد في القياس, أو كما استخدمه الأشاعرة في نظرية الكسب, فيأتي استخدام العقل هنا للاستدلال والاستقراء أو البحث عن دليل في النص أو الأثر ليشيرعن ما هو محدث او مستجد من أمور الحياة. أو بتعبير آخر, يأتي استخدام العقل في هذا المنهج لتثبيت النص والأثر وليس للحكم عليهما, لأن ما تم في الزمن الذي حدد أصحاب هذا التيار (القرون الهجرية الثلاثة الأولى), صحته وضرورة الالتزام به, وهو زمن مقدس ولا نقاش أو رأي في ما ورد فيه من فكر وسلوكيات. كما أن التقديس راح يشمل فيما بعد عند البعض حتى أقوال فقهاء هذا المنهج السلفي أنفسهم.

     لنعود وننظر في آراء من أصل لهذا التيار السلفي الجبري, حيث يعتبر الشافعي /150- 205/ للهجرة, هو أول من أصل قواعد الفقه السلفي في صيغته الوثوقية التي جئنا عليها, عندما حدد المراجع الأساسية للتشريع الإسلامي بالقرآن والحديث والإجماع والقياس, وإذا كان القرآن وما اتفق عليه من الحديث الصحيح هي مسائل ثابتة, فإن الإجماع جاء عنده مقتصراً على إجماع علماء الدين من أهل السنة, أو إجماع أهل المدينة, أما القياس فهو البحث عن دليل شرعي لكل محدث أو مستجد لم يرد فيه نص أو أثر, ودور العقل في القياس هنا هو البحث عن دليل في هذه المصادر الأساسية وليس لابتداع دليل .

     يقول الشافعي حول ضرورة التمسك بالنص المقدس والأثر: (لم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم مضى.).(1)

     إن الماضي عند الشافعي يأتي هنا بصريح لفظه  متمسكاً بالعلم الوحيد في الإسلام, فلا يحل أو يحق لجيل لاحق أن يحكم أو يفتي أو يفكر لنفسه, إلا ويكون مستنداً إلى حكم أو فتوى أو فكر الأجيال السابقة. وبالتالي فكل المحدثات من الأمور هي بدعة كما يورد ابن القيم الجوزي عن الشافعي قوله: (المحدثات من الأمور ضربان أحدهما, ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً, فهذه البدعة الضلالة). (2).

     أما بالنسبة لأحمد بن حنبل المتوفى سنة /284/ هـ, فهو الممثل الرئيس لمدرسة الرواية, وهي المدرسة التي تأخذ بالحديث حتى المرسل والضعيف منه وترجحه على الأخذ بالرأي والقياس. فالحديث الضعيف عند ابن حنبل (أهم من الرأي), وكذلك الخبر الضعيف كما يقول. فابن حنبل يحارب الأخذ بالرأي ويلتمس الخبر ولو كان ضعيفاً, هذا وقد روي عن ابنه عبد الله قوله: ( سمعت أبي يقول: لا تكاد ترى أحداً نظر في الرأي إلا وفي قلبه دغل.).(3). والدغل هو فساد الرأي.

     هذا ويعتبر ابن حنبل من أكثر الفقهاء تشدداً بالنسبة للتيار السلفي, وأن معظم من اشتغل على هذا التيار وأخذ به يعتبر ابن حنبل أستاذه, وفي مقدمة هؤلاء ” أبو حسن الأشعري”.

     أما أبو حسن الأشعري المتوفى سنة /324/ هـ, وهو المعتزلي أصلاً, ثم تخلى عن فكره القدري ليلتحق بالفكر السلفي بعد أن راح أصحاب الفكر السلفي يُلاحقون من يقول بالقدر, وشُكلت لهم محاكم التفتيش منذ مرسوم المتوكل عام 232 للهجرة الذي أصدره لمعاقبة كل من يقول بالرأي, واعتماد العقل مرجعاً للحكم على مستجدات الحياه.

     لقد انبرى الأشعري مدافعاً عن مقولات ابن حنبل بعد أن تبنى آراءه وهو القائل في ذلك: ( قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها هي التمسك بكتاب الله وسنة نبينا محمد (ص) وما روي عن السادة الصحابة والتابعين, وأئمة الحديث, ونحن بذلك معتصمون بما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل نضر الله وجهه وأجزل مثوبته قائلون, ولما خالف قوله مخالفون.).(4). وبهذا الموقف السلفي أصبح تياره فيما بعد الممثل الأكثر حضوراً للتيار السلفي الوثوقي الجبري في صيغته الحنبلية الضيقة, بالرغم من إشكالية الأشعري الواقعة بين رغبته في مدرسة الحديث من جهة, وبين انشقاقه عن المعتزلة وتأثره بدور العقل من جهة ثانية, وللخروج من هذه الإشكالية راح يستخدم العقل لتثبيت النص وليس للحكم عليه, أي استخدام العقل لنفي العقل. هذا وقد اعتبر الأشاعرة كتيار ديني سلفي من التيارات الأساسية التي توافق الخط العام السياسي للسلطات الحاكمة سابقاً ولاحقاً, وهو بإيمانه أو قوله – أي الأشعري – بالإجماع في زمن ظهوره, كان يلتمس الشرعية في فعل السلف وما ينسب إليهم من الإجماع على اختيار أبي بكر وعمر وعثمان, وذلك لنفي مقولة المعارضة الشيعية بالوصية لعلي وأبنائه من بعده.

     على العموم, إن أبي حسن الأشعري في المحصلة أصل للسلفية من حيث العقيدة, في الوقت الذي أصل لها الشافعي فقهياً. أي هو من ولج باب الأصول أكثر من الفروع, في مسألة القضاء والقدر, وطرحه لنظرية الكسب, وهو من تحدث بالصفات العقلية واعتبرها من ذات الله, وتكلم بمفهوم العدل  والحسن والقبيح الشرعيين, وأنكر السببية, وقال ليس من قديم سوى الله أما العالم المادي فمحدث.

     أما الغزالي المتوفى سنة /505/ هـ, وهو تلميذ أبي حسن الأشعري فقد تمسك بفكر أستاذه, في الوقت الذي فتح فيه الحدود بشكل (تلفيقي) بين الفلسفة والمنهج السلفي, بالرغم من بقائه محاربا للفكر العقلاني برده على الفلاسفة في كتابه المشهور (التهافت). فالغزالي واجه الفلاسفة الذين قالوا إن الله لا يعلم إلا بالكليات, أما الجزئيات فلا, فالغزالي يقول بأن الله خلق العالم بإرادة حرة قديمة وهو قادر على الإحاطة الكلية والجزئية بهذا العالم. كما يقول الغزالي إن حقائق الأمور الإلهية لا تنال بنظر العقل وليس بقوة البشر الاطلاع عليها.(5).كما حاول إقحام التصوف في الفكر السلفي حيث اشتغل على هذا الفكر والتقى مع المتصوفة في الكثير من أفكارهم, واختلف معهم في قضية وحدة الوجود حتى ولو على أساس روحي, كون هذا المبدأ يرمي في النهاية إلى إنكار الواحد الأحد المفارق والعلوي.

*د.عدنان عويد : كاتب وباحث من ديرالزور- سوري

  1- عبد الجواد ياسين- السلطة في الإسلام – المركز الثقافي 

العربي –ط1- 1998- ص69 

 2- المرجع نفسه- ص 69.

 3- المرجع نفسه- ص 72.

  4- المرجع نفسه. ص- 55 .

 5- الطيب تيزيني- من اللاهوت إلى الفلسفة العربية الوسيطة  – القسم الثاني- دمشق – وزارة الثقافة- 2005– ص 253.