تعتبر حرية الصحافة مؤشرا اساسيا لقياس مستوى العمق الديقراطي في كل بلد و ليست الدساتير و القوانين هي وحدها المحددة لمدى احترام حرية التفكير و الرأي و التعبير بل هناك عدة عناصر متداخلة مرتبطة ببنية الدولة و طبيعة نظامها السياسي و القضائي و الامني و بخصائص و طبيعة الثقافة المجتمعية السائدة و ما تنتجه من تمثلات  و قيم و تصورات و مفاهيم قد تكون مساندة لقدسية الكلمة الحرة و مؤمنة  بالتعدد و التنوع وبالحق في  الاختلاف كرافعة  للبناء الديمقراطي المتكامل حيث تكون فيه كل المؤسسات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية …مقتنعة بكون الحرية بمفهومها الفلسفي و السياسي هي جوهر و مناط العقد الاجتماعي و السياسي المؤطر بالدستور ديباجة و متنا و بما يتضمنه  من التزامات اضحت بشكل يومي تحت مجهر المؤسسات المدنية الوطنية ذات الصلة و مراقبة على الدوام من قبل المنتظم الدولي و مختلف مؤسساته و الياته بهدف توفير كل الشروط الضرورية لحماية حقوق الانسان و حرياته .

اكيد ان المغرب اتخذ خطوات مهمة فما يخص الضمانات الاساسية لحماية الصحافة  حرية و ممارسة بداية من الدستور ومرورا بمجموعة من المؤسسات و القوانين الجديدة المهيكلة  للصحافة و الاعلام و لاتصال السمعي -البصري لكن هذا “الغنى ” القانوني و المؤسساتي لا يمكنه للاسف ان يحجب  عنا حقيقة تاريخية و سياسية هو  ان الصحافة ظلت مرتبطة  دائما بالمناخ السياسي العام و تموجاته و مخاضاته و تفاعلاته  و بعقلية و ثقافة الفاعلين السياسيين و مستوى نضجهم و حكمتهم و طبيعة تكوينهم و ثقافتهم و مدى ايمانهم  بالدمقراطية و تقديرهم لمفهوم الحرية بصفة عامة و لعل هذا ما يفسر حالات المد و الجزر في هذا الباب منذ الايام الاولى لحصول المغرب على الاستقلال  و الى اليوم، مع فارق اساسي يتمثل في تباين واضح في صفة و مراكز الفاعليين الاصليين و الاساييين في مواجهة الصحافة ،  اذ ان عدد غير قليل من السياسيين اصبحوا يعانون  من حساسية مزمنة  ازاء كل ما قد تقوله الصحافة عنهم اللهم اذا كان مسايرا لطروحاتهم و احزابهم و سياساتهم و احيانا لنزوعاتهم الشخصية المعلنة !

بخلاف القواعد الاجرائية العامة المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية لم يعد من حق النيابة العامة تحريك المتابعة في مواجهة الصحفيين بشكل تلقائي فقانون الصحافة و النشر كما هو معلوم  وضع قيودا اجرائية استثنائية إذ ان تحريك  الدعوى العمومية لا يتم الا من خلال استدعاء مباشر تعمل النيابة العامة او الطرف المدني على تبليغه وفق شروط شكلية و قواعد اجرائية آمرة ينتج عن مخالفتها التصريح ببطلان الاستدعاء . و للحد من التدخل المباشر و التلقائي للنيابة العامة فقد استوجب المشرع كذلك الزامية تقديم شكاية من المتضرر شخصيا لتكون مستندا في اقامة الدعوى العمومية  و ذلك في حالات القذف و السب و المس بالحياة الخاصة  ما عدا حالات استثنائية خاصة واردة على سبيل الحصر لا تلزم فيها النيابة  العامة بانتظار شكاية من الغير  . الفصول 97 و مابعده من القانون اعلاه .

لكن يبقى التداخل بين بين افعال منصوص عليها في القانون الجنائي و في قانون الصحافة منفذا للنيابة العامة يكمن توظيفه في اطار سلطة الملائمة الواسعة التي تتمتع بها لاخراج افعال من صميم الفعل الصحفي من دائرة قانون الصحافة و تقديمها  و تكييفها على اساس  انها افعال اجرامية تخضع للقانون الجنائي و تلغى معها  تبعا لذلك كل الضمانات الاجرائية و الموضوعية التي تضمنتها مواد قانون الصحافة بوصفه قانونا خاصا بمقاصد خاصة غايتها حماية الصحفيين و مراعاة العمل الصحفي الذي يحتك بحكم طبيعته و اهدافه بعدة دوائر سياسية و مواقع قوة ترى في حرية الصحافة و جرءتها تطاولا على مراكزها و تهديدا لمصالحا ….

من الناحية العملية و بصفة عامة فان النيابة العامة تتفادى تبني الشكايات العادية التي تقدم اليها من طرف الكثير من المشتكين و تحيل في قرارات الحفظ التي تصدرها  على امكانية تحريك المتابعة  عبر استدعاء مباشر يتحمل فيه الطرف المدني مسئولية تطبيق القانون ،تكييفا و استدعاء،  مع ما يتطلبه ذلك من بيانات و اجراءات تعد من صميم النظام العام و يكون مآل الاستدعاء المباشر  طبعا البطلان في حالة مخالفته للقانون ، و هذا ما يفسر الاحصائيات الصادرة عن رئاسة النيابة العامة في تفاعلها مع قضايا الصحافة التي تبرز ان الاصل هو تحريك المتابعة من طرف المتضرر شخصيا .

نعم القضاء لا يتحمل كامل المسئولية في و ضعية حرية الصحافة و عن صورة المغرب الذي يوجد في مرتبة غير مشرفة البتة في سلم الترتيب الدولي لحرية الصحافة فكثير من المسئولين السيايين بما في ذلك اولائك الذين يوجدون على رأس مؤسسات ذات بعد رمزي سياسي و حقوقي لا يترددون في رمي “الجمر” على القضاء بجر الصحافيين  و الصحافيات الى متابعات  قضائية لمعاقبتهم و النيل من حريتهم و انهاك ذمتهم  المالية  تكميما لافواههم  ن  و تطويعا لفكرهم  ن و ليا لقلمهم ن مع العلم ان في هناك بدائل حضارية فكرية ثقافية و اعلامية -سياسية يمكن تفعيلها للدفاع عما يمكن اعتباره مسا بالاشخاص او فيه تشويش على مصداقية المؤسسات .

نعم الاكيد انه كلما كانت المؤسسات الدستورية و غيرها وليدة انتخابات ديمقراطية نزيهة و كلما كان الفاعل السياسي و كل صاحب موقع قرار متشبعا بالدمقراطية قولا و فعلا و ليس تقية او مطية و مؤمنا صادقا بحقوق الانسان و الحريات كلما كان  الجو ملائما لتقوم فيه الصحافة بدورها “كسلطة رابعة “لا ان تكون المستهدف الاول من قبل كل السلط !

*رويبح عزيز محام و حقوقي