التاريخ (( البشري )) لا يسير بشكل عشوائي أو ميكانيكي، ولا تتحكم في آلية حركته وعمله المصادفة، أو أهواء وعواطف الناس ورغباتهم بشكل منفرد، التاريخ تحركه الكتل الاجتماعية ودرجة تطورها ومصالحها, مع التأكيد على دور الفرد في التاريخ, وحركة و تطور وتبدل علاقات الوجود الاجتماعي في كل مرحلة من مراحل تطور هذا الوجود, وعلى تلك العلاقة الجدلية ما بين الظروف الموضوعية والذاتية التي تشكل بنية هذا الوجود وتاريخه معا.


إن الناس حقيقة ( يصنعون تاريخهم بأيديهم, إلا أنهم لا يصنعونه على هواهم.). فغالباً ما تتضارب مصالح الناس ورغباتهم أثناء صناعة التاريخ, وغالبا ما تكون الظروف الموضوعية أقوى من رغبات الناس وما يريدون, وهذا ما يؤدي إلى تناقضات وصراعات على المصالح لا تظهر اسبابها بشكل واضح للكثير من الناس داخل المكونات الاجتماعية أثناء سيرورة التاريخ وصيرورته. وبالتالي فإن ما يقوم به بعضهم من طرح لشعارات أو آراء أو أفكار أو مواقف ذهنية, بل وحتى نظريات أو أيديولوجيات مغلقة, تحت مظلة إعادة صياغة التاريخ وفق هذا الشعارات والرؤى والأفكار والمواقف الذهني والأيديولوجيات, غالباً ما تكون نهايتها الفشل, إما لجهلها بالظروف الموضوعية أو الذاتية التي تتحكم بسيرورة التاريخ وصيرورته من جهة, أو بسبب غلبة المصالح الأنانية الضيقة لحملة هذه المشاريع الفكرية أو المواقف الذهنية كطبقة أو طائفة او مذهب أو حزب على مصالح المجتمع من جهة ثانية.

إذاً من هذا الضياع والجهل وغلبة المصالح الأنانية الضيقة في معرفة آلية عمل التاريخ, تأتي الأحقاد والضغائن والتناقضات والصراعات وحتى سفك الدماء على المصالح بين مكونات المجتمع. أي تصل هذه الأحقاد والصراعات في آلية عملها وانتشارها إلى حد التهديد والوعيد من قبل من يمتلك السلطة والجاه ضد من يقف أمام تحقيق هذه المصالح من بقية مكونات المجتمع. وذلك كله يجري من أجل إيقاف عجلة التاريخ عند الحدود التي تخدم مصالح هذه القوى ذات المصلحة أو تلك.


نقول: إن كل تلك المهاترات والتهويش والمتاجرة بالدم, لن تجدي شيئا في عرقلة أو إيقاف عجلة التاريخ نحو الأمام, فالتاريخ البشري كما أشرنا أعلاه تتحكم في حركته قوانين موضوعية وذاتية معاً، وللإنسان دون شك دور فاعل في عرقلة الكثير من حركة هذه القوانين أو التحكم بها إذا أراد ولكن لفترات زمنية محدودة, وبخاصة على مستوى الحياة الاجتماعية, غير أنه غير قادر على إيقاف هذه القوانين أو تعطيل آلية عملها نهائيا, فهي في المحصلة قوانين موضوعية لها سيرورتها وصيرورتها التاريخيتين, وإن عملية سيرورتها وصيرورتها تجري وفق عملية معقدة من الترابط والتناقض في جملة الشروط الموضوعية والذاتية المشكلة للوجود الاجتماعي، وما يتضمنه هذا الوجود من مستويات اقتصادية، وسياسية، وثقافية, واجتماعية. ومع كل انجاز لهذه التحولات التاريخية نحو الأمام, سيتعطل بالضرورة جزء من دور المهاترات والشعارات والآراء والأفكار والنظريات في (اللعب) على حركة التاريخ وقوانينه. أو بتعبير آخر, لم يعد بإمكان حملة تلك الشعارات ومهاتراتهم الحفاظ على مكتسباتهم ومصالحهم, كونهم قوى استنفدت دورها التاريخي في قيادة الدولة والمجتمع. وهذا شأن ملاك العبيد و وملاك الأقنان من النبلاء و رجالات الكنسية وغيرهم.


بكلمة أخرى: لم يعد بالإمكان العودة إلى الماضي، أو إعادة إنتاجه وتسويقه من جديد، كونه استهلك, أو استهلك قسم كبير منه وفقد صلاحيته في التعبير عن القوى الاجتماعية الجديدة الطامحة إلى التغير بهدف مصالحها بعد أن وعت ذاتها وما تعانيه من قهر وظلم واستلاب وتشيئ واغتراب, أي لم يعد الزمن الماضي صالحاً للعيش كبيئة اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية للقوى الاجتماعية التقليدية, في الزمن الحاضر الذي أخذت تظهر فيه قوى اجتماعية جديدة لها أهدافها وطموحاتها وقدرتها على التحكم في قوانين زمنها وآلية حركته, وهي قوى أكثر تطورا وفهما لحركة التاريخ, ولها مصالحها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية الجديدة المتناقضة مع مصالح القوى التقليدية التي تجاوزها الزمن وأصبحت من معطيات أهل الكهف .‏
ملاك القول:
التاريخ تغيره في نهاية المطاف المصالح, بل هو تاريخ المصالح.
* د.عدنان عويد كاتب وباحث من سورية

الخميس : 01 غشت 2019.