إن المشروع الديمقراطي الذي يطمح إليه كل عقلاني وتنويري, هو المشروع الذي يتطلب بالضرورة, اعتماد بناء معرفي قائم على العلم والعلمانية. فالتفكير العلمي يبقى المدخل الأساس للعقلانية, والعقلانية النقدية, هي المدخل المعرفي الأساس بدورها للعلمانية التي تشكل أنموذج حياة لا يقوم به إلا الإنسان العاقل وحر الإرادة. والديمقراطية التي لا تمارس على أساس عقلاني نقدي, ستبقى ديمقراطية ناقصة ومزيفة ومشوهة, هدفها في النهاية خدمة قوى اجتماعية محددة وليس عموم الشعب. بينما الديمقراطية القائمة على المنطق والعقلانية النقدية فهي الديمقراطية القادرة في الحقيقة على تحقيق العدالة والمساواة والمشاركة في كل أشكالها أو مستوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, للفرد والمجتمع وفقاً لطبيعة المرحلة التاريخية المعيشة. أي هي الديمقراطية القادرة وفقاً للظروف الموضوعية والذاتية التي تفرض نفسها على حواملها الاجتماعية في مرحلة تاريخية محددة بغية تحقيق التوازن في بنية المجتمع الواحد دون النظر إلى أي اعتبار آخر, عشائرياً كان أو مذهبياً أو قبلياً أو أثنياً… إنها الديمقراطية التي تنظر إلى العمل والعقل وظروف الواقع كمعايير اساسية من معايير التقدم وجعل الإنسان هدفاً لها, وذلك على اعتبار (أن ما هو جذري وذو قيمة حاسمة في عالم الإنسان, هو الإنسان نفسه… إنه إنسان العمل والإنتاج والمعرفة… إنسان الخلق والإبداع والحضارة, ضد إنسان التواكل والتصوف والتأمل والحلم والامتثال والرضا والتسليم. أي العبودية.).

      إذا كانت الديمقراطية هي القدرة على المشاركة في خلق التوازن داخل البنية الاجتماعية, فإن العلمانية هي المجتمع المدني في حالة سياقه التاريخي – أي في حالة التطور التاريخي الذي وصل إليه المجتمع في مدنيته – الذي يعطي الديمقراطية المجال الحيوي الذي تثبت فيه عقلانيتها وضرورتها في تحقيق التوازن الاجتماعي المطلوب في هذه المرحلة أو تلك من مراحل تاريخ المجتمع أو الدولة.. وبالتالي نستطيع القول: إن الديمقراطية والعلمانية يشكلان طرفي المعادلة في سلسلة الدولة المدنية.. أي دولة المواطنة والمؤسسات والقانون والتشاركية واحترام المرأة والرأي والرأي الاخر وحرية التعبير .. الخ.

     إن مأساة الإنسان العربي  في معظمه التي تحد من تقدمه وتحول كثيراً دون قدرته على إثبات ذاته, وتحقيق دولته المدنية تكمن في عبوديته, فعبودية الإنسان العربي لم تزل تكمن في خلايا عقله أولاً, وتمارس فعلها بشكل مستمر على كل تصرفاته اليومية المباشر ثانياً.

     إن الإنسان العربي بعمومه, لازال يحسب حساباً للعقاب قبل الثواب أولاً.. وإن قوة النص المقدس في تفسيره وتأويله المنحدران من العصور الوسطى فهماً ومنهجاً, لم تزل تشهر سيفها في وجهه لتقيد حركته واندفاعاته نحو الأمام, حيث تحولت قوة النص هذه إلى سياج قدري فُرض عليه ليحدّ من إرادته, كي لا يتجاوز حدود ماضيه ويبقى يعيش أسيراً للكثير من قيمه ومثله السلبية في الغالب ثانياً, هذا في الوقت الذي تقوم فيه قوى استبدادية حاكمة على إعادة ترميم هذا السياج القدري الغيبي الاستسلامي وتدعيمه باستمرار, كونه يشكل حصنها الحصين هي أيضاً في استعباد شعوبها واستمراريتها في الحكم ثالثاً. 

د . عدنان ابراهيم كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

الاحد: 25 غشت 2019.