لمن ننتمي؟… سؤال مشروع يطرح نفسه علينا اليوم تحت مظلة ما نعيشه من ضياع وعدم استقر في هويتنا, أو انتمائنا إن كان هذا الانتماء للديانات السماوية وما شكلته من مواقف في حياة مجتمعاتنا من تفكك وتذري وصراعات دموية ليس بين أصحاب الديانات السماوية الثلاثة فحسب, بل وبين أصحاب مذاهب الديانة الواحدة وخاصة بالنسبة لنا نحن المسلمين في وقتنا الحاضر. أو انتمائنا للحضارات الأقدم في تاريخنا, كالحضارة الآرامية والكنعانية والفينيقية وكل امتداداتها في بلاد النهرين ومصر وشمال أفريقيا. أو انتمائنا للقومية العربية التي تعتبر برأي امتداداً تاريخياً للكثير من مكونات المجتمع العربي قبل الإسلام. إلا أن هناك من حاول من بعض المسلمين القول بأن الإسلام قد جب كل ما قبله وأنه ذو بعد أممي, وفي المقابل هناك من الكتاب والباحثين من أكد هذا الانتماء القومي لهذه المكونات وأن الإسلام ساهم في بلورة العروبة وتعميمها على بعض المكونات الاجتماعية والحضارية التي انتمت تحت لواء الإسلام وخاصة في المشرق العربي, وذلك من خلال لغة القرآن أولاً ثم تأكيد القرآن والرسول على مسألة العروبة من حيث نزوله كما يقول النص القرآني: (إنا انزلناه قرآناً عربياً), أو تأكيد الرسول على عروبته بقوله: (أنا خيار من خيار)..

     على العموم أعتقد أنه السؤال الأكثر إشكالية وتعقيداً, وهو بحاجة للكثير من الهدوء والتبصر للإجابة عليه.

     لا شك أن الديانات السماوية الثلاثة قد انبثقت من صلب حضارتنا القديمة في سورية, أو بتعبير آخر قد نزلت في قلب هذه الحضارة القديمة. والديانات الثلاثة بمجموعها تنتمي إلى الإسلام في مفهومه الواسع, حيث أن الإسلام ليس خاصاً بالمسلمين الذين ينتمون إلى المحمدية فحسب, بل هو يشمل كل هذه الديانات, من منطلق أنه يدعو إلى التوحيد من جهة (….مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ). (الحج-78), (﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾.( – سورة البقرة، الآية 128). هذا وهناك آيات كثيرة تدل على الجوهر الإسلامي للمسيحية واليهودية) , (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ), (سورة آل عمران – الآية 52 ). .. الخ

     ثم أن الدين في جوهره موقف طبقي من العلاقات الاستغلالية القائمة في المجتمع, (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ). (القصص 5). لذلك نرى أول من آمن بهذه الديانات هم الفقراء والمحرومون من جهة ثانية.

      وهي أي الديانات الثلاثة موقف أخلاقي جديد ومتطور ومتمم للقيم الأخلاقية السابقة, وهذا ما اكد عليه الدين الإسلامي من جهة ثالثة: (( و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). ( الأنبياء – 107 ). (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). (حديث).

     بناءً على ما جئنا عليه أعلاه, وهي القضايا المرتبطة بمفهوم الإسلام والدعوة إلى التوحيد والتركيز على القيم الأخلاقية والعدالة,  تبقى أمور الحياة اليوم القابلة للتطور والتبدل مثل الزراعة والصناعة والتجارة والفن والأدب والتكنولوجيا وغير ذلك, فهي أمور يتداولها الناس فيما بينهم وفقاً لمصالحهم وابداعاتهم الشخصية, على أن لا يخرج هذا التداول عن المقاصد الأساسية للدين, وهي خير الناس وعشيهم الرغيد. فأمور الناس كما يقول النص المقدس شورى بينهم, وهم أدرى بشؤون دنياهم. (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (سورة الشورى – 38). و(أنتم أدرى بشؤون دنياكم). (حديث).

     نقول: إذا كان أمر دنيانا هكذا حسب النص الديني, فهذا يعني أن من يحدد انتماءنا وعيشنا المشترك هو مصالحنا المشتركة وقضايا دنيانا, وطالما أن هذه المصالح ليس لها علاقة بالدين ولا يمكن ان يشكل الدين منطلقاً حاكماً لها إلا في حدود الجوهر الإنساني, فلما لا نتكئ في حياتنا اليوم على الجذور التاريخية لحضارة أجدادنا التي تشكل بالضرورة امتدادنا التاريخي, ونقطة التقائنا المشترك. وبالتالي أين الخطأ إن قلنا نحن ننتمي إلى الآراميين والفينيقيين والآشوريين والبابليين والفراعنة  والكنعانيين. الذين أوجدوا أول أبجدية وحرف في التاريخ… وأول من استخدم المحراث والمنجل في التاريخ,.. وأول من صنع السفن والزجاج وعرف الألوان في التاريخ, وأول من زرع حقول القمح وطحن القمح وخبزه في التاريخ… وأول من حنط الموتى وساهم في تخليد الإنسان وعظمته في التاريخ… وأول من أوجد نوتة موسيقية وطور في الوتر الموسيقي ومقاماته في التاريخ…وأول من راح يبحث عن سر الخلود في التاريخ…وأول واول وأول.. من عرفته البشرية وعرفت فيه معنى الحضارة .

     هذا هو جذر انتمائنا التاريخي الذي أصابنا معه قطع تاريخي سكوني حال دون تواصلنا واستمرار هذا التواصل معه تاريخيا  بفعل عوامل كثيرة داخلية وخارجيه, وفي مقدمة هذا العوامل يأتي من جعلوا بداية التاريخ ونهايته مع ظهور الإسلام, فهل من المعقول أن نترك هذا التاريخ وهذه الحضارة لنلتحق بداعش وأخواتها ممن عمل على تدمير الإنسان وحضارته وأولها حضارتنا العربية العريقة وحتى الإسلامية منها تحت إسم الكفر والخروج عن الدين, بعد أن حصروا تاريخنا كله بالقرون الهجرية الثلاثة الاولى. وكل ما قبلها وما بعدها عند هذه القوى السلفية بدعة, وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.؟؟؟!!!!.

     فلنتق الله في حضارتنا .. حضارة أجدادنا ونعود كي نتكأ على جذورنا العريقة كي نبني مستقبلنا, وهذا الاتكاء لا يعني في دلالاته أن نعيش منجزات حضارتنا القديمة بعجرها وبجرها, وننافق لها بعد أن تجاوز كل منجزاتها الزمن وسبقتنا أمم الأرض في التطور العلمي بكل سيئ, بل نعيش عظمة هذه الحضارة روحياً وعقلياً, وأن نستلهم عظمتها في نفوسنا وعقولنا وأعمالنا من أجل بناء حاضرنا ومستقبلنا, فمن ليس له جذور ثابتة في الأرض لن يكون له ساق وأغصان وأوراق وبالتالي ثمار.. 

كاتب وباحث من دير الزور – سورية.