لا يمكن للمتتبع الحزبي الوطني للنقاشات في موضوع  القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية ببلادنا أن يبقى محايدا، وأن لا يدلي بكل الأفكار التي تخالجه في شأن التعاطي معها مجتمعيا ومؤسساتيا.

وفي هذا الصدد، وبعد حضوري للقاء الذي عقدته المنظمة الاشتراكية للنساء الاتحاديات، أثارتني بعض الأفكار التي تخللت مجرى أشغال هذا اليوم، خاصة ما ترتب عن التعاطي مع المفهومين التاليين من تدخلات وردود أفعال: “التمثيلية”، “المشاركة والسياسات العمومية”. ولكي أكون موجزا، وأن لا أثقل هذا المقال بالتفاصيل المملة، سأتطرق لهذين المفهومين بإيجاز.

أولا، التمثيلية في العمق هي آلية شريفة لتقوية الفعل الديمقراطي. فعندما لا تدخر النخب السياسية، نساء ورجالا، أي جهد نافع للرفع من مستوى مشاركة كافة شرائح المجتمع لتقوية الإيمان بأهمية ارتباط “التمثلية” بالديمقراطية، في أفق تحقيق الارتقاء السياسي لمفهوم “التمثيلية المجتمعية” ووقعها على حياة الشعب المغربي، يترسخ في الأذهان مدى ارتباط نجاعة الفعل الحزبي بتحسين مستوى عيش المواطنين أفرادا وجماعات. بالوصول إلى هذا المستوى في البلورة والتفعيل، يصبح متيسرا تمكين المسار السياسي من الآليات الناجعة لتحقيق التراكمات المعبرة عن وجود مسار واضح المعالم للتطور المجتمعي. لقد بدأ الحديث عن الانتقال الديمقراطي ببلادنا منذ مطلع التسعينات، وشاع الحديث عن بطئه، بدون أن يتوج المسار برمته بحصيلة تثبت بشكل نهائي المنجزات، وتبرمج تحقيق الأهداف المتبقية عبر مراحل معلومة (هنا لا بد من الإشارة إلى الحمولة القوية للخطابين الأخيرين لعاهل البلاد ، والخرجتين الإعلاميتين للسيدين المنوني وعزيمان) … لقد لجأت الدولة المغربية إلى فرض مبدأ “الكوطا” في مسألة التمثلية السياسية للنساء، وبرزت الحاجة اليوم إلى تقييم هذا المسار لمعرفة مدى وقع هذه الآلية في ترسيخ مفهوم “تمثيلية” النساء مؤسساتيا بشكل خاص وتمثيلية “المجتمع” بشكل عام، ليكون في مستطاع الدولة اليوم، بكل مكوناتها المؤسساتية والمدنية، تقديم إجابات مقنعة، وذات مصداقية، بخصوص مستوى زرع الثقة اليقينية في جدوى القرارات والمبادرات ذات الأبعاد التطويرية للحياة السياسية، بما في ذلك أولا تحديد مستوى وقع مبادراتها مقارنة بالأهداف المسطرة مسبقا، وثانيا الحيلولة دون تحويلها إلى آلية لتفشي “الكسل” و”الانتهازية” و”الريع”.

ثانيا، عندما يتمكن استراتيجيا أصحاب المصالح والرأس المال من احتكار “التمثيلية” تتحول الديمقراطية، مع مرور الوقت وبشكل متفاوت ومتباين ما بين دولة وأخرى، إلى آلية للاستبداد، مع التكريس المتدرج لارتفاع مستويات الفقر والتهميش. وهذا المعطى جعل عدد من المفكرين في العالم الغربي يدقون ناقوس الخطر لما آلت إليه “التمثيلية” في إطار الديمقراطية النيوليبرالية.

ثالثا، لا يمكن لأحد أن ينكر الرابط القوي ما بين “المقاربة التشاركية” والتمثيلية. وهنا، يمكن تقبل “كوطا” مشاركة النساء في العمل السياسي لمرحلة معينة معلومة، ويمكن اعتمادها كآلية مؤسساتية لفرز النخب النسائية على أساس قدرتهم على التعبئة والتحسيس في أفق الرفع من المشاركة “الطبيعية” للنساء. في نفس الآن، برز كذلك مدى أهمية المقاربة التشاركية في السياسات العمومية في مجالي التوعية والتكوين السياسي المجتمعي. هناك عدة منظمات مدنية وطنية ودولية تعتمد هذه المقاربة في التنمية، وتأكد مدى وقعها الإيجابي جدا على الحياة الترابية وتنميتها (هيئات يشارك فيها، في إطار التعاون مع المنظمات والمؤسسات الدولية، أكاديميون يمارسون مهامهم كأساتذة بالجامعات والمدارس والمعاهد المغربية كمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، والمعهد الوطني للتهيئة والتعمير، وعدد من الجامعات والكليات المعروفة). كما عرفت بلادنا تجارب وزارية في تفعيل برنامج حكومة عبد الرحمان اليوسفي، أبرزت أهمية التكامل ما بين ذوي الاختصاص في سياسة إعداد التراب الوطني. فالمخططات والتصاميم التقنية لم يتم انجازها من طرف المهندسين المعماريين، إلا بعد استنتاج الخلاصات من الدراسات الترابية التي أعدها، بشكل احترافي ومهني، وبمنطق تشاركي، المهيئون المعماريون، والجغرافيون، والمختصون في علم النفس الاجتماعي، والمثقفون، …