سؤال طرح نفسه على المهتمين بالشأن الفكري والفلسفي منذ بداية وعي الإنسان لنفسه, وهو: ماهي القوى التي تحرك التاريخ البشري وتشكل سيرورته وصيرورته, وتدفع بعلاقاته في سلبها وإيجابها إلى الواقع الذي نعيشه, حتى يترك أثره في حياتنا الخاصة والعامة؟.

     نقول: إذا كان الفكر الطفولي للبشرية قد حصر هذه الحركة بقوى أسطورية تمثلت بهذا الإله أو ذاك من الآلهة البدائية التي اخترعها الإنسان نفسه لضبط علاقاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في المراحل الأولى من حياته, وغالباً ما تعددت هذه الآلهة وتقاسمت الأدوار والمهام في قيادة أو إدارة هذه الحركة أو تلك من حركات المجتمع, حيث وجدنا إلهاً للمطر وآخر للحرب وآخر للجمال والحب.. إلخ. إلا أن هذه الاجابات على هذا السؤال راحت بُختزل شيئاً فشيئاً بإله واحد متعال بالنسبة للخطاب الديني, بينما راحت عند الفلاسفة تأخذ منحاً آخر يتعلق بالإنسان نفسه وطبيعة علاقاته بكل مستوياتها الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

     نعم… لقد تعددت الاجابات عند المهتمين بالشأن الفلسفي والديني على هذا السؤال. حتى أخذت هذه الاجابات تأخذ طابعاً سلوكياً عبر التاريخ لعبت السياسة فيه (السلطة) دورا كبيراً ترك آثاره  بالضرورة على جملة حياة المجتمعات منذ أن طُرح هذا السؤال حتى اليوم.

     على هذه السؤال: أجاب رجال ومشايخ الدين السلفيين في الديانات السماوية الثلاثة, بأن كل شيء مخلوق لله, وهذا ما قال به     في الخطاب الإسلامي مثلاً الأشاعرة والحنابلة والماتريدية والوهابية, وكل من يقول بالجبر من القوى السلفية.

     وهناك مَنْ قال مِنْ  الفلاسفة الإسلاميين : إن الله خلق الكون ولكن لم يتدخل في الجزئيات التي ترك الله الأمر فيها للإنسان, كابن رشد والعديد من رجال التيار المعتزلي. فجزئيات هذا الكون عندهم لها قوانينها (سننها) الموضوعية التي تتحكم في آلية حركة ظواهر هذا الكون, وما على الإنسان إلا السعي لاكتشاف هذه القوانين والتحكم بها وتسخيرها لمصلحته, ثم إن الإنسان نفسه هو المسؤول عن أفعاله في خيرها وشرها, وعلى أساس ذلك يأتي الثواب والعقاب. في الوقت الذي نرى فيه من يقول من هؤلاء الفلاسفة الاسلامين إن الله لا يفعل, أو يأتي الشر من عنده, بل من الإنسان نفسه, أما الخير فمن عند الله, وهو الرحمن الرحيم.  

التاريخ في الفلسفة الأوربية: 

     فهذا هيجل يقول: إن محرك التاريخ هو الفكرة المطلقة. والفكرة المطلقة عنده, هي الصيغة العليا للفكرة بعد أن تجلت مفهوماً, كما هو الحال في ظاهرات الدولة والفن والفلسفة والدين, حيث تحولت هذه المفاهيم عند هيجل إلى فكرة مطلقة, تحوز على قوة قادرة عبر حواملها على تحريك الفراد والمجتمع, وبالتالي التاريخ. وحول الفكرة المطلقة انقسم طلاب هيجل  ومتابعي فكره, فمنهم من اعتبرها (الله) مثل “فرانسوا شاتيليه”, ومنهم من اعتبرها المفهوم في أعلى مراتب تكونه مثل فيورباخ وفورباخ وحتى هيجل نفسه, حيث يصل المفهوم هنا في تجليه بعد سيرورة وصيروة تاريخية طويلة إلى قوة يستطيع الفرد والمجتمع أن يعيد تشكيل الحياة من خلاله.. والمفهوم عند هيجل تجلى في الفن والفلسفة والدين والسياسة وخاصة (الدولة) كما أشرنا أعلاه.  

     أما فيورباخ: فقد رد عن الفكرة المطلقة قائلا: لا، ليس محرك التاريخ هو الفكرة المطلقة، بل هو الانسان الملموس. أي الإنسان الذي يمارس نشاطه في هذه الحياة بغية تحقيق مصالحه. فالمفهوم عند “فيورباخ” يظل مجرداً, بينما يقوم الإنسان وحده في تشخيص التاريخ, أي إكسائه بحوادث فردية واجتماعية من خلال نشاطه اليومي والبحث عن مصالحه وتامين حاجاته, وإن العلاقات التبادلية بين الناس هي من يولد حركة التاريخ.

     أما  “”فرويد: فقد اعتبر بدوره أن محرك التاريخ، ليس هي الفكرة المطلقة، ولا الانسان الملموس، بل هو تسامي الطاقة الجنسية. فالجنس عنده (الليبدو) هو من يحرك التاريخ. 

     والتحليل النفسي عند الفرويدية يعتمد على شرطين رئيسيين: الشرط الأول ، الوراثي ، الذي يشير إلا أن التجارب التي يختبرها الطفل في مرحلة الطفولة لها تأثير هائل على تكوين شخصية في مرحلة البلوغ. أما الشرط الثاني, فجوهره يقوم على تلك الطاقة  الجنسية أو الرغبة الجنسية الأولية التي حاز عليها منذ البداية .

     إن الغريزة الجنسية كما يرى فروريد يصبح لها دور كبير في سيرورة وصيرورة الحياة الاجتماعية للفرد والمجتمع معاً أثناء التطور البشري, حيث تمر الغريزة الجنسية (اللبيدو) بعدة مراحل وهي (المرحلة الفمية, والمرحلة الشرجية, والمرحلة القضيبية, المرحلة الكامنة, والمرحلة التناسلية), وليس هنا مجال لشرح هذه المراحل, لأن الذي يهمنا هنا هو أن التطور البشري يُمثلُ في جوهره تلك العلاقة الوثيقة بين الغرائز, والنشاط الجنسي عبر مراحل تطوره, وحركة التاريخ.

     إن  الاجابة على السؤال في التحليل النفسي بشكل عام تقوم على عزل الفرد عن محيطه الاجتماعي وإعطاء الدور والقدرة لتخيلاته وشعوره الباطني وغرائزه على تقديم كل ما يساهم في تحريك الطاقة النفسية عنده, كي تقوم هذه الطاقة بخلق أعمالها أو نشاطها كما تتصوره, وهنا تقوم حركة التاريخ.

      أما سارتر فمحرك التاريخ عنده: لا هذا، ولا ذاك، بل هو المعنى الوجودي المادي. فالوجود المادي للإنسان الذي فقد لحمته الاجتماعية وكل ما يحقق له الأمان, ساهم في دفع هذا الإنسان إلى البحث عن نفسه داخل عالمه الخاص به بالطريقة التي يجدها مناسبة له. أن الوجود عند سارتر يسبق الجوهر، وهو ما يعني أن الاعتبار الأكثر أهمية للأفراد هو كونهم أفرادا (كائنات حية مستقلة ومسؤولة وواعية) بدلا من أي وصم أو دور أو قالب نمطي (نمذجة) أو تعريف أو أي تصنيف مسبق يمكن وضعهم فيه والقول بأنه جوهر هذا الإنسان . إن الحياة الفعلية المباشرة والبعيدة عن التكلف للأفراد هي ما يكوّن وما يُطلق عليه “جوهرهم الحقيقي” بدلا من كونه جوهرا اعتباطيا يستخدمه الآخرون لتعريف بعض الأفراد. وبالتالي فإن البشر، من خلال وعيهم بوجودهم المباشر الطبيعي البعيد عن التكلف والنمذجة، يخلقون قيمتهم الخاصة ويحددون معنى لحياتهم.

     أما ميشيل فوكو فيقول: إن كل ذلك الذي قال به الفلاسفة مجرد أوهام.. فمحرك التاريخ الحقيقي هو السلطة.

      يقول فوكو: حيثما وجدت السلطة توجد المقاومة، فالسلطة ليس لها الهيمنة المطلقة والثابتة، بل إنَّ المقاومة وبأشكالها المختلفة تخترق السلطة، فهي لا تمارس دورها من باب القانون، أو ما يُسمَّى بحقّ المقاومة، بل إنَّ السلطة والمقاومة تتجابهان بتكتيكات متغيّرة متحرّكة ومتعدّدة، في إطار حقل علاقات القوَّة، أي ليست في إطار القانون والسيادة، ولكن في إطار الصراع والاستراتيجيَّة التي يتوجّب تحليلها. والسلطة هنا لا يعني بها الدولة فحسب, بل كل ظاهرة لها دورها وتاثيرها على الفرد والمجتمع. فهناك السلطة الثقافية بكل انساقها, وهناك الأخلاقية والاقتصادية.. الخ. 

     هذا وقد ارتكزت رؤية ميشيل فوكو الأبستمولوجيا على النظرية البنيوية التي تأتي في سياقها العام : منهج بحث مستخدم في عدة تخصصات علمية تقوم على دراسة العلاقات المتبادلة بين العناصر الأساسية المكونة لبنى يمكن أن تكون عقلية مجردة، لغوية، اجتماعية، ثقافية. … من خلال هذه الشبكات البنيوية يتم إنتاج ما يسمى “المعنى” meaning عبر شخص معين أو نظام معين أو ثقافة معينة.

     أو عند ليفي شتراوس: فإن  للأثنلوجيا أو الأنثروبولجيا, وهي أيضاً رؤية تصب في البنيوية, ولكنها تركز على حياة المجتمعات القديمة وحتى المعاصرة من خلال دراسة التطور التاريخي لهذه المجتمع أو ذاك, والبحث عن العوامل التي تساعد على تطور تاريخ  المجتمعات من داخلها ذاتها. فللجماعات أو الشعوب أو المجتمعات حياتها الخاصة بها, وهذه الحياة بما تتضمنه من عادات وتقاليد ولغات ومهارات وما يقوم بين أفراد هذه المكونات المجتمعية من علاقات مادية وثقافية / روحية, هي من يقوم بتحريك التاريخ المجتمعي وإعطاء هذا المكون الاجتماعي او ذاك ملامحه المتميزة عن غيره.   

     أما عند ماركس: فالإجابة عن سؤال من الذي يحرك التاريخ البشري, فتأتي ممثلة بالعلاقة التناقضية الجوهرية على صعيد الانتاج المادي. أي  علاقات الانتاج بمعناها العام مع الطبيعة في مرحلة أولى، ومع البشر والطبيعة في مرحلة لاحقة. وعلى أساس علاقات الانتاج وملكية وسائل الانتاج، قامت التناقضات والصراعات الطبقية داخل بنية المجتمع بين المالك والمنتج. هذا الصرع الطبقي وتناقضاته, هو محرك التاريخ البشري, أو العنصر الموضوعي في حركة التاريخ.

     هكذا ظل إذن كل فيلسوف يدلو بدلوه، ولائحة الفلاسفة الذين رشحوا أنفسهم للإجابة عن هذا السؤال المحير، لائحة كبيرة.

      وقد تأتي الاجابة عند السياسيين أيضاً مختلفة, فهي عند هذا تكمن في الشورى, وعند ذاك في الديمقراطية, وعند الآخر في الوراثة, وقد نجدها في الأنظمة الاستبدادية قائمة في شخصية هذا الحاكم أو ذاك الذي يجد في نفسه القدرة على اختزال حركة الدولة وتاريخها في شخصه, كما هو الحال عند “لويس الرابع عشر” الذي وجد بأنه هو الدولة والدولة هو.   

د . عدنان عويد كاتب وباحث من ديرالزور – سورية