عن جريدة الاتحاد الإشتراكي 23 شتنبر 2019.

(1)

سيذكر التاريخ أن المصالحة، كريح هبت على المغرب في نهاية العهد القديم، شكلت في تواتر الرواية الوطنية le récit national قاعدة تمتين الانتماء في العهد الجديد.
ولعلها صارت، بالنظر إلى سعة ما حملته من تصحيحات في أعطاب التاريخ، كمفهوم مركزي للانطلاق نحو الأرحب، والأكثر أمانا في المعيش اليومي للمواطن المغربي.
المصالحة هي قاعدة العهد الجديد، وزاوية نظر لقراءة جزء كبير من التاريخ، السياسي طبعا، ولكن أيضا بفقراته المجالية، واللغوية، والنسائية، مركزا وهامشا..
وسيذكر التاريخ كذلك، أنه عندما قررت قوى السياسة الإصلاحية والعقلانية والدولة، في نهاية القرن الماضي، وضع عتبة المصالحة، مدخلا لإصلاح البلاد، لم يكن الجميع راض عن هذه الخطوة.
والتقى في ذلك النقيضان: عتاة المخزن، وعتاة الرافضين المعارضين….
من يعتبر الضحايا مارقين ( وربما سلاكط بلغة الفقيد عبد الكريم الخطيب )، ومن يعتبر المسؤولين جلادين تلزمهم المشنقة، على غرار روبيسبييرات في اللاوعي الثوري…
لكن الذين كانوا يدركون أن المصالحة، التي هبت رياحها في إفريقيا وفي آسيا، في تلك الفترة من القرن العشرين، كان لها دعاتها العقلانيون، الذين آمنوا بأن التاريخ قد يبدأ بالراديكاليين، والراديكالية التي تشكل تربة خصبة للصراع والتوتر، وبالتالي بالانتهاكات، لكنه في المحصلة لا يسير سوى بالمعتدلين، وبالإصلاحيين، الذين يعرفون سقف المراحل التي يستعيد فيها الإنسان مكانه في التاريخ بواسطتها..
والاتحاد، كحركة تاريخية، كانت له مشاركته الحاسمة في مسلسل المصالحة..
المصالحة كمفهوم لا بد لها من بنية دالة،structure signifiante كما يقول أهل اللغة. تجعل منها معطى ماديا قائما وملموسا.
وبالنسبة للاتحاد فقد كانت هذه البنية الدالة هي التصويت على دستور 96، بالرغم من محدودية تجاوبه مع سقف الإصلاح المأمول.
\كانت دعوة سياسية إلى الدخول في مرحلة جديدة بعد أربعين سنة من الصراع والقطيعة..
وبذلك قد وضع الاتحاد، في ما يتعلق بمساهمته كحركة كان لها النصيب الأكبر من الضحايا والذين اكتووا بالقطيعة، قطار المصالحة على مساره السليم، وانفتحت رحلة كبيرة، كان التناوب أحد أهم منجزاتها، وتمظهراتها.
ولعل العهد الجديد سار في تعميق المصالحة بتجديد الثقة في حكومة عبد الرحمان اليوسفي، الذي هندس التناوب وهندس المصالحة في شرطها السياسي والدستوري.
وفي ذلك إشارة إلى عمق ما كان ينتظر المغرب، من طرف عاهله الجديد الذي أعطى الزخم كله لهذه المصالحة..
وكان المغرب قد وضع كل إمكاناته، المالية والثقافية والتدبيرية لأجل إنجاحه..
وقبل أن نسترسل فيه، لا بد من أن نذكر بأن الكثيرين اعتبروا مواقف الاتحاد الإيجابية، في السياسة أو في الدستور، خيانة كبرى، بل انتحارا تاريخيا يخرجه من جنة اليسار!
وكثيرون أعلنوا نهاية النضال، بسبب المصالحة..
وللتاريخ، ما كان لهذا المنحى أن ينجح لولا النقد الذاتي الذي أقدم عليه الملك الراحل، وهو يعلن أن من نتائج القطيعة السياسية وصراع الشرعيات، أن المغرب وجد نفسه، وهو على عتبة قرن جديد مهددا بالسكتة القلبية.\وقد كانت شجاعة الملك الراحل، في تقديم هذا النقد مقدمة أساسية في التأسيس للمغرب المتصالح، المغرب الممكن خارج أسوار الزنازن..
وقد يكون الربط بين المصالحة والنقد الذاتي، مقوما أساسيا في بناء الثقة التي طبعت الدخول إلى مغرب العهد الجديد..
وبذلك تكون المصالحة مبنية على قيم، ورؤية ومشروع كبير في بلاد تستحق كل التضحيات، وكل الاعتدال الذي يقود التاريخ……

(2)

من المفيد جدا أن نلاحظ التزامن بين الانطلاقة الفعلية للمصالحات الوطنية الكبرى، وهي عتبات كلها لمغرب جديد، وبين النقد الذاتي الذي تقدم به الملك الراحل، بشجاعة النفَس الأخير، عندما تحدث عن بلاده وهي على شفا السكتة القلبية، جراء سياسة كان له فيها دور مركزي..
أحيانا، يثور التاريخ من أقسى جزء فيه، وأسوأ جهة أيضا..
وهي الجهة المظلمة في السياسة والقاسية في الحياة الوطنية..
وكلتا العمليتين، النقد والمصالحة، تتطلبان شجاعة، متبادلة، بين طرفي المعادلات السياسية الفاعلة وقتها.
وكلاهما لا يستطيعهما إلا الشجعان..
وفي اليسار، وحدهم قادته لا يجدون ضعفا أو غضاضة في النقد الذاتي.
تتزامن الذكرى الستين لتأسيس الاتحاد، مع دعوة إلى قراءة جماعية للمشترك النضالي، الفكري والسياسي، وفي ترصيد التراث الأخلاقي الذي عمّده المناضلون، قيادة وقواعد، بدماء الشهداء طوال مراحل التاريخ..
وفي المصالحة مع هذا التاريخ، دعوة إلى قراءة تراثه، من زاوية النقد الذاتي..
تلك عملية قام بها المهدي بن بركة في نقد الأخطاء الثلاثة، التي ستصبح من بعد الاختيار الثوري..
وليس في انتقال التسمية أي مصادفة، فتسمية الأشياء أحيانا لا تختلف سوى في زاوية النظر: فالنقد الذاتي أيضا اختيار ثوري حقيقي لبناء الإدراك الذاتي بالمشروع الوطني وبالهدف الوطني،
وفي المؤتمر الاستثنائي، وحتى وإن كان الوطن يلقن في جدران الزنازن وليس على الورق الصقيل، ويعلق في المشانق وليس في الأغاني الممجدة، حتى والوقت يملي ظلامه الدامس، لم يمنع من النقد الذاتي للاتحاديين والاتحاديات، قال عمر: نعم لنا أخطاؤنا ونفتخر بها لأنها أخطاء ثورية، ولن نظل حبيسي أفقها الذي تمت فيه.
وكانت مراجعة الهُوية ومراجعة مراكز القرار، والحسم مع الثنائية وأشياء كثيرة، وما كانت لتكون لولا النقد الذاتي في تدبير مرحلة من أقسى مراحل المغرب.
لم يمنع القتل والاغتيال والاضطهاد والزنازن والمنافي والتشريد من ممارسة خصلة بهية جميلة تكاد تكون دينية وصوفية( النفس اللوامة التي تنتقد صاحبها)..
البلاد، كلها مطالبة بالنقد الذاتي المستمر، من أجل مصالحة الشعب بساسته وسياساته..
وهو لا يكون لنزعة إرضاء أو تَوْرِيّةً أوغطاء لتماسك هش تقتضي الضرورة تسويغه بالذنب والإحساس به، إنه عتبة في سلم قيم تقدمي، وجزء من البناء الحقيقي للهوية الاشتراكية..
والمصالحة في التعريف الممكن الآخر، ليست فقط شكلا من أشكال النقد الذاتي المتبادل بل هي الثقة في حركيتها، وفي تحركها وفي صناعتها للأفق المشترك..
والنقد الذاتي المتبادل، هو الإقرار بممارسات اتخذت مسارات متعددة، ومتنوعة ومتراكبة، يجب أن يقوم كل واحد بقراءتها من زاوية نقدها وانتقادها، وأيضا النقد الذاتي المتبادل، يحدد طبيعة ودرجة المسؤولية، في تدبير الاتفاق والاختلاف معا..
كما أن الثقة، ضرورة حيوية، لأنه لا يمكن تصور ممارسة السياسة أو النضال السياسي بالأحرى بدون عتبة معتبرة من الثقة المتبادلة..
وكل عجز في الثقة، سواء كان في البعد الوطني المؤسساتي الكبير أو على مستوى التعاقدات البينية، هو عجز بالضرورة في ممارسة السياسة الحقيقية، سياسة الحقيقة..
وهو قصور لا بد من أن يؤدي إلى فقر في الديموقراطية
وفقر في المناعة الوطنية
وقصور مزمن في …التاريخ!

(3)

النقد الذاتي ليس جزءا من العلاج الذي يوصي به علم النفس الاجتماعي، إنه ضرورة أخلاقية وشرط مؤسساتي لكي يكون للمسؤولية والمحاسبة معنى، بعيدا عن القضاء والجزاء، بقدر ما هو محاسبة ذاتية، إنه تفرع مهم، اليوم، عن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، إن لم يكن جل من أسس لها…، كل الأدبيات التقدمية، الثورية منها أو الإصلاحية، جعلت منه قيمة تأسيسية وأسلوبا في رصد الالتزام الحقيقي للنضال السياسي…
وكما في غير ذلك، فإنه مؤسس كبير للثقة..
الثقة لا بد منها، ليس الثقة في الشريك؛ فقط، بل في الذات وقدرتها على تجاوز مثبطات العمل المشترك….
الذين يتصالحون يثقون في أنفسهم كما يثقون في الطرف المقابل لهم،..ليست درسا في الموعظة الحسنة للثوار الطيبين ولا رقية ديموقراطية يستوجبها التبتل الصوفي للتنظيم، ولا تنويما لحاسة الاختلاف، إنها بالأحرى شرط مواطنة سياسية وحزبية ومؤسساتية، مطلوبة في كل طوابق الدولة وعتباتها….
لنبدأ بالمعنى الذي تكتسيه في حقل سياسي:
العجز في الثقة هو الذي فجر تماسك ما بعد الاستقلال، نفس العجز هو الذي مشى بنا ومشينا به في البسعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وهو نفسه الذي أملى علينا توجساتنا إزاء بعضنا وإزاء المؤسسات، وهو الذي أفرز العزوف، وهو الذي أفرز هروب الناس من أفضل شي ابتدعته البشرية، الديموقراطية، الثقة هي التي تضع الشعوب في خلاف مع الديموقراطية..
إن الثقة هي الثمن الذي يجب دفعه لربح التحديات..
لقد لخصت المشاكل التي تراكمت وجود خلاف عميق، كان التوجس وعدم الثقة فيها شرط وجود، والذي ساهمنا فيه بخلق تنظيمات كثيرة هي عنوان عن العجز في الثقة في المشترك..
الثقة في مهمتنا
الثقة في الذات
الثقة في التراتبية التنظيمية
الثقة في التاريخ المشترك
والثقة في الثقة نفسها بخلق شروطها وعدم اعتبارها زائدة تنظيمية حلقية..
إن نتيجة تسييد منطق المصالحة معززا بالنقد المتبادل والثقة، هو التفكير في شروط موضوعية، ومتفق عليها لتدبير الاختلاف، وتمكين المؤسسة من النهوض بعيدا عن الاستراتيجيات الفردية والنزعات الجاحدة.
لا بد من التفكير في تجميع القوى، عبر بوابات تنظيم الاختلاف كجوهر للالتزام السياسي المنظم اليوم في العالم..
بما يعني أنه لا بد من الثقة، لكنها الثقة التي لا تعني شيكا على بياض، ثقة عقلانية مفكر بها ولها احترازاتها المادية التي تِؤمنها وتحصنها..
لقد انتقلنا من ثقة صوفية، كانت تدفع الواحد منا إلى التضحية بنفسه لإنقاذ إخوته وتحمل كل التعذيب للحفاظ على سرية الأسماء، إلى جو غير مقبول تكون فيه الحسابات الصغيرة قادرة على أن تبرر «الاغتيال» المعنوي للأخوة.. وتقديس الطموح الشخصي على المشروع الجماعي. وعوض الارتباط الطوعي بالفكرة والتنظيم، أصبحت المسارات السالبة للشخصية والامتثال إلى الحلقية أحد أبرز ما يقتل الثقة..
لقد حولنا، في جزء من نقاشنا، أزمة الثقة إلى أزمة في التواصل السياسي، وهو اختزال يمنعنا من رؤية حقيقة ما حدث من تحولات في السلب..
قد يكون على التواصل السياسي مهمة تغذية وتقوية الثقة، كما قد يكون من مهام الثقة إعادة الاعتبار للتواصل السياسي، لكننا أمام معضلة أعمق، فيها التاريخ والعاطفة والتوتر وموازين القوى والقوانين المهيكلة للصراع ومستجدات الثورات المتتالية في الإدارة والرقمنة وأساليب العيش..
الثقة لا تقل عن الشرعية في السياسة، بالنسبة للأحزاب كما بالنسبة للحكومات، إذ بدونها يصعب الحكم..
وقد استمعنا إلى ملك البلاد وهو يحذر من نتيجة انعدام الثقة لديه ولدى المواطنين في الوضع السياسي..
ودعمت استطلاعات الرأي بارومتر الثقة في التنظيمات السياسية والتي بلغت عتبة مخجلة من 1 % في البلاد لدى الشباب دون الخامسة والعشرين، وهو مؤشر رهيب للغاية..
ومن هنا سيكون من المفيد لبلادنا، أن يكون يسارنا الاتحادي عربون ثقة ومنبعا لها، ومجسدا لها في السلوك وفي الانحياز التام لميثاق المسؤولية المعنوية عن حسن الممارسة..
إن ما نقدمه هو ثلاثية سبق لزعيم اشتراكي كبير هو جان جوريس أن عبر عنها بـ «لا تأسي على الماضي، ولا ندم إزاء الحاضر وثقة متينة في المستقبل»..