يرى سعيد جعفر، عضو المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي، فكرة المصالحة التي طرحتها قيادة الحزب مهمة كتمرين سياسي داخلي وكتوجه نحو المستقبل؛ معتبرا، في حوار أجرته معه “أنفاس بريس”، أن مسألة المصالحة تضع نصب أعينها مستويين: مستوى استمرار فكرة الاتحاد واليسار نفسها، ومستوى الحاجة الملحة للتوازن الإيديولوجي والفكري والسياسي في المملكة المغربية. مشيرا إلى المصالحة مطالبة أيضا بالخروج إلى الأجيال الجديدة من الشباب ومن المثقفين الجدد الذين يخلقون خطاطات جديدة لفهم الواقع والتعبير عنه.

+ أين وصلت المصالحة التي طرحتها قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي؟…

– أظن أن فكرة المصالحة التي طرحتها قيادة الحزب، وأعلنها الكاتب الأول، في ندوة صحفية بتاريخ 06 شتنبر 2019، مهمة كتمرين سياسي داخلي وكتوجه نحو المستقبل.

وبدون شك، وبغض النظر عن الكيفيات التي ووجهت بها، يبدو أنها على الأقل تخلق جوا من الانفراج الإنساني والسياسي في نفس الوقت، وتترك للأجيال الجديدة وحتى القديمة من المنخرطين والمنخرطات في الحزب إمكانية عدم الاستمرار، على الأقل في أجواء التقاطب والصراع الموضوعي والذاتي.

إن ما قد يمدنا به تمرين المصالحة كأجيال جديدة لم تعش ملابسات وظروف الصراعات والانسحابات، هو ربما أننا سنتوفر على أرضية جديدة للانطلاق، وسنصحح على الأقل نظرنا لجزء من المسار.

قد لا يبدو أن السي محمد اليازغي أو السي محمد نوبير الأموي مؤثرين اليوم بعد أن أعلنا اعتزالهما السياسي والنقابي، لكن في تقديري أن مجالسة قيادة الحزب لهما والدخول في لحظات مصارحة ومكاشفة تمرين لا يتحقق دائما وهو مثمر ومفيد من الناحية النفسية بغض النظر عن النفع السياسي المباشر. ولكن لا بد من التأكيد هنا على القاعدة الاقتصادية التي تعتبر الربح السلبي هو عمق الربح الإيجابي، وفي السياسة الأفعال الرمزية غالبا ما تحدد طبيعة الفعل المادي.

مجاليا يبدو أن وتيرة وإيقاع المصالحات كان مقبولا إلى حد معقول، زكته زيارات القيادة إلى شخصيات سياسية على رأسها المجاهد عبد الرحمان اليوسفي والزعيم نوبير الأموي والسي محمد اليازغي قبل أن تعطل تداعيات تشكيل الحكومة على الإيقاع العام. ويبدو كذلك أن عددا من الأقاليم انخرطت بشكل في مستويات معينة من خلال انخراط مكاتبها في خطة المصالحة واحتفال عدد منها بها في شكل ندوات أو احتفالات أو تكريمات (الجديدة، مراكش، البيضاء، طنجة، تطوان…).

+ لماذا المصالحة الآن؟

– بغض النظر عن كل التأويلات التي يمكن أن تعطى لخطة المصالحة التي أطلقتها قيادة الحزب، وسواء كانت مؤيدة مطمئنة أو معارضة مشككة، ففي تقديري المسألة يجب أن تكون أكبر من مجرد عملية تقنية للتصالح بين إخوة وأخوات من نفس الأسرة حدثت بينهما خلافات وصراعات لأسباب مختلفة.

أظن أن المسألة يجب أن تكون لها علاقة بمستويين، مستوى استمرار فكرة الاتحاد واليسار نفسها، ومستوى الحاجة الملحة للتوازن الإيديولوجي والفكري والسياسي في المملكة المغربية.

إننا نعيش في الواقع مرحلة تاريخية وسياسية تنحو نحو هيمنة إيديولوجية وسياسية مقلقة وغير مأمونة العواقب، إذ تعكس المشاكل والأزمات السياسية التي حدثت في إيران ومصر والسودان خطر هذه الهيمنة الإيديولوجية على التوازن والاستقرار العام.

إذ أدى إضعاف الفكر اليساري وتنظيماته الحاضنة له إلى حالة من الانجراف والهيمنة دفعت الأنظمة إلى المواجهة بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة بما في ذلك صنع أحزاب السلطة.

في المغرب لا أظن أننا بعيدون عن هذه الخطاطة غير الفاعلة، فالسعي إلى خلق قطبية مصطنعة وتغذيتها هو عمل لن يضمن التوازن الحقيقي، وحتى إذا نجح في خلق حالة من التوازن الظرفي فهو لا يعدو أن يكون بريكولاجا سياسيا سرعان ما ينكسر.

إن حالة الصراع الداخلي التي يعيشها البام، وحالة اللايقين والشك التي تكتنف التجمع تؤكد عدم دقة هذا الرهان.

وسط هذا الإحساس العام بعدم جدوى فعالية مثل هذه المخططات قد تكون خطة المصالحة الداخلية بين الاتحاديين والاتحاديات خيارا ثالثا لتحقيق التوازن الإيديولوجي والسياسي بالبلاد. وهنا لا بد من التنبيه إلى معطيات ضرورية للاستئناس بها.

إن الالتفاف الداخلي ضروري وفي تقديري لا يجب التعامل مع فكرة المصالحة ومع إقبال الناس عليها سواء بمنطق التكتيك أو بمنطق الاعتراض والتشكيك، فنحن أمام جهد مقبول وأمام آمال مفتوحة من الناس، وعليه سيكون جيدا جدا إذا ما تسلح الجميع بمزيد من الإيمان في المستقبل وفي النجاح.

هذه المصالحة بعد أن تحقق هدفها الداخلي يجب أن تتوجه للمجتمع ولإطاراته وكفاءاته، يجب أن تكون أكثر جرأة وأكثر حيوية وأن تكون براغماتية ومجددة.

يجب أن تتوجه المصالحة إلى البورجوازية الوطنية، فهناك مئات من البورجوازيين في الصناعة والفلاحة والخدمات يحتاجون لصوت يعبر عنهم ضد هيمنة البورجوازية المتوحشة التي تجد نفسها وحضنها في أحزاب أخرى.

وبدون شك فهي مطالبة أيضا بالخروج إلى الأجيال الجديدة من الشباب ومن المثقفين الجدد الذين يخلقون خطاطات جديدة لفهم الواقع والتعبير عنه.

+ ما هو موقف زعماء الحزب اليازغي وولعلو والأموي واجبابدي و…؟

– موقف زعماء الحزب أعلاه هو ما رشح من لقاءات القيادة بهم، وأظن أن مجرد القبول بمجالسة القيادة على خلفية حساسيات الماضي في حد ذاته تزكية للمصالحة، فما الذي أكره مثلا اليازغي أو الأموي أو اجبابدي على مجالسة القيادة والعكس صحيح؟

في تقديري أن الاتحاديين القدماء والحاليين وصلوا إلى مستوى الإشباع من حالة الخلاف المفتوح وربما هناك محفز داخلي بضرورة التكفير عن الماضي وفتح آفاق جديدة للحلم.

لا أظن السيدة لطيفة اجبابدي إلا مؤمنة بهذا الأفق، وقد عبرت عنه قبل حوالي سنة عندما تمت استضافتها من الفريق الاشتراكي حول مدونة الأسرة، لقد عبرت في لحظات اعتراف وجداني بأن الاتحاد يجب أن ينهض من أجل الوطن والتاريخ.

عندما كان المجاهد اليوسفي مريضا بمستشفى الشيخ زايد كان يطرح سؤال كيف الحالة العامة ومن المؤكد أن الحالة العامة دلت دائما على الحالة السياسية عند السي عبد الرحمان، ومجايلوه يعرفون دلالة الكلمة عند السي عبد الرحمان الكاتب الأول والوزير الأول خصوصا.

تقديري في الموضوع هو أن توسيع مداخل المصالحة المزدوجة مع الداخل ومع المجتمع سيساعد في إنجاح الخطوة، وفي هذا الصدد فإعادة إطلاق مؤسسة المشروع سيكون مدخلا ملائما للخروج إلى فئات أخرى من المجتمع.

وأظن كذلك أن مخاطبة المجتمع من خلال وجوه وبروفايلات وأقلام متنوعة سيساعد على التواصل مع شرائح أخرى كثيرة.

+ هل تجد المصالحة آذانا صاغية؟

– لا أظن أن هناك رفض داخلي لفكرة وخطة المصالحة داخليا، والغالب أن هناك توجها مطمئنا للمبادرة.

من جهة أخرى فالوعي الاتحادي حاد ويقظ جدا وهو ما يجعل منه “مدرسة”، فالتحليل والتأويل وحتى الرفض دائما قائم وهو سلوك تاريخي قائم في تاريخ الحركة الاتحادية كان الزعيم بوعبيد يسميه “القلق الاتحادي”.

هذا القلق ضروري وهو يشكل كيمياء الممارسة الاتحادية، فالاتحاد كما يقول الكاتب الأول دائما ليس ثكنة عسكرية، وبالتالي فالاختلاف و التحفظ والرفض يبقى قائما.. لكن التوجه العام هو الانخراط في فكرة التصالح لأنها مفيدة في كل الأحوال.

شخصيا كعضو مجلس وطني وكعضو اللجنة التحضيرية للمؤتمر العاشر انخرطت في المصالحة والانفتاح مبكرا.

حاولت اختطاط مصالحة من داخل الحزب مع المسألة الدينية والإرث الاجتهادي لرواد الحزب فيها. وساهمت في تأطير عدد من الندوات في مواقع حزبية مختلفة في وادي زم وكرسيف وبرشيد وطنجة وتطوان وتازة وغيرها، هادفا إلى انفتاح الحزب على أجيال جديدة والتصالح مع المجتمع وتحولاته.

+ هل المصالحة مع المناضلين أم مع قضايا الشعب وانتظاراته؟

– أظن أن المصالحة لكي تكون فعالة وتنجح يجب أن تحقق الأمرين في تواز.

إن التركيز على المصالحة الداخلية والإمعان فيها سيعطل حركتنا نحو الخارج ونحو الناس والمجتمع. وخروجنا إلى المجتمع بخطاب وبرامج دون التفاف داخلي سيجعل معركتنا خاسرة من البداية.

أظن أن جزءا كبيرا من العمل يتم الآن، وأنه لا بد من الخروج إلى المجتمع مباشرة بعد 29 أكتوبر.

في هذا الصدد لا بد من التأكيد على أن الخروج إلى المجتمع لا بد أن يكون عبر فهم تحولات المجتمع وعبر تكييف خطاب مناسب لتحولاته وبحاملين جدد حتى تكون للمصالحة فعالية وجدوى.

وفي الأخير لا بد من التنويه بالجهد الذي يعقد من طرف فاعلين مختلفين في الجهتين، من قيادة الحزب وعلى رأسها الكاتب الأول للحزب ومن اليد الممدودة من حزبيين معنيين بالمصالحة، في أفق إقناع آخرين رافضين أو مترددين.

إننا لسنا من هواة التأزيم ولسنا من هواة التطمين، فهناك جهد يعقد وتنازلات تتم من الطرفين، وهناك جهود إضافية يجب أن تعقد، وتنازلات إضافية يجب أن تتم من أجل اتحاد بحجم الوطن.

الثلاثاء: 22 أكتوبر 2019