في المفهوم, الأخلاق: هي مجموعة القيم الفكرية والسلوكية التي تمثل الجوهر الإنساني في مرحلة تاريخية محددة, إيجابية كانت أم سلبية. وهي في هذا السياق مفتوحة على المطلق الإنساني. أي هي تدخل في كل مسامات حياة الإنسان, ولا تقتصر على قضية أو عدة قضايا من حياته.

     إذاً, إن الأخلاق وفقاً لهذا المعطى, هي (نسبية) وليست مطلقة أو معيارية, ونسبيتها تفرضها طبيعة وجودها الاجتماعي التاريخي الذي يكونها أو ينتجها, وعلى اعتبار أن الوجود الاجتماعي في حالة تطور وتبدل مستمرين, وبالتالي فالأخلاق هي في حالة تطور وتبدل مستمرين أيضاَ, على الرغم من أن حالتي التطور والتبدل الأخلاقي تظلا أبطأ بكثير من تطور وتبدل الوجود الاجتماعي ذاته في شقه المادي الذي أنتج الأخلاق, كون الأخلاق تحددها طبيعة قوى وعلاقات الإنتاج السائدة عبر مراحل التاريخ لتدخل فيما بعد في النسيج العام لوعي الإنسان وبنيته النفسية, و هذا ما يجعلها تتمترس في هذا الوعي وهذه البنية النفسية لفترات زمنية أطول, ويجعلها أيضاَ تتأخر كثيراً في حركتها عن حركة وجودها المادي المنتج لها, 

     وأمثلة التاريخ تعطينا أدلة كثيرة عن تطور وتبدل الأخلاق من جهة, وتمترس بعضها في مواجهة حالات التطور والتبدل التي تصيب الوجود الإنساني من جهة ثانية, وبخاصة تلك القيم الأخلاقية التي أخذت بعداً (معيارياً) لدى أفراد المجتمع بسبب طبيعتها العقيدية أو الأيديولوجية. فعلى سبيل المثال, إن التطور العلمي التكنولوجي أحدث تغيرات كثيرة في الوجود الاجتماعي بالضرورة وعلى كافة المستويات, ومع ذلك لم تزل هناك عقول ترفض ما حققه هذا العلم من تطور وتبدل في المجتمع وبخاصة الجانب الأخلاقي منه. وكثيرا  ما تعتبر بعض العقول المغلقة هذا التغير والتبدل والتطور كفراً وزندقة, كونه لا يتفق مع القيم الأخلاقية التي تتضمنها هذه العقيدة أو الأيديولوجيا المتجذرة خطأً في عقول هؤلاء, والتي على أساسها قتل كوبرنيك مثلاً, أو فرج فوده على سبيل المثال لا الحصر.   

     إن الأخلاق عندما تأخذ بعداً معيارياً, ستتنمذج بالضرورة, وتتحول إلى تابو (مقدس), يُعتبر كل تجاوز لها تجاوزاً على المقدس, وبالتالي تجاوزاً على القيم الإنسانية التي حددتها تلك العقيدة أو الأيديولوجية في مرحلة تاريخية محددة. انطلاقاً من كونها صالحة لكل زمان ومكان عندهم. أو بتعبير آخر إن الأخلاق عندما تتمترس خلف العقيدة أو الأيديولوجيا السكونيتين تصبح عند حملة هذه الأيديولوجيا أو العقيدة هي من ينتج الواقع وليس الواقع هو من ينتجها.. وفي مثل هذه الحالة تصبح الحقيقة تسير على رأسها وليس على قدميها.

     إن الأخلاق عندما تُغلق في دلالاتها وسماتها وخصائصها من قبل حواملها الاجتماعية, ستتحول إلى قوة مادية ومعنوية تحارب التقدم والتطور,  وسيُعتبر كل من يخرج عنها هنا, شاذاً آو زنديقاً أو كافر أو منحرفاً أو خارجاً عن السرب. أو بتعبير آخر كل تجديد لدى أهل العقيدة الجامدة دينية كانت أم وضعية يعتبر بدعة أو انحرافاً. وهذا ما تقوم به اليوم القوى الإسلامية المنمذجة أخلاقياً والممثلة بما يسمى (داعش) أ و غيرها من القوى الأصولية الوضعية من دعاة العلمانية وتجارها. 

     أخيراً نقول: إن دعاة القيم الأخلاقية المعيارية, تصبح لديهم هذه القيم (عتلة) أو وسيلة يقوم على من يتمسك بها أو تركها, نهوض الفرد والمجتمع والحضارة, أو سقوطهم.

     أما الذين يتمسكون بالأخلاق كمسألة نسبية, فهي عندهم برأيي : مجموعة القيم الايجابية الفكرية والسلوكية التي تمثل الجوهر الإنساني في مرحلة تاريخية محددة. وبالتالي هي لا تشكل العامل الوحيد الذي على أساس التمسك به أو تركه تتحقق النهضة أو السقوط, وإنما هناك عوامل كثيرةً تساهم في تحقيق النهضة أو السقوط للفرد أو المجتمع أو الحضارة, وهي العوامل الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية أيضاً.

     ملاك القول : إن قيم الفضيلة التي يتمسك بها بعض تجار الدين أو العلمانية, تعتبر عندهم كصخرة في قمة جبل يريدون للناس أن يرتقوا إليها ويتمثلوها من خلال الدعاء والوعظ ومناجات ضمائر الفاسدين واللاأخلاقيين, أوكل من فقد الفضيلة, علما أن قيم الفضيلة هي من عليها النزول على الواقع, ولكنها لن تنزل لوحدها على الواقع مالم نقوم نحن بإزالة عوام وجودها أو ثباتها في الأعلى. أي لا يمكن لهذه الفضيلة أن تحل أو تنزل في وعي وضمائر وسلوكيات الناس مالم نقضي على الأسباب التي ساهمت في إقصائها عن وجودها الاجتماعي, إي القضاء على الفساد بأي شكل كان, ومن أية جهة كانت. 

د.عدنان عويد كاتب وباحث من سورية

الخميس 24 أكتوبر 2019.