الاحتكار في التعبير الاقتصادي, أوفي اقتصاد السوق بشكل عام وبأبسط صوره, هو العمل على إخفاء سلعة أو عدّة سلع من قبل تاجر أو مجموعة تجار أو شركات تجارية من التداول في السوق حتى يزداد الطلب عليها من قبل المواطنين, ثم عرضها للبيع من جديد بغية تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح لعدد قليل ممن يتحكمون بالسوق ويفرضون إرادتهم عليه. وإذا كان هذا هو دأب الاحتكار بالنسبة للحياة الاقتصادية, فإن للحياة السياسية أيضاً احتكاراتها, والتي يأتي في مقدمتها احتكار الحقيقة السياسية, ممثلة بـ (السلطة) بكل تجلياتها.

     في المجتمعات أو الدول التي وصلت في علاقاتها السياسية والاجتماعية إلى مرحلة الحداثة, أي إلى مرحلة متقدمة من حياة المجتمع المدني… المجتمع الذي تقوم علاقاته على أسس ديمقراطية وعلمانية, سوف تتناسب فيه هذه الأسس إلى حد ما مع درجة تطوره وقبول قواه السياسية بكل فصائلها أو مكوناتها المشاركة في إدارة الدولة والمجتمع, واحترام الرأي والرأي الآخر, وتداول السلطة والايمان بالمواطنة ودولة المؤسسات, سوف تغيب فيه مسألة احتكار الحقيقة السياسية إلى حد كبير. 

     أما في المجتمعات والدول التي تفتقد إلى أرضية أو معطيات المجتمع المدني التي جئنا عليها هنا, فهي المجتمعات والدول التي يهيمن فيها على الحقيقة السياسية واحتكارها قوى اجتماعية أو سياسية, حزبية كانت أو عشائرية أو قبلية أو طائفية محددة, تشعر بأن تواجدها في هرم السلطة لا يمكن أن يقوم وبالتالي يستمر إلا بالسيطرة المطلقة على السلطة, أي على الحقيقة السياسية, التي على أساسها تُدار أمور الدولة والمجتمع وضبط حركتهما وتوجهاتهما.

     إذن, إن احتكار الحقيقة السياسية لا يتحقق  بشكل واضح وفاضح معاً. إلا في الدول الشمولية التي تُحكم من قبل حزب وحيد أو قبيلة أو عشيرة أو طائفة. فمثل هذا التفرد بالسلطة لا يسمح إلا بخلق آلية عمل سياسي قادرة على إيجاد مؤسسات لها طابعها السلطوي مادياً وفكرياً, تستطيع عبرها – أي المؤسسات – أن تعيد إنتاج السلطة الشمولية دائماً, وخاصة بعد أن تُوصل المجتمع إلى حالة من الرضوخ والرضا بهذه السلطة, والاقتناع بأنها قدرها, أو هي وحدها السلطة القادرة على قيادة الدولة والمجتمع, وبدونها سينهار المجتمع والدولة معاً. هذا ويأتي في مقدمة هذه المؤسسات التي تعتمد عليها هذه السلطة الشمولية :

     1- المؤسسة الأولى العسكرية وعلى رأسها الأجهزة الأمنية التي تتعدد أشكالها, وتستطيل مفاعيل عملها لتمارس تدخلها في معظم مسامات حياة الفرد والمجتمع.  

    2- المؤسسات الثانية وهي الثقافية والإعلامية والدينية, حيث تمارس هذه المؤسسات نشاطها أيضاً في صياغة وعي المواطن ونمذجته وفقاً لما يخدم مصالح القوى الحاكمة واستمراها, وليس وفقاً لمصالح المواطن وتكوين شخصيته الإنسانية النامية.

     إن السلطة المحتكرة للحقيقة, تهدف من نشاطها الرئيس قبل أي  شيء آخر, تحقيق مصالحها هي, وبالتالي هذا يتطلب منها طمس الحقيقة وليس نشرها وتعميمها. فالحقيقة التي تقر بضرورة نشر العقلانية والتنوير بين أفراد المجتمع, تقابلها السلطة بتجهيل أفراد المجتمع وسد كل سبل المعرفة السياسية العقلانية التنويرية بشكل خاص أمامهم. 

     إن الحقيقة التي تقر بضرورة نشر حرية الرأي واحترامه, تقابلها السلطة المحتكرة للحقيقة بإقصاء هذا الرأي الآخر, بل والعمل على تخوينه في أحيان كثيرة, واعتبار أي رأي لا يتفق مع مصالحها واستمرارها في السلطة, هو خيانة للوطن والمواطن ويجب على صاحب الرأي الآخر أن يدفع الثمن بأي طريقة كانت وفقاً لأساليب الترهيب والترغيب التي تتبعها هذه السلطة المحتكرة. وإن الحقيقة السياسية العقلانية التي تطالب هذه السلطة المطلقة بالعمل على توسيع هامش الديمقراطية بكل مستوياتها, تقابلها هذه السلطة بالعمل على تفصيل ديمقراطيات على مقاساتها هي, مدعية بأن الشعب لم يزل غير قادر على فهم الديمقراطية ولا كيفية ممارستها, وبالتالي تقوم السلطة الشمولية هنا باسم الديمقراطية المشروطة بمصالحها, على تسويق نوع من التسويات بين مكونات المجتمع الدينية والأثنية والعشائرية والقبلية وحتى السياسية إن وجدت, وذلك من خلال مشاركة بعض أفراد هذه المكونات في السلطة وفقاً لشروط ومعايير دقيقة يجب أن يخضع لها من يتم اختياره للمشاركة فيها, وفي مقدمة هذه الشروط أو المعايير, يأتي ولاء المشارك أو من يتم اختياره للمشاركة لطبيعة النظام ومن يقوده, وغالباً ما تقوم الأجهزة الأمنية الفاعلة بالمشاركة في هذه الاختيارات من خلال تقويم أصحابها وفقاً لمعايير توضع لها من قبل أصحاب القرار. 

     أما مسألة العلمانية التي تنادي بها السلطة المطلقة  – الشمولية – محتكرة الحقيقة والداعية لممارسة هذه العلمانية في الدولة والمجتمع, فهي ليست العلمانية التي تجسد روح المواطنة والانتماء للوطن والدولة. بل هي علمانية شكلية لا تتجاوز الخطاب الإعلامي. لذلك فكل من يقوم بتبني هذه العلمانية في فهمهما الحقيقي القائم على تجسيد المواطنة ودولة القانون وتداول السلطة, تقوم السلطة المحتكرة للحقيقة بمحاربته وإقصائه أو تهميشه حتى ولو كان من صلب هذه السلطة. فبدلاً من نشر الفكر العقلاني التنويري القائم على المناهج العلمية في التفكير والممارسة, وهي مناهج تعتمد على البرهان والتحليل والمنطق باستدلالاته واستنتاجاته, نراها تقوم على نشر الفكر الغيبي ولامتثالي والعرفاني الصوفي الذي يعتمد على الوعظ والارتجال والذاتية والحدس. وبدلا من تقديم الولاء للوطن والمواطنة, تعمل على تقديم الولاء للحزب والقبيلة والطائفة والزعيم والأمير والملك. 

     إن سلطة احتكار الحقيقة تعمل وبشكل ممنهج على دعم الحرية الاقتصادية والانفتاح الاقتصادي, في الوقت الذي تحارب فيه الانفتاح السياسي, وإن اضطرت لمارسته, فهي تفتحه للقوى السياسية التي تغرد لها أو بإسمها. 

     إن احتكار الحقيقة في نهاية المطاف هو تعبير عن حالة سياسية لقوى اجتماعية أو حزبية, أو كاريزمية محددة, تعمل على عرقلة سير تاريخ مجتمعاتها ودولها نحو الأمام, والعمل بكل ما يتاح لها من وسائل (قمعية) مادية كانت أو معنوية, على تثبيت حالة تخلف وجهل هذه المجتمعات وتهجينها, بما يخدم بقاء هذه السلطة واستمراريتها, دون أن تدرك بأن ما تقوم به هو عكس حركة التاريخ, فالمجمعات ليست مكونات عضوية تعيش وتتفاعل بغرائزها كخلية النحل, أو يمكن أن تهجن حتى النهاية وتدرب كحيوانات السيرك وفقاً لما تريده السلطات المحتكرة للحقيقة, بل إن المجتمعات قوى بشرية تمتلك قدرات من الوعي قادرة من خلالها أن تميز بين مصالحها ومصالح من يعمل على استغلالها وتهجينها, وهي في نهاية المطاف سوف تعبر عن حالات قهرها واستلابها بتمردها على واقعها تحت مسميات ثورية عندما تتاح لها الفرصة, وربما تكون حالات التمرد هذه فاقدة إلى حد كبير لمقومات نجاحها في تحقيق ما تريد, بسبب فقدانها الأساليب والمعارف التي تمارس فيها الثورات ضد القوى الحاكمة المحتكرة للحقيقة, أو لجوئها إلى تبني أيديولوجيات دينية سلفية هي أقرب إلى وعيها الجاهل والمجهل معاً, وذلك بسبب ما مارسته عليها سلطاتها من تجهيل وتغريب وتجهيل واحتكار للحقيقة عبر سنوات طويلة, لذلك غالباً ما تفشل هذه الشعوب في أول حركة تمرد لها ضد السلطة الشمولية في تحقيق ما تطمح إليه من تغيير في بنية الدولة والمجتمع, وسيكون لفشلها نتائج مدمرة على الدولة والمجتمع معاً. بيد ان هذا الفشل ليس نهاية التاريخ للشعوب او السلطات المطلقة. بل هي بداية لوعي ثوري ستتعلم الأجيال القادمة منه كيف تتمرد وكيف تثور لتحقيق ما تريد من تغيير.

ملاك القول هنا: 

     إن التاريخ لا يعود إلى الوراء, وهو أيضاً لا يمكن أن يقف عند حدود زمانية معينة تريدها هذه القوى الحاكمة أو تلك. .. فالتاريخ في المحصلة هو حركة تسير دائماً إلى الأمام .. هو سيرورة وصيرورة دائمة.. فإذا كانت القوى الحاكمة تعتقد بأنها قادرة على التحكم بحركة التاريخ وتوجيهه لمصلحتها فهي واهمة, فتجارب التاريخ تشير وتبين غير ذلك.. (فالناس يصنعون تاريخهم بأيديهم إلا أنهم لا يصنعونه على هواهم), وهنا تكمن حقيقة التاريخ وأوهام من يعملون على لي عنق التاريخ لمصالحهم الأنانية الضيقة. 

      إن ما نريد قوله والتأكيد عليه هو, ضرورة أن تدرك هذه السلطات الشمولية, بأن التاريخ لا يمكن أن يقف عند رغباتها ومصالحها فقط., فالتاريخ سيرورة وصيرورة  كما بينا أعلاه ولا بد لمكونات المجتمع أن تساهم فيه, والتاريخ الذي يصنعه الملوك والقادة والأمراء وكل من يدعي بأنه قادر على تغييب الشعب واسقاط حق مشاركته في قيادة نفسه, لم يثبت التاريخ صحته ونجاعة نهجه, وكل من يعاند حركة التاريخ التقدمية سيلغيه التاريخ ويقصيه وربما يدفعه الثمن غالياً. 

     ترى هل نتعلم من تاريخنا المعاصر بأن الأنظمة المحتكرة للحقيقة قد انتهى دورها التاريخي؟. وأن مصير نظام صدام حسين والقذافي والسادات وحسني مبارك وميرسي وزين العابدين في عالمنا العربي دليل على صحة قولنا؟. 

    ملاحظة: أنا لا أنكر أن الظروف الموضوعية والذاتية للمجتمعات والدول تفرض نفسها بهذه الصيغة السياسية أو تلك على حياة مجتمعاتها ودولها. وإن هذه الشعوب المتخلفة لا بد لها من رموز كبيرة (كاريزما) تشكل محطة أنظار لها كي تقودها نحو التقدم والنمو وتجاوز تخلفها. . ولكن الشعوب لن ترحم من تطغى عليه شهوة السلطة.. يذكرنا التاريخ بالقائد السياسي والحكيم اليوناني “صولون”, الذي طلب منه شعب أثيكا (أثينا) أن يستلم السلطة فيها من أجل حل صراعاتها الداخلية وتحقيق العدالة بين أبناء الشعب. فتسلم السلطة واستطاع بتعاونه مع من هم أهل لقيادة الدولة ومؤسساتها أن يوصل أثيكا إلى بر الأمان. وبعد أن أنهى مهمته وانتهت فترة حكمه, طلب منه الشعب أن يكون قائداً مدى الحياة. إلا انه رفض قائلا: (إن الدكتاتورية مقام جميل, ولكن طريق النزول منه غير معروف النتائج.)

*د . عدنان عويد .كاتب وباحت من – ديرالزور- سورية

الجمعة : 01 نونبر 2019.