الدرس الافتتاحي للموسم الجامعي لملحقة كلية الشريعة بتارودانت والذي القاه د. الحسين أفا وذلك يوم الخميس 31 اكتوبر 2019. واختتمت هذه الفعاليات بتسليم شهادرات الحاصلين على الاجازة بكلية الشريعة بتارودانت عن الموسم الجامعي 2018 / 2019

بسم الله الرحمان الرحيم.

         تارودانت مدينة عريقة في تاريخها، خالدة في أمجادها، تألقت في جميع العصور، وظلت قبسا للعلوم والمعرفة والفكر ،وقبلة للعلماء والمثقفين الوافدين عليها من شتى مراكز العلم في الشرق والغرب، يحجون اليها، وينهلون من ينابعها الفياضة، وواصلت دورها العلمي والحضاري كمركز اشعاعي خلاق، ومنارة العلم، وشمس الحضارة، وشعلة تضئ، تشع على المشرق والمغرب. بما قدمت للبشرية في ميادين المعرفة، وما أدت من دور فعال في تنشيط مشارب الفكر والأبحاث العلمية. مما كان له أكبر الأثر على الفكر والبحث العلمي بإسهامها عبر التاريخ في توطيد صرح المعرفة في المجالات التي أكدت الدور المعرفي للمغرب في تنوير الأدهان ونشر المعرفة.

         وتارودانت مدينة عريقة في التاريخ، أسستها القبائل الأمازيغية في عهود قديمة قبل الإسلام، واختارت موقعا متميزا في وسط سهل سوس، فكانت عاصمة سوس، وقاعدته الكبرى، وملتقى قبائله الأمازيغية المختلفة، ومقر حكام تلك القبائل، ومعقل زعمائها،كما كانت سوقا رئيسية في الأقاليم، وملتقى للتجارة والتجار فيه، بالإضافة الى كونها نافذة المغرب الأولى عن الصحراء، وقد ظلت المدينة ممسكة بزمام السيادة، وحاملة لراية الزعامة السياسية والحضارية في ربوع الإقليم طيلة القرون الماضية.[1]

         وقد ورد ذكر تأسيسها قبل الإسلام عند العديد من المؤلفين، فقد ذكر الفقيه محمد بن أحمد البوقدوري أن المدن التي تأسست قبل الإسلام، منها ماسة، وتارودانت: أسستها قبائل شتوكة وجزولة قبل الإسلام، ثم جددها السعديون وبنوا سورها العظيم، وركبوا البروج والأبواب وجعلوها عاصمة لهم في مدة محمد الشيخ السعدي وتسمى بالمحمدية في ذلك التاريخ، ومنها كذلك مدينة “أنفا”- الدار البيضاء- ومنها الصويرة التي أسستها قبائل حاحا ومنها أكادير التي أسستها المصامدة قبل الإسلام، ومنها سجلماسة:أسسها ملوك بني مدرار قبل الإسلام [2]

         ويرى المختار السوسي أن تارودانت من المدن التي وجدها الإسلام، وأنها بنيت في عهد الرومانيين، وان لم يكن لهم حكم مباشر فيها وراء شالة، كما صح من تاريخهم، فإن الأهالي لا بد أن يتشبهوا بهم، وأن يكون ذلك الخط تحت حمايتهم[3]

         ونقل الأستاذ عمر الساحلي من هامش القرطاس: ج: 2.ص 12 تعليق الأستاذ الهاشمي الفيلالي، نقلا عن أبي القاسم الزياني مانصه:» تارودانت قاعدة سوس قديما بسفح جبل الأطلس أسسها أمراء هشتوكة وجزولة لما استقل البربر بالمغرب،وكانت لها شهرة في صدر الإسلام،وبلغها عقبة بن نافع سنة 62هـ،وتمتاز بصناعة النحاس لقربها من معدنه الشهير بجبل تييوت، وصناعة الحلي والتفنن فيه «[4].

         كما  سجل عمر المتوكل الساحلي عن الفقيه مولاي أحمد البنسعيدي، القاضي بمراكش، أن تارودانت كانت من المدن السبع بعد الطوفان، وهي رواية شفوية عنه سنة 1362هـ[5].

وقد عرفت مدينة تارودانت ازدهارا اقتصاديا في العهد المرابطي، وقد سار يوسف ابن تاشفين اللمتوني، حتى انتهى الى بلاد السوس، فغزا جزولة من قبائلها، وفتح مدينة ماسة وتارودانت،قاعدة بلاد السوس،وكان بها قوم من الرافضة يقال لهم البجلية نسبة الى علي بن عبد الله البجلي الرافضي،فقاتلهم عبد الله بن ياسين، وأبوبكربن عمر حتى فتحوا مدينة تارودانت عنوة،وقتلوا بها خلقا كثيرا،ورجع من بقي منهم الى مذهب السنة والجماعة ..وأظهر الله المرابطين على من عداهم ،ففتحوا معاقل السوس، وخضعت لهم قبائله،وفرق عبد الله بن ياسين عماله بنوحيه،و أمرهم باقامة العدل،و اظهار السنة ،وأخذ الزكوات والأعشار، وإسقاط ما سوى ذلك من المغارم المحدثة ،مما جعلها تعرف رواجا تجاريا تستقطب تجارة الجنوب والشمال على حد سواء[6]

         وتعتبر مدينة تارودانت من أهم المراكز العلمية في القرن السادس الهجري، في العصر الموحدي، بفضل عظمة هذه الدولة السياسية والاقتصادية والحضارية، المتألقة في هذه المنطقة من العالم الإسلامي، بتعاظم قوتها واتساع رقعتها، ونهضة حياتها العلمية والثقافية،بفضل مشاركتها الحقيقية في هذه النهضة، الى جانب أهميتها السياسية، إذ ساهمت في النسيج الفكري بين مختلف المراكز العلمية ،في سوس والمغرب، وشمال أفريقيا والأندلس، المعروفة بالعلم والصلاح في هذا العهد، وكذلك في المناطق الواقعة جنوب الأطلس الكبير. وتزخر كتب التاريخ بأعلام هذه المنطقة ممن انطلقوا من مسقط رؤوسهم في سوس، ليشاركوا في الحركة العلمية والثقافية المغربية، وتفاعلاتها الحضارية والتاريخية مع بلاد المشرق والأندلس في العصر الوسيط، ومعظمهم من تارودانت والمناطق المجاورة، الذين فازوا بشرف العلم والفضل، ونالوا مزية تخليد تارودانت في التاريخ الفكري والديني، كما تخلدت في مجالات أخرى.

         ومن أهم المشاكل التي عانت منها مدينة تارودانت خلال القرنين 14 ،15م هي الغياب الشبه مطلق للسلطة بالمنطقة، فالسلاطين المرينيين الذين انشغلوا بمشاكل الشمال والشرق، واكتفوا بإقطاع السوس لبني معقل، كوسيلة لإدارة المنطقة، فحاول أبو الحسن المريني، تنظيم هذا الإقليم، عن طريق هذه القبائل التي احتلت أجود الأراضي بالمنطقة، وحاصرت سكان المدن وظلت تجني منهم الضرائب المختلفة، ولم تتخلص هذه المدن، وبالخصوص مدينة تارودانت من هذه الوضعية الا عند ظهور الحركة السعدية فثارت مدينة تارودانت ضد هؤلاء الأعراب بمجرد ظهور الشريف السعدي[7]

         ويعتبر القرن (10هـ -16 م) من أبرز عصور تاريخ هذه المدينة في ظل الدولة السعدية في كافة المجالات دون استثناء، خاصة في مجال الفكر والثقافة والعلوم الأخرى، وقد اهتمت الدولة بهذه المدينة، وبأقاليم سوس عموما، فغدت حاضرة سياسية، تتوفر على مظاهر الحضارة والتمدن والفكر والثقافة التي يتطلبها العصر آنذاك، وقد استقبلت تارودانت والمراكز الأخرى،عهدا ذهبيا، حيث تشير المصادر الى : زداغة وتييوت وماسة، وغيرها من مراكز العلم والحضارة، أما تارودانت فنجد محمد الشيخ السعدي يبني أسوارها، ويؤسس عددا من المرافق بها ولاية المسجد الكبير الذي يدل على عظمة ذلك العصر، وما كان يملكه رجاله من مقدرة وذوق.

ومن مجموع المصادر عن هذا العصر- مخطوطة ومطبوعة- يستنتج أن تارودانت أراد لها السعديون أن تكون مركزا ذا أهمية عسكرية واقتصادية وعلمية ،فيها مدخراتهم من الأسلحة ،

والنقود ودار السكة، كما |أن بها من حلقات العلم ومجالس العلماء ماتوزعته كتب الفهارس والأعلام والتراجم وغيرها[8]، مما يدل على أن تارودانت ظلت تحتفظ بموقعها الاستراتيجي في طريق المبادلات التجارية مع غرب أفريقيا وبلاد السودان، وارتقت في الجانب العمراني الى مرتبة العواصم الكبرى، كمراكش وفاس، وأصبحت أم القرى والأمصار …» ذات القصور المشيدة والرياض المفوفة والانهار المطردة،والمساجد المزخرفة،والمآذن المقرطة بالآليالنجوم المشنفة… لا يطير تحت جناحهذا البلد الجديد من فاس الذي هو عند بني مرين… ولا قصبة مراكش التي عند الموحدين… وإذا دكرت المحمدية لف كل منهما رأسه استحياء.[9] « 

         وقد انتعشت في عهد الدولة العلوية، خصوصا عند ما حل بها الأمير محمد العالم ابن السلطان المولى إسماعيل خليفة لأبيه على إقليم سوس، وقد أشار المختار السوسي في كتابه “نفحات الشباب” الى المستوى العلمي والأدبي لهذه المدينة في ظل الأمير محمد العالم، وكذا في كتابه المعسول: 18-ص :-286- مشيرا الى المجالس العلمية والأدبية،والمساجلات الشعرية بينه وبين أدباء سوس، وكان يحضر هذه المجالس كبار العلماء والشيوخ الفقهاءالذين ذهبوا معه الى تارودانت من فاس ومكناس، او التحقوا به. بالإضافة  الى من كان يتوفر عليه إقليم سوس من شيوخ وعلماء وأدباء، فأصبحت تارودانت بهذا النشاط مركزا علميا يضاف الى بقية المراكز العلمية على الصعيد الوطني والعربي، فكانت بؤرة علمية مضيئة، ومركزا ثقافيا مشعا على توالي الحقب والعصور، بفضل تلك المجالس العلمية التي يتصدرها علماء سوسيين وغير سوسيين في حوار فكري متجدد.وانتعشت الحركة العلمية في سوس والمغرب وانبثق منها مايعرف بالتعليم الأصيل، وهو الاسم الذي أطلق على التعليم المعروف في المعاهد الإسلامية، والمدارس العتيقة والقرويين، والمؤطر للدولة المغربية قبل الحماية الفرنسية، وحتى في أيام الحماية، وقد كان لهذا التعليم دور كبير في الدفاع عن المقدسات،والمطالبة بتحرير البلاد من عبودية القهر الاستعماري، وتمكين المغرب من الحصول على حريته واستقلاله.

         وقد تحركت همم أساتذة وطلبة هذا التعليم والمتشبعين بروحه للمطالبة بالحرية والاستقلال.وقاوموا المستعمر بمختلف الأساليب، ونشر التاريخ المغربي الحقيقي، مما حمل السلطان محمد الخامس على تشجيع التعليم المغربي الأصيل في المعاهد الاسلامية والمدارس الحرة، وأمر بعد عودته من منفاه بتأسيس المعاهد الإسلامية، في عدد من الأقاليم المحرومة منه،[10]وهو ما دفع جمعية علماء سوس للمطالبة بإنشاء المعهد الإسلامي بتارودانت.

فقد انعقد المؤتمر الأول لجمعية علماء سوس يوم الجمعة 12يوليوز 1956بتارودانت و تقرر في هذا المؤتمر مقابلة جلالة الملك محمد الخامس لوفد الجمعية التي تمت يوم 27غشت 1956برئاسة وزير الأوقاف محمد المختار السوسي، و بعد أن ألقيت كلمة الجمعية أمام الملك، قال جلالته :”انني أفتتح الاكتتاب للمعهد من مالي الخاص بمليونين من الفرنكات، و أتمنى أن أزور تارودانت ،و أن أجد حلقات الدروس في جامعها الكبير ان شاء الله ،فعليكم أن تشرعوا في العمل منذ الان ،فالله يعينكم ويرعاكم و يوفقكم “[11] ثم انطلقت الدراسة في المعهد الإسلامي بتارودانت في أكتوبر 1956م تنفيذا لاقتراح جلالة الملك محمد الخامس ،و عرف المعهد في تلك الفترة اقبالا عظيما من الطلبة، فقبل منهم سبعة و أربعون و خمسمائة 547.و قد كان اقتراح محمد المختار السوسي أن تقتصر الجمعية في مرحلة التأسيس على مائتين فقط، ولكن الاقبال كان متزايدا. وكان جل هؤلاء الطلبة قادمين من المدارس العتيقة، من بينهم من حفظ عدة متون: كالألفية والتحفة والرسالة وابن عاشروا الزواوي والجمل للمجرادي، وغيرها من المتن التي تدرس في تلك المدارس، علاوة على استظهارهم القرآن الكريم، ولبعضهم مبادئ أساسية في النحو والفقه والأدب، ولذلك تكون في المعهد منذ البداية الطور الأول بسنواته الثلاث، وزعت على عشر حلقات في مسجد الجامع الكبير على النحو التالي:

-السنة الأولى: 354 طالبا في ست حلقات.

-السنة الثانية :99طالبا في حلقتين.

-السنة الثالثة :94 طالبا في حلقتين .

   و من أجل تأطير هذه الاعداد من الطلبة و توفير الأكل والمبيت لهم ، فقد تحملت جمعية علماء سوس مسؤولية ذلك، لأن موافقة الوزارة على فتح المعهد من قبل جمعية علماء سوس كان بشرط أن تتحمل الجمعية نفقات الايواء و المطعم و أجور الأساتذة و الموظفين، وعمال المطعم و الموظفين مدة ثلاثة أشهر الأخيرة من سنة  1956،و تم في هذه المقابلة الملكية لجمعية علماء سوس ،التي اشترط فيها الملك محمد الخامس على وفد الجمعية أن يكون المسؤولون في المعهد ،إداريا و تدريسا من ذوي الكفاءات العلمية ،بشهادات من القرويين أو ابن يوسف ،توهلهم لتحمل المسؤولية في المعهد رسميا، الشيء الذي لم يتوفر عليه جل المرشحين للمسؤولية في المعهد ،ومن هنا جاءت فكرة المباراة الاستثنائية لعلماء سوس ،اذا كان جل العاملين في المعهد في البداية إداريا و تدريسا، ممن تلقوا دراستهم في المدارس العتيقة بسوس ،ثم في مدرسة الرميلة بمراكش عند المختار السوسي ، و لم يحصل منهم على الشهادة العالمية الا الأستاذ الحسين وكاك ، الذي كان من بين تلاميذ المختار السوسي  الذين أضافوا إلى دروسه الدروس النظامية في ابن يوسف ،لأن الاحتلال الفرنسي حال بين جل الطلبة السوسيين و بين التعليم النظامي في القرويين و ابن يوسف إلا النادر منهم .    و من أجل أن يتوفر هؤلاء العلماء على الشهادات التي تؤهلهم للعمل الرسمي في المعهد اقترح الاستاذ محمد المختار السوسي على وزارة التعليم أن تسمح بمباراة حرة لعلماء سوس الذين لهم رغبة في العمل الدراسي في المعهد،فقبلت الوزارة اقتراح المختار السوسي وفق المناهج المقررة في القسم النهائي في القرويين،وكان موعد المباراة الأولى في فبراير 1957م. فكان النجاح حليف المشاركين فيها،وهم من المجموعة المختارة للعمل ،وقد اسندت الوزارة للمختار السوسي اختيار هيئة التدريس بالمعهد،فاختار هذه المجموعة التي وزعت عليها مهام التدريس و الادارة بالمؤسسة على الشكل التالي :

  1. عمر بن ابراهيم الساحلي –المتوكل- مكلف بالادارة.
  2. ابراهيم بن بوجمعة الحامدي :مكلف بالدروس .
  3. أحمد بن عبد الله العدوي الأسافني: مكلف بمراقبة الدروس و بالكتابة الإدارية
  4. الحسين بن أحمد وجاج الجلوي: مكلف بالدروس  
  5. لسان الدين عبد السلام بن أحمد الدرقاوي: مكلف بالدروس.
  6. عفيف أحمد بن علي الباعمراني: مكلف بالدروس .
  7. أحمد الأقاوي –لسان الحق –مكلف بالدروس.
  8. عصامي محمد النظيفي: مكلف بالدروس.
  9. الواثق أحمد بن بريك الباعمراني: مكلف بالدروس.
  10. يعقوبي أحمد بن المحفوظ الأدوزي:مكلف بالدروس.    
  11. شاعري أحمد بن محمد الزيتوني : خريج الزيتونة بتونس: مكلف بالخزانة وبالدروس في الساعات الشاغرة

          إن تأسيس مثل المؤسسات في التعليم الأصيل لدراسة العلوم الشرعية، هي التأكيد على الهوية المغربية الأصيلة، وهذا ما أشار إليه المرحوم محمد المختار السوسي في إحدى مقابلاته مع الزعيم علال الفاسي الذي قال له:”إن المغرب اليوم في حاجة إلى مدارس إسلامية لنشر الوعي الديني بين المواطنين مثل المدار س الحرة التي أسسناها لنشر الوعي الوطني بينهم، وإذا لم تؤسس في أقرب وقت ممكن فسيصبح المغرب بلدا بلا هوية[12]“، وهذه المؤسسات هي الكفيلة بنشر العلم الديني وبناء المغرب الموحد.

  وبذلك أصبحت تارودانت مع فجر الاستقلال، محط الأنظار بفضل المعهد الإسلامي، الذي قدر لها أن تتوج به، وكان فيها منارا شامخا متميزا بنظامه الداخلي الذي كانت لروحه إقامة الصلوات الخمس في أوقاتها جماعة، وقراءة الحزب الراتب بكرة وعشية، جريا على العادة المتبعة في مساجد المغرب كله منذ عصر الموحدين محافظة على إ ستظهار كتاب الله تعالى، وتشجيعا على المنافسة في حفظه.[13]

 فإذا كان المعهد الإسلامي تم تأسيسه في عهد السلطان   محمد الخامس بفضل مجهود جمعية علماء سوس، فها هي نفس الجمعية تتبع نفس الخطة لاحداث كلية الشريعة كمؤسسة جامعية تستقطب حملة الباكالوريا في التعليم الأصيل من المعهد الإسلامي وغيره. فقد تم استقبال وفد من جمعية علماء سوس، بمعية الأمين العام لرابطة علماء المغرب   و وفد من علماء القرويين بالقصر الملكي بفاس يوم 5 يونيو 1978م ، فأعطى جلالة الملك الحسن الثاني أوامره بتأسيس هذه الكلية التي تمنى جلالته  ان تكون مصدر إشعاع روحي لإيحاء معالم الحضارة الإسلامية ، وبث التعاليم الإسلامية السمحة في نفوس النشء ،وتكوين جيل واع بالمسؤوليات الملقاة على كاهله، فكان ذلك تتويجا للتعليم الأصيل المتمثل في معهد محمد الخامس بتارودانت و فروعه و المدارس العلمية العتيقة بإقليم سوس، بمؤسسة جامعية تهتم بتوفير أسباب التعليم الجامعي بالأقاليم الجنوبية ،و تعتني بتنمية البحث العلمي، وتسعى إلى إبراز المكتبات و الخزائن الخاصة والإستفادة من كنوزها العلمية و تعمل على إقامة الروابط  الدينية و التاريخية بين المغرب  و الأقطار الإفريقية الشاسعة الأطراف، تحقيقا لرغبة جلالة الملك الحسن الثاني الذي قال في خطابه  بفاس الموجه للعلماء :”أحب أن تكون هذه  الكلية أحسن من غيرها ،و أن تخدم الشريعة الإسلامية ،حتى تكون سهلة التناول ،رفيقة المواطنين

في مختلف ميادين حياتهم [14]

   وانطلقت الدراسة في كلية الشريعة في الموسم الجامعي 1978-1979م بدار الحاج يحيى بن إيدر ،الذي وهب داره و القطعة الأرضية المجاورة له  بحي المزار  بأيت ملول ،فمنذ ذلك اليوم إلى يومنا هذا ،وقد أبى جلالة الملك الحسن الثاني إلا أن يسير سيرة أبيه في الحفاظ على التعليم الأصيل في القرويين و المعاهد الإسلامية الأخرى في مراكش و تطوان و سوس و مكناس و الجديدة ، و هو الذي أصدر تعليمات سامية لإنشاء جامعة القرويين  و الكليات التابعة لها في كل من فاس و تطوان ومراكش و أكادير ،وقد سار جلالة الملك محمد السادس في مسار أبيه وجده بتشجيعه على فتح المزيد من الجامعات في مختلف  الأقاليم للرفع من مستوى التعليم الذي هو الركيزة المعتمدة في تقوية الشعوب وتقدمها .

   وفي هذا السياق التاريخي والعلمي، انبثقت فكرة تأسيس المؤسسات العلمية الجامعية، لإحياء تلك الأواصر، وتجديد عهدها ودورها العلمي والفكري إلى الواقع، بروح قوية، وأمل كبير في مستقبل النهضة العلمية والفكرية التي يشهدها تاريخ المغرب الحديث، وتكون كليتنا هذه احدى هذه اللبنات التىتشكل بناء هذاالصرحالعظيم.                                                     أكادير في    أكتوبر 2019

                                                                                     الحسين أفا


[1]عمر الساحلي:المعهد الإسلامي والمدارس العتيقة:ج: 1-ص: 304

[2] محمد البقدوري: تاريخ قبائل هلالة بسوس. تحقيق عمر أفا .هامش :110ص 198:

[3] المختار السوسي : خلال جزولة الجزء4 ص 152

[4] عمر الساحلي :  المعهد الإسلامي والمدارس العتيقة لسوس. ج :1 ص :310

[5] نفسه

[6]الناصيري:أحمد بن خالد:الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى ج :2 ص14

[7]ندوة:تارودانت حاضرة سوس، منشورات كلية الأداب بأكادير ص:131

[8] ندوة: تارودانت حاضرة سوس منشورات كلية الأدب بأكادير ص :112

[9]عبد العزيز الفشتالي: مناهل الصفاء في مآثر موالينا الشرفاء،ص:253

[10] منجزة جمعية علماء سوس : ج :3 ص142 

[11]عمر المتوكل الساحلي: مذكرات حياتي: ص:300

[12]الحسين وكاك : المدارس العلمية العتيقة بسوس ص :16

[13]عمر المتوكل الساحلي : مذكرات حياتي ص 326 :

[14]دليل كلية الشريعة : المزار أيت ملول.