مدونة : علي هرماس .(عن صفحة الكاتب على الفيس بوك)

صور : محمد المختار الغالب

تحتل مدينة تارودانت مركزا جغرافيا وسط سهل وحوض سوس على السواء، إن كان يحيل المصطلحين الأخيرين على نفس المفهوم العام المجرد، فالمدلول الخاص بالجغرافية الطبيعية يفيد أن السهل هو المنبسط المستوي من الأرض، الممتد القابل للاعتمار والاشتغال واستغلال المقومات البيئية والطبيعية، أما الحوض فنقصد به الجغرافية الجيولوجية التي تشكلها طبيعة الأرض كقاعدة، والتربة كغطاء، وشكل التضاريس، ونوعية المناخ، والفرق بين أدنى مستوى انخفاض وأقصى نقطة ارتفاع؛ هذين العنصرين – السهل و الحوض- يربط بينهما قاسم مشترك، جعله الله عصب الحياة عليه تتوقف وبه تستمر : (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ).


تتحدد تارودانت كذلك حسب الاحداثيات التقنية الطبوغرافية بين 8° 35د شرق خط كرينيتش LONGITIDE ، و30°، 28د شمال خط الاستواء LATITUDE ،على علو ALTITUDE250م عن سطح البحر، فتنبسط المدينة بمركز السهل والحوض على عرض 3 كيلومتر ما بين الوادي الوعر الى الشمال الغربي، ونهر سوس الى الجنوب الشرقي، هذه المعطيات الطبغرافية والجغرافية جعلت تارودانت مند الأزل الى نهاية العقد السابع من القرن الماضي، تستقطب المؤثرات المناخية الرطبة وتحويلها الى كثل ثلجية في القمم وامطار في المرتفعات والمنبسط وتخزين احتياطي مهم منها في باطن الأرض، ليتفجر عيونا طبيعية متقاربة شرق المدينة، وينساب سواقي عظيمة.

من بين هذه السواقي ساقية فرايجة أو ساقية تفلاكت، اسم لنفس المجرى المائي أجمعت عليه المصادر الشفوية والمراجع المكتوبة ، فالأول وقفت عليه في تقرير اداري مرقون باللغة الفرنسية، أما الثاني وهو الأكثر تداولا يذكر بكثرة على سبيل التحديد المكاني في المحررات العدلية للأملاك العقارية بتارودانت؛ تافلاكت أو فرايجة اسما عَلَم دال لنفس المدلول، ولتحديد الدلالة وجب الاحالة على الطوبونيميا toponymie وهو علم أسماء الأماكن الجغرافية والأعلام، يهتم أساسا بدراسة الأصل اللغوي الانتروبولوجي لأسماء الاماكن والمناطق الجغرافية ومعانيها.

استنادا الى الطبونيميا أو علم الأماكينية، يمكن القول بأن اسم/لقب الساقية اشتقاق اصطلاح من اسم تجمع عمراني قديم يسمى تافلاكت، نسيج اجتماعي تاريخي برْبعْ مجمع الأحباب، واحد من أربع رْبوعات التي تكوّن في مجموعها حاضرة تارودانت الأزلية؛ يقاس عليه ارتباط آخر مشابه، هو المجرى المائي المسمى ساقية ترغونت التي تنساب جنوب المدينة خارج السور، والتي يُحتمل ان تكون أخذت تسميتها من الموقع المكاني باب ترغونت؛ كما نجد تفسيرا افتراضيا مغايرا للارتباطات والاشتقاقات الاسمية بالنسبة لتافلاكت، وهو ما ذهب في الأخذ به أستاذنا علي زكي المجاطي في كتاب “تارودانت حاضرة سوس” أعمال الأيام الدراسية 6-7-8 أبريل 1997ضمن منشورات جامعة ابن زهر يقول:”… ويمكن أيضا أن تكون قد أستقت اسمها من اسم احد الأشخاص ، فقد ورد اسم الفلاكي وهو أندلسي يشار اليه أحيانا (بالعلج) وكان قائدا للجيش المرابطين الذي تصدى وقتا طويلا لهجمات الموحدين على تارودانت ومنطقة سوس”، وكما قال ابن القطان في “نظم الجمان” ص 210:” … وصارت حصون الفلاكي كلها لهم ( الموحدين ) وصار الفلاكي يُغيرُ على جهات السوس ” .

أما عن لقب “ساقية فريجة” بالنسبة للمقطع الشرقي/ القبلاني عند المنبع، هي إحالة على الموقع المكاني المجاور، هضبة عريضة القاعدة، وعلو بارز، وارتفاع محدب القمة بانحدار مرن أقل من 20° ، ليست الساقية وحدها فقط هي التي اشتقت تسميتها من الهضبة ، بل هناك من ذهب ابعد من ذلك في تفسير طوبونيميا تسمية المدينة /تارودانت، للقول بكونه اشتقاق لغوي أمازيغي بصيغة المؤنث من أرودان وهي الهضبة أو التل، وربطها بهضبة فرايجة.

بموازاة الطوبونيميا أو علم الأماكينية، نجد تفسيرا موازيا لها عند ذ. الحسين باحسين في كتاب “أنظمة السقي بالجنوب المغربي” ص 199 ط 2018 منشورات مركز أكلو للبحث والتوثيق يقول :” فيما يتعلق بتسمية المجاري المائية الطويلة نلاحظ انها لا تحمل نفس الاسم من منبعها الحقيقي الى مصبها الفعلي، اذ تتخذ أسماء بحسب المجالات البشرية التي تمر منها لإضفاء مشروعية تملك واستغلال مياه تلك المجاري” طبونيميا الأماكينية تتجسد هنا في مجموعة أسماء دلالة مختلفة والمدلول واحد بالنسبة لأعظم ساقية بسوس بل في تاريخ المغرب القديم : فرايجة – اولاد عرفة- سنسلة – باب الخميس – تفلاكت – الخرّيجات – الحصن – الطالعة .

بعد اختراق الساقية سور تارودانت جهة باب الخميس، أخذت تسمية أماكنية جديدة هي “تافلاكت” اللقب الخامس في الترتيب التنازلي للجريان المائي ،وتفرع منها عدد من المصارف المائية الثانوية لسقي العراصي والبساتين داخل المدينة، ليبقى واحد فقط من بين مجموع المصارف تفاوتت درجة أهميته والعناية به، لكونه يكتسي صبغة استثنائية بتعدد صيغ وأوجه المنفعة الاجتماعية المشاعة؛ يتعلق الأمر بالمصرف الذي ينساب جنوبا نحو سقاية مجمع الأحباب، الأخيرة من مشيدات السعديين تزوّد المسجد الجامع هناك بماء الوضوء، وتأمن ماء الشرب لعابري السبيل، ومياه الاغتسال بالحمام المجاور، وارتواء الماشية ببراح/مراح البقر بعد رواحها كل مساء، من دون ادنى شك المصرف كان مكشوفا أي مجرى مائي سطحي على غرار مجرى تملالت من نقطة برج اومنصور حاليا الى سقاية سيدي وسيدي، بينما سقاية جامع الكبير سيق لها الماء بواسطة قناة مدفونة على عمق وقفة رجل معتدل القامة ، تُأخذ المياه للسقاية والمسجد الجامع العتيق/الكبير والحمام المجاور المحبس عليه، من مصرف البلاليع الذي كان يمر خلف ملعب ثانوية ابن سليمان الروداني، ويستقي جريانه من ساقية تملالت التي كانت تنساب بمحاذاة سور القصبة السلطانية، انظر مدونة الذكرى الثالثة “للنكبة” الرودانية ج1.

في الوقت الذي كانت تارودانت تنعم بفائض من المياه السطحية للسقي، ضابطها الوحيد عرف التوالي في المصرف والتتابع في النوبة وإشراف القائم على التوزيع/أمزال، تستخدم بمرتفعات سوس الأدنى “تاسط” ، وهي اناء من معدن النحاس له مواصفات معروفة ومعايير شكلية مضبوطة لقياس المدة الزمنية التي يسمح خلالها لصاحب النوبة بأخذ الماء لحقله، كما نجد نفس الآلة/الاناء تسمى “تيغيرا” بسوس الأقصى نواحي تزنيت لقياس مدة السقي ، المصطلح يفهم من معناه المرجعي النداء والاشعار لصاحب الحقل بانتهاء مدة نوبته التي تقدر في مجمل توقيتها بساعة زمنية، واخطار من يليه بذلك ليشرع في مدته الزمنية للسقي، ويتم ذلك بصيحة نداء من القيم الملقب ” أمزال” المراقب لنوبات السقي .

اما عن مصطلح “سنسلة” وهو مفهوم شفهي للتحديد المكاني يطلق على مقطع من ساقية تفلاكت بمنطقة المحايطة، ظل يرجح ارتباطه بفترة الحماية الفرنسية بتارودانت وهو طرح تزكيه الروايات الشفوية التي تؤكد نصب سلسلة ضخمة وعدد من حراس المخزن قربها في “دار الضو” حاليا، لتكون نقطة مراقبة وتفتيش متقدمة قبل مدخل المدينة، لضبط هوية الوافد ومنطقة قدومه ومكان نزوله اذا كان سيقيم أو تحديد صوب اتجاهه ان كان عابرا،،، صورة فتوغرافية أيضا بمثابة وثيقة تاريخية التقطها الفرنسي مارسولان فلوندران للنقطة الثابتة للمراقبة الطرقية وقتئذ ما بين تارودانت واكادير تزكي هذا القول، ليبقى منهج المقاربة والمقابلة بين الشواهد التاريخية المروية والثابتة والمنقولة مجتمعة مع المستندات العدلية المحررة، تستبعد كل فرضية لربط مفهوم لقب ساقية “سنسلة” بفترة الحماية رغم ذلك، لوجود عقد عدلي بأحد أجزاء حوالة أحباس تارودانت صفحة 7 محرر عدلي رقم 14 حرر في 1 شعبان 1320 مطلعه يقول:” الحمد لله وحده أشهدنا الناظر الحاج ابريك بن فضول الرداني ناظر مسجد الاعظم انه باع لجانب المسجد المذكور جميع النصف الباقي على الاشاعة في جميع جنان حد السنسلى …” ما يفيد أن تاريخ تحرير عقد البيع سابق لدخول الاحتلال لتارودانت بما يربو عن 20 سنة تقريبا، بل أن نعت التسمية وكناية المبيع في حد ذاته سابق لتاريخ تحرير العقد بما شاء الله.


المفهوم الشفهي “سنسلة” قصد التحديد المكاني، أطلق ايضا واحد من أهم المعالم التاريخية بتارودانت وهو باب السلسلة الذي فتح بالواجهة الشرقية لسور المدينة، بمحاذاة حومة/ رْبعْ القصبة استعدادا لزيارة بطل التحرير السلطان محمد بن يوسف لتارودانت بتاريخ الجمعة 20 دي القعدة 1378/ 20 ماي 1959؛ بينما الباب الأصلي المجاور ظل يعرف دلالة بباب القصبة ويسمى كذلك باب تمصضوت في عدد من عقود البيع العدلية الحبسية بتارودانت، لكونه يفضي الى منطقة فلاحية شرق المدينة تحمل نفس اسم المدلول.
ساقية اولاد عرفة أو ساقية تافلاكت تعد على الأقل في تاريخ الجنوب المغربي أزلية بدون منافس ولا شك لاعتبارين اثنين: أولهما ورد ذكرها على سبيل التحديد المكاني في الحوالة الحبسية لأحباس تارودانت في اكثر من محرر عدلي يرجع تاريخه للفترة السعدية بتارودانت ،نهاية القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي، علما ان تواريخ تحرير العقود هي للسند المرجعي الخاص بالملكية العقارية والتوثيق العدلي للمبيع، وليس للافتراض الوجودي للساقية، الاعتبار الثاني أن عدد من المراجع الجغرافية بالخصوص التي اطلعت على فهارسها ومنشورات مراكز البحث والدراسة التي تصفحت محاورها، لم اقف بين ثنايا سطورها ومثن مضمونها على ذكر اسم ساقية ينساب مائها ليل نهار دون انقطاع لمدة ثلاثة قرون ونصف القرن ( 350 عام).


كل زمن وتارودانت بألف خير –

( يتبع)