مبادرة من أجل وحدة الحزب بعد المؤتمر السادس للإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية     سنة     2001.                        

مباشرة بعد المؤتمر السادس للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 2001 الذي غادره الأخ نوبير الأموي  وممن كانوا يحسبون على تياره. ولأني، ككثير من الإخوة والأخوات، لم أكن راضيا على ماجريات هذا المؤتمر، وبصفة خاصة على تبعاته السلبية التي كانت تلوح آنذاك بالانشقاق، بادرت مع مجموعة من القياديين الحزبيين والمناضلات  والمناضلين عقد اجتماع في بيتي للتداول والتشاور في الأزمة، التي خلفها موقف انسحاب الإخوة من المؤتمر وانعقاده بدونهم، مما أدى، عمليا، إلى إقصائهم من كل الأجهزة الحزبية الوطنية . ولقد تم الاتفاق في هذا الاجتماع على إصدار بلاغ أطلقنا عليه « نداء من أجل الوحدة  والديمقراطية » حرره معي  الأخ المناضل الأستاذ عبدالرحيم حمدات؛  ونشر هذا النداء، آنذاك، في بعض وسائل الإعلام ،

كما تقرر العمل على استمرار هذه المبادرة، في إطار اجتماعات دورية، وعلى توسيع الانخراط فيها من طرف أكبر عدد ممكن  من   المناضلين والمناضلات،  مع العمل، في نفس الوقت وباستعجال كبير، على الاتصال بالأخ الكاتب الأول الأستاذ عبد الرحمان  اليوسفي وبالإخوة والأخوات في تيار « الوفاء من أجل الديمقراطية » وكذلك بمن كانوا محسوبين على تيار الأخ الأموي ،

 كما تقرر أن نتكفل أنا  والأخ حمدات  بعملية التنسيق والمواكبة والدعوة إلى عقد الاجتماعات واللقاءات مع القادة والمناضلين التاريخيين لمساندة مبادرتنا هاته. ولقد شاركنا في الاتصالات الأخ العزيز الفقيد الأستاذ إدريس العراقي  حيث تمت أولا  بالمناضل القيادي الاتحادي والمقاوم الكبير المرحوم محمد منصور وبأستاذ الجيل والمناضل المرحوم عابد الجابري  وبالمناضلين القياديين أمثال الأخ الأستاذ محمد الحلوي والأخ المرحوم الأستاذ محمد المجدوبي بوعمامة والأخ المرحوم الأستاذ عبد الله الولادي وآخرين  وللتاريخ، فإن جميعهم ثمنوا المبادرة وشجعونا على مواصلة المسير في عملية الدفاع عن وحدة الحزب. بل أكثر من ذلك، فإن ألأخ محمد منصور لم يستطع امتلاك دموعه، التي انهارت وهو يتألم على الأزمة التي يتعرض لها الاتحاد الاشتراكي، ورغم مرضه، آنذاك، ألح علينا، بحنكة القائد الغيور على الاتحاد الذي كان من أبرز مؤسسيه وقادته البارزين، على أن نستمر في مبادرتنا وعلى  أن نعمل ما في وسعنا من أجل صيانة وحدة الحزب ،

مع الأسف، لم تفلح كل المجهودات والمحاولات المتعددة،  التي قمنا بها والتي التحق بها العديد من المناضلات والمناضلين ومن المسؤولين الحزبيين من مختلف الأقاليم. وللإنصاف، لقد تجاوب معنا آنذاك الأخ الكاتب الأول الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي الذي ثمن مبادرتنا ووعدنا بأن يستخدم كل وزنه ومقامه من أجل إدماج الإخوة المنسحبين في الأجهزة الحزبية القيادية الجديدة، إن هم قبلوا العدول عن تبعات الانسحاب وما سيترتب عليه من انشقاق غير مبرر. بل اشعرنا آنذاك بأنه يعاني، ككاتب أول وخاصة كرئيس حكومة، من مواقف داخل الحزب أكثر مما يعانيه من خارجه. وكذلك كان موقف المرحوم الأستاذ محمد عابد الجابري وكل الأخوة القادة الذين وقع الاتصال بهم. كما وجدنا تفهما كبيرا من غالبية الإخوة الذين كانوا ينشطون تحت إسم « الوفاء من أجل الديمقراطية »، ولمسنا أيضا نفس التفهم لدى كثير ممن كانوا محسوبين على الأخ الأموي. سبب إفشال المبادرة مرده إلى عدة عوامل لا داعي لذكرها في هذه  المناسبة، لأن الغرض من هذا النشر هو التعريف بالمبادرة، باعتبارها حدثا نضاليا هاما في تاريخ   الصراع الداخلي للاتحاد من المفيد أن تستخلص منه الأجيال التقدمية الدروس في مسيرتها النضالية الحالية والمستقبلية.          

ولأن الأمور اتجهت نحو التقسيم (رغم الرسالة التي حررت، باسم جميع الداعمين لنداء الوحدة والديموقراطية، والتي وقعت من طرف الأخ حمدات ومن طرفي، والتي بعثت إلى الأخ نوبير الأموي ندعوه فيها إلى العدول عن عقد الاجتماع الذي كان سيعقد للحسم في التوجه نحو الانشقاق  وننبهه فيها إلى خطورة ذلك على وحدة الحزب وعلى قوة ومكانة الحركة التقدمية)،  قررنا الاستمرار في عملية الدعوة للدفاع عن وحدة الحزب ودمقرطته والتعبئة من أجل ذلك. وهكذا تم الاتفاق على إعداد أرضية تؤطر لهذا المسار وكلفت أنا بإعدادها. وعندما تم تقديمها وتبنيها  من طرف الجميع بمنزل الأخ الأستاذ حسن الصبار، الذي كان من المبادرين والمواكبين عن قرب للمبادرة، تقرر، بناء على طلب غالبية الحاضرين، عدم نشرها حتى لا نرهن المستقبل ونزيد في الطين بلة، كأن نتهم، مثلا، بأننا  نعمل على خلق تنظيم آخر داخل الحزب   قد يقال، الآن، إن عدم نشرها وإشاعتها كان خطأ. ربما.. لكن، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن مسلسل التفرقة والتقسيم  كان متقدما جدا، وأن نشرها آنذاك ما كان له أن يؤثر على الأحداث بشكل ملموس؛ اللهم إذا كان الأمر يهدف إلى تسجيل موقف، أو لإرضاء الضمير، أو لتأسيس تنظيم ما. وهذه أمور لم تكن واردة على الإطلاق بالنسبة لجميع الأخوات المبادرات والإخوة المبادرين. أما إذا  كانت عملية النشر هي من أجل تسجيل موقف تاريخي ، فمن أجل هذا التاريخ، وبعد استشارة بعض الإخوة والأخوات، وبإلحاح من الأخ الأستاذ عبد الرحيم حمدات  قررت معه ، نشر كل الوثائق الخاصة بهذه المبادرة؛ ويتعلق الأمر  بالنداء وبالأرضية  وبالرسالة التي وجهت للأخ الأموي. ولا  نهدف من نشرها اليوم، كوثائق، سوى استخلاص، بكل تجرد وموضوعية، الدروس التي يمكن أن تفيد في ممارسات الحاضر الحزبي والسياسي التقدمي العام وتنير سلوك الفاعلين فيه. ولنؤكد بأن الرسالة، التي وجهت إلى الأخ الأموي، لم تنشر في أي صحيفة ولم توزع إطلاقا، وإنما بقيت في إطار التواصل معه شخصيا حتى لا نحرجه

                                         الرباط في 20 دجنبر 2017

          نداء الوحدة والديمقراطية إلى كافة الاتحاديات  والاتحاديين :

الرباط  في 7 يوليوز 2001                          

يمر الآن حزبنا؛ الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بفترة دقيقة وخطيرة من حياته قد ترهن كيانه كأداة لنضال جماهيرنا من أجل التحرر والتقدم. وقد تعصف بالتضحيات الجسيمة والمجهودات المضنية التي قامت بها أجيال من قادة ومناضلي حزبنا للرفع من     شأن بلادنا، وتقدم مجتمعنا، وبناء الدولة المغربية على أسس ديمقراطية في جو تذكية روح الوطنية المسؤولة والصادقة

ويرجع ما يعرفه الحزب من أزمة إلى اسباب موضوعية تاريخية وتصرفات فردية ذاتية تراكمت، عبر السنين، تطبعها الحلقية وترسيخ الولاءات الشخصية، وتهميش عدد هائل من الأطر الاتحادية المتنورة، وضياع المرجعيات الضرورية لتعايش المناضلين وتنافسهم الشريف لتقوية الحزب والارتقاء به ولتوزيع المسؤوليات داخله حسب الكفاءات والتمثيلية الديمقراطية لا حسب الولاءات

ولقد وصلت هذه الوضعية إلى أوجها قبل وخلال انعقاد المؤتمر السادس. ولم تنته بانتهائه، بل تعمقت، وأخذت أبعادا خطيرة أضحى، معها ومن خلالها، الأفق الحزبي رهين المجهول، وأصبحنا أمام ممارسات تقدم للمواطن العادي صورة لا تليق بحزبنا؛      صورة يحزن لها المناضلات والمناضلون ويحزن لها كل مواطن غيور

وفي هذه الظروف التي تمر منها البلاد، يتعين على جميع الاتحاديات والاتحاديين، مهما كانت حساسياتهم، أن يدركوا أن وحدة الحزب ومناعته هي مكاسب تم بناؤها عبر التاريخ؛ فهي ليست من الأشياء الظرفية أو المصطنعة، التي، إن ضاعت أو ضيعت، يمكن إعادة بنائها بمجرد قرارات أو اجتماعات. إن وحدة الحزب تخزن وتجسد عصارة تجربة نضالية طويلة تكون عبر صراع ومعاناة أدى ثمنها غاليا شهداؤنا ومناضلونا؛ إنها عنصر فريد لا يعوض لميزان قوى سياسي واجتماعي ساهم ويساهم بقوة، كما يعترف بذلك الجميع، في الإقرار لشعبنا بعدد من حقوقه السياسية والديمقراطية؛ عنصركان مفتاحا لانطلاق المسلسل  الديمقراطي عموما ولإنجاح تجربة التناوب الحالية في أفق إحقاق العدالة الاجتماعية وتثبيت دولة الحق والقانون

إن وحدة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إن ضاعت، لا قدر الله، ستكون خسارة لا تعوض ليس للاتحاديات وللاتحاديين ولكن لجماهير شعبنا وبلادنا عموما

وإننا لمتأكدون بأن الأخ الكاتب الأول عبدالرحمان اليوسفي، بما يحظى به من إجماع وبما يتصف به من غيرة وحرص على وحدة الحزب وعلى مناعته، سيواصل بدون هوادة جهوده من أجل تجاوز هذه الوضعية بما يضمن وحدة الاتحاد الاشتراكي والتحام مناضليه

أيتها الاتحاديات، أيها الاتحاديون

فلنتجنب كل ما يضر وحدة حزبنا ولنعط الأولوية، وكل الأولوية، للحوار الهادئ والهادف بين مكونات الاتحاد لإيجاد صيغ لعمل وحدوي ومسؤول داخل حزبنا؛ صيغ ملائمة ومقبولة ومعقولة

فلكف عن التطاحنات ولنوقف مسلسل الفعل وردود الفعل الوخيمة العواقب. ولنعمل كل ما في وسعنا حتى لا تصل النزاعات إلى نقطة اللاعودة، خاصة وأن بلادنا وشعبنا اليوم أكثر من أي وقت مضى أحوج ما يكون إلى هذا الحزب المناضل الذي علق ويعلق عليه الآمال

فلنتجند جميعا لمعالجة الأزمة من جدورها واجتثاثها  بالقضاء على أسبابها، وذلك بتوفير شروط الديمقراطية الداخلية الكفيلة بضمان  تعايش جميع الاتحاديات والاتحاديين داخل الحزب مهما كانت حساسياتهم في إطار التوجهات العامة للاتحاد

،أيتها الاتحاديات، أيها الاتحاديون

       لنعمل جميعا يدا في يد، ملتفين ومتضامنين، على ضمان وحدة الحزب بالديمقراطية، والتنوع، والمنافسة المسؤولة والبناءة  إن  كل اتحادية وكل اتحادي معني بما يجري ومسؤول عنه، فلنكن مرة أخرى على موعد مع التاريخ

عاش الاتحاد الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حزبا موحدا    وديمقراطيا ومناضلا لخدمة تقدم شعبنا وبلادنا

الرباط في 7 يوليوز 200

   ———————————————————-

  الإستمرار في العمل من أجل الوحدة والديمقراطية  

                      (مشروع أرضية)

 تحرير  محمد عياد سنة  2001

                                                          تقديم

      لقد مرت بضعة شهور على نداء 7 يوليوز 2001 من أجل الوحدة  والديمقراطية الموجه إلى كافة الاتحاديات والاتحاديين. وهو النداء الذي خاطب ضمائر المناضلات والمناضلين، وحسهم السياسي، وتشبتهم بالمسيرة النضالية التقدمية لحزبهم، من أجل استنهاض هممهم وروح مسؤوليتهم، ليشكلوا قوة فاعلة تقف ضد مختلف المحاولات، التي قد تنال من وحدة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ومناعته، والتي قد تحول دون قيامه بالمهمات التاريخية الملقاة على عاتقه وعاتق مناضليه في الظروف الدقيقة التي تعيشها بلادنا

إن المبادرة لقيت لدى المناضلات والمناضلين ولدى الرأي العام استحسانا ومساندة يبعثان على الاعتزاز والتفاؤل. وهي إن لم تتمكن على المستوى الظرفي من إيقاف الخطوة الانشقاقية التي أقدم عليها الاخوة المنسحبون أيام 19، 20، 21 أكتوبر، فإنها فتحت آفاقا جديدة للتغلب على الأسباب العميقة التي تكمن وراء الوضعية الحالية للاتحاد؛ وهي الوضعية التي  وقف عندها المكتب السياسي على لسان الأخ الكاتب الأول الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، يوم السبت 13 أكتوبر 2001، أمام البرلمانيين الاتحاديين ليصفها بالكارثة العائلية قائلا بالحرف:  » فيما حدث يمكن أن نعتبره كارثة عائلية نؤدي ثمنها جميعا والأدهى من ذلك الثمن الذي ستؤديه بلادنا

وإذا كان نداء الوحدة، الذي أصدرناه مباشرة بعد انتهاء المؤتمر السادس،  قد أشار إلى تلك الأسباب التاريخية البعيدة، الموضوعية والذاتية، لأزمة حزبنا، فإنه تعمد ألا يقف عندها بالتحليل الكافي، وفضل، اعتبارا لإلحاحية الظرفية الحزبية ولإعطاء المبادرة كل شروط النجاح، أن يتصدى لما هو ظاهر ومستعجل منها، والمتمثل في التجليات الملموسة، التي واكبت تحضير المؤتمر السادس وانعقاده، والتي برزت على شكل تطاحنات وتلميحات وخطوات نحو القطيعة والانشقاق

والحقيقة، إن روح النداء ومستلزماته العميقة تذهب، في العمق، إلى أبعد من ذلك. فهي تدعو للتصدي بواسطة عمل مستمرداخلي، للأسباب الكامنة والظاهرة للأزمة التي عرفها ويعرفها حزبنا. وهذا ما يبرر أسباب نزول هذه الأرضية المقترحة،        التي من الضروري أن يتم إغنائها من طرف جميع الإخوة والأخوات، وأن تتم التعبئة المستمرة من أجل تحقيق أهدافها

أولا: الأزمة الداخلية للاتحاد الاشتراكي وأسبابها   

إن الأسباب التاريخية والموضوعية والذاتية، التي تكمن وراء وضعية الاتحاد الاشتراكي، كثيرة ومتداخلة يطول الحديث عنها، وتتطلب الوقفة التحليلية بمشاركة الجميع. لذلك، سيقع الاكتفاء بالجانب الذي له علاقة بالوضعية الحالية التي يعيشها الحزب من الناحية التنظيمية الداخلية

لنسجل، أن هذه الوضعية هي، في مجملها، وليدة تظافر عوامل موضوعية وسلوكيات بنيوية في مجال اتخاذ القرار السياسي وتدبير العلاقات بين المناضلين مع عامل ذاتي يتمثل في وعي المناضلين بعدم ملائمة الممارسات ، مع التحولات التي عرفها المجتمع المغربي والمهمات المطروحة على القوى التقدمية في البلاد) ومع عامل ثالث ظرفي؛ يتمثل في عدم تحديد الضوابط التي يجب أن تحكم العلاقات بين الحزب والحكومة التي يقودها

(أ) إن الاتحاد الاشتراكي لم يتمكن بعد، من تجاوز الانعكاسات السلبية العامة لواقع مجتمعنا المتخلف وللهياكل المعطلة لانعتاقه وتحديثه.  وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن هذه الانعكاسات السلبية لا تخص الاتحاد الاشتراكي وحده، بل هي عامة تطال المجتمع السياسي بكامله، وهي تشمل أحزابا كثيرة بشكل أكبر وأعمق. وإذا كان الاهتمام مركزا على حزبنا، فلأنه معول عليه من طرف الجماهير، ويحمل مشروعا مجتمعيا تقدميا حداثيا، من المفروض أن يجعله متخلصا من رواسب التخلف؛ ولأن له أيضا مركزا مهما أهله لقيادة تجربة التناوب الحالية

كذلك، لم يتمكن الاتحاد، بعد، من تجاوز نمط من السلوك ومن تدبير العلاقات بين المناضلين، الذي تمأسس حينما كان حزبنا يتعرض لمختلف أشكال القمع والتنكيل والمضايقات. فلقد اضطر، ولمدة طويلة، أن يشتغل بنوع من الكتمان، وغلب مركزية اتخاذ القرارات السياسية؛ حيث، كانت الثقة  سارية المفعول في القادة وفي تضامن المناضلين بعضهم البعض والتفافهم حول الرموز التاريخيين. إن ذلك كله كان يعوض مشاركتهم، في اتخاذ القرارات، بشكل منظم ومستمر ومؤسس. هذه السلوكيات، التي كانت في السابق تقوم بوظيفة مساعدة الاتحاد للحفاظ على وجوده وصيانة اختياراته ومواقفه، تحولت إلى نقيضها من جراء التحولات الكبيرة التي عرفها المجتمع المغربي والنضال من أجل المسلسل الديمقراطي وما تمخض عنه. فأصبحت عبارة عن تكتلات حلقية تربطها ولاءات شخصية، وضعتنا عموما أمام ممارسات تعزل السياسي لتهمشه لحساب التنظيمي، وتحول الحزب من أداة نضالية مفتوحة، لها جسور مع الجماهير الواسعة، إلى هياكل تنظيمية واقفة ومعطلة تتخندق فيها جماعات تشدها ولاءات ومصالح شخصية بحثة. إن هذه الوضعية، التي هيمنت عليها صراعات المواقع والأشخاص بدل المنافسة حول المواقف والتوجهات السياسية، على أسس ديمقراطية تحت مراقبة المناضلين، تحكمت فيها، ما يمكن أن يسمى، جدلية سلبية تولد فيها إرادات السيطرة الفئوية الضيقة أسباب التنافر والانشقاق بدل التضامن والتعاضد، وتؤدي إلى وضعية غريبة وشاذة؛ وهي أن الحزب لا يعيد إنتاج ذاته ولا يتوالد ولا يستمر إلا برحيل أو ترحيل عدد من مناضليه وأطره وتقليص مجال تنظيمه ونفوذه

(ب) مقابل هذه الأسباب الموضوعية البنيوية، أي مقابل عدم قدرة الحزب على تجاوز الانعكاسات السلبية العامة لواقع مجتمعنا المتخلف، ومقابل الجدلية السلبية التي تولد وتعيد توليد عملية الرحيل والترحيل من الحزب، توجد هناك ملامح قوية لجدلية إيجابية تبرز من خلال تزايد وعي المناضلات والمناضلين بضرورة تجاوز هذه الوضعية بسلوكياتها وممارساتها، سواء الغريبة عن هويته أو تلك التي لم تعد ملائمة مع ما يعرفه المجتمع من تحولات وتطورات ( تتجلى مثلا في توسع المنابر الفكرية والجمعيات غير الحكومية الخ…)، أو غيرها مما لم يعد مسايرا لمتطلبات تأطير وتنظيم الآلاف من الشباب والأطر في أفق تحويل الطاقات الهائلة من وضعية « إمكان » فقط إلى واقع يتجسد بقوة الفعل السياسي التقدمي

إن غالبية الاتحاديين أصبحوا يرفضون الاستمرار في الأسلوب الذي هيمن لحد الساعة على عملية  تدبير الحزب. وهذا ما أكدته أيضا مقررات المؤتمر السادس الأخير. وفي اعتقادنا ليس هناك من خيار أمام الاتحاد الاشتراكي سوى تحديث ذاته وأساليب       علاقات مناضليه فيما بينهم وعلاقتهم بالمؤسسات الحزبية، وعلى جميع الأصعدة، وعلاقة هذه الأخيرة بالمواطنين

(ج) من الأسباب الأخرى، التي عمقت الصراع داخل الحزب وأعطته حدته القصوى وأدت به إلى نقطة اللاعودة، هو العامل الظرفي المتمثل في حكومة التناوب الذي أدى، في الشروط الحزبية التي شرحنا معالمها، إلى عدم تحديد العلاقة بينه وبين الحكومة، بما يضمن لكل منهما دوره وخصوصيته، وبما يضمن التفاعل الايجابي بين الأداء الحكومي والأداء الحزبي في أفق تعزيز المكاسب الوطنية والتقدمية، وفي أفق ضمان هوية الاتحاد وإشعاعه الجماهيري وتعبئة المواطنين من أجل مساندة برامجه واختياراته

إن عدم الوضوح هذا، حول، بدوره، صراع الحلقيات إلى صراع حول المواقع داخل الحزب من أجل احتلال مواقع آنية ومستقبلية داخل الحكومة وداخل مؤسسات الدولة من برلمان وجماعات محلية؛ وهو الأمر الذي يفسر، إلى حد كبير، تأجيج السلوك الحلقي الضيق وهيمنة المصالح الشخصية الفجة إلى حد ظهور صراعات داخل الحلقة الواحدة. وهذا ما يفسر، ليس فقط، حدة الصراع الذي تجلى قبيل وأثناء انعقاد المؤتمر السادس، بل أيضا طبيعته. إن الانشقاق الحالي يتميز بكونه لم يسبقه خلاف أيديولوجي ولا صراع سياسي حول القضايا الكبرى للانتقال الديمقراطي في بلادنا. فبعض قادته كانوا متواجدين داخل المكتب السياسي، ولم يسجل أي خلاف سياسي حقيقي بينهم اللهم ما كان يتجلى من صراع حول الأشخاص والزعامات

إن تظافر هذه العناصر الثلاثة، التي أشرنا إليهأ، هو الذي أعطى للأحداث التي يعرفها الحزب صيغة الخطورة

 وخلاصة القول، إن الحزب كله كتنظيم سياسي بدل أن يعطي لمحتواه السياسي والفكري والاجتماعي – الذي يتناغم فيه استمرار الهوية التقدمية وما ترسخ من مبادئ ومرجعيات مع تجديد ذلك وإخصابه طبقا للتحولات والمستجدات  والمتطلبات الجماهيرية – تراجع، على ما يبدو، وتحلت أجهزته بلباسها البدائي الفج والمطبوع بالنزعة الحلقية والفئوية الضيقة وما يتمخض عن ذلك من عجز وانكماش وإقصاء

هناك بعض الإخوة يعتقدون بأن الانشقاق الحالي هين ويدعون إلى ضرورة عدم التهويل من الأمر. فالحزب، كما يزعمون، عرف دائما انقسامات وخرج منها منتصرا. وكأن لسان هؤلاء يجعل من الانشقاق        » الخطيئة الأصلية  » للاتحاد. ألم يكن، هو في الأصل، نتيجة انشقاق عن حزب الاستقلال؟ ألم يتجدد عبر انتفاضة 1972 وخلال المؤتمر الاستثنائي 1975؟ ألم يتجاوز أزمة 1983؟ بطبيعة الحال، هم لا ينظرون لذلك، بهذا المستوى، لكن منطوق موقفهم يخضع لهذا السياق

إن الانشقاق الحالي لا علاقة له مع ما عرفه الحزب في السابق. فطبيعة المهام المرحلية الحالية المطروحة على بلادنا وشعبنا تتطلب قطبا  يساريا تقدميا فاعلا ووازنا على الساحة الوطنية والاستفادة من إمكانيات المرحلة الحالية لتعزيز موازين القوى ولترجيح كفة المصلحة الوطنية والشعبية؛ وهو الأمر الذي يفرض التوسع والانفتاح لا الانقسام والانكماش. وفي هذا السياق، نشير إلى أن ميلاد الاتحاد سنة 1959 شكل  قطيعة؛ إذ اتخذ شكل حركة واسعة لمجموع القوى الشعبية من عمال، وتجار صغار، وحرفيين، ومقاومين، وأطر نقابية وحزبية وازنة؛ حركة ملتفة حول مشروع سياسي بديل؛ مما أعطى لميلاد الاتحاد بعده الجماهيري وتوجهه التقدمي الاشتراكي. أما انتفاضة 1972 والمؤتمر الاستثنائي الذي تمخض عنها سنة 1975، فإنها شكلت، في مجملها، مأسسة لما كان حاصلا على أرض الواقع منذ ­1963، كما شكلت قفزة نوعية لمراجعة الذات الحزبية بشكل جدري في أفق إعادة الارتباط بين الحركة التقدمية والحركة النقابية، الذي تفكك من جراء ممارسات الاتجاه النقابوي الذي رفع شعار الخبز، وفي أفق تبني النضال من أجل ما أصبح يعرف بالمسلسل الديمقراطي وتجاوز « النضال » الفوقي، الذي أدخل كلا من الحزب والبلاد في طريق مسدود. وفيما يخص حدث سنة 1983 فلقد اتخذ على المستوى الفعلي شكل إقصاء، غير مبرر إطلاقا، لنخبة من المناضلين  والمناضلات والأطر البارزين والخلصين؛ إقصاء مجحف، لكن لم يخلخل التنظيم الحزبي بشكل بنيوي. أما انشقاق اليوم المؤسف له، هو غير ذلك تماما. إنه يفسح المجال لإفراغ الحزب من العديد من أطره العمالية والنقابية ولإبعاد الشباب والمثقفين عنه فضلا عن كونه غير مبرر، تماما، سياسيا وأيديولوجيا. ذلك أنه لم يأت نتيجة تباعد جوهري في المواقف والاختيارات، وإنما نتيجة عدم التوافق حول المواقع الحزبية والعمومية، مما يفسر كونه أتى كمجرد رد فعل في أفق الضغط على الطرف الآخر ليس إلا. وعندما أخفق هذا التوافق، حصل الانشقاق بدون سابق إنذار

ثانيا: من أجل تجاوز الأزمة 

في البداية، لا بد من التأكيد على ضرورة أن تكون الحلول والمقترحات نابعة من نقاش وتحليل تشارك فيهما جميع مكونات الاتحاد. وإذا كنا نشدد على هذه المنهجية، فلأننا تعتقد أنها الطريق الأصوب التي تعطي للحلول والمقترحات مصداقيتها وتوفر لها حظوظ النجاح

وبما أن الأمر يتعلق بالجسد الاتحادي ووحدته وقوته، فمن الضروري أن يحصل النقاش والتوافق، في مرحلة أولية، حول الآليات التي تضمن هذه الوحدة وتحديد السلوكيات، التي تحدد علاقة المناضلين بعضهم البعض وعلاقتهم بالمؤسسات التنظيمية الحزبية، على أسس ديمقراطية موضوعية تضمن، في آن واحد، وحدة الحزب وتنوع مكوناته وحساسياته وتنافسها النضالي الشريف حول المواقف والتوجهات، وذلك تحت إشراف مرقبة المناضلين والقواعد المنظمة. ونعتقد أن موقعة سلوكيات الاتحاد في هذا الأفق، هي التي ستعمل على عدم شخصنة العلاقات والمواقف وستسحب، بالتالي، البساط من تحت أرجل العمل الحلقي الضيق وما يتمخض عنه من أسلوب التناور و »التنوعير » والبحث عن الأتباع والحواريين والاستخدام الفئوي الأجهزة الحزبية وتوظيفها من أجل المصالح الحلقية

:وفي هذا السياق، نقترح أن يتمحور عمل المناضلات والمناضلين حول

أ – ضرورة تقوية البعد السياسي داخل  الحزب

المقصود بالبعد السياسي هو مشاركة المناضلين   وأعضاء الحزب   بصفة عامة في رسم التوجهات السياسية والعمل ضمنها بوعي وحماس إن اي تنظيم سياسي يتوخى التحديث ويناضل من أجله على جميع المستويات كحزبنا، يستمد جانبا كبيرا من وجوده وقدرته في توسع أفكاره السياسية وتنظيماته، ومما يتيحه لمناضليه وأنصاره من نقاش حول القضايا والتوجهات السياسية. لذا، قد يبدو من الغرابة أن نتحدث عن ضرورة تقوية البعد السياسي بالنسبة لمنظمة سياسية. غير أن هذه الغرابة سرعان ما تزول؛ إذا ما تتبعنا مسار الاتحاد الاشتراكي. إن الملاحظ يدرك تماما  تغييب هذا البعد داخل التنظيمات الحزبية ولمدة طويلة ( من جراء تراكم ممارسات أشرنا إلى بعضها في ندائنا والتي تعاظمت مع ضعف التكوين والانغلاق في التدبير الروتيني ). إن الانتماء لحزب مناضل، كالاتحاد الاشتراكي، ليس انتماء شكليا يتم بواسطة بطاقة الانخراط فقط، بل يمر بالأساس عبر المشاركة الواعية في مناقشة وتحديد توجهات الحزب الانخراط فيها. فهذه المشاركة ضرورية لتفعيل عمل المناضلين والرفع من كفاءتهم السياسية وقدرتهم على تأطير الجماهير كل في مجاله الخاص. لذلك، يعتبر هذا البعد السياسي، وتعتبر هذه المشاركة في رسم التوجهات الحزبية، من صميم الديمقراطية الداخلية للحزب ومن صميم الآليات، التي توفر له شروط التوسع الكيفي والكمي، كمشروع تقدمي، وسط مختلف شرائح الفئات الشعبية. فهما يتداخلان مع ديمقراطية انتخاب الأجهزة الحزبية ويمهدان لها. ولا يقصد بالمشاركة هنا، تلك التي تتم بمناسبة المؤتمرات وداخل الأجهزة القيادية فقط، وإنما مشاركة كل مناضل داخل تنظيمه القاعدي؛ في الخلية أو القطاع أو الحي أو الفرع. وهي مشاركة يجب أن تكون منظمة ومؤطرة وغير موسمية. بالمقارنة مع هذا البعد السياسي (الذي ننادي بتقويته وتعميميه ليصبح شموليا وليعود هو الطابع الأساسي للحياة الداخلية للحزب وليقترب الاتحاد بالتالي من مفهوم الحزب السياسي بالمعنى الحديث)، نتلمس ضحالة ما يتعارف عليه ب « التشغيل » داخل الحزب والذي يقتصر في جوهره، على إشعارات ومعلومات تتخلل الفترة ما بين مؤتمرين (وهي فترة قد تصل إلى أزيد من 10 سنوات)،  وتقتصر على إعطاء الأخبار وتبادلها داخل التنظيمات القاعدية وحتى ما بين الأطر. لقد احتل هذا الأسلوب في تناول الأخبار وحتى الشائعات مكانة قصوى إلى درجة أنه أصبح هو السمة الأساسية في الحياة السياسية، مما فتح المجال بالاكتفاء بالأخبار التي تتداولها وسائل الإعلام، التي أصبح لها دور مؤثر وخطير

 إن عملية الإخبار، هاته، قد تعتمد سلسلة من المحاضرات الموجة للعموم بين الفترة والأخرى. وهي غالبا ما تتمحور حول صيغة أصبحت تقليدية وهي « الوضعية الراهنة » الوضعية السياسية الراهنة الخ. والتي هي على العموم عبارة عن تجميع الأخبار التي تراكمت عبر فترة زمنية ما. بالإضافة إلى ذلك، إن غالبية هذه المحاضرات مفتوحة للعموم وللعاطفين، وبالتالي لا تشكل إطارا ملائما لمشاركة فعالة للمناضلين هذا مع العلم أن بعضها القليل جدا، وهو الذي يهم قضايا وطنية، يأتي في شكل محاضرات مدرسية بعيدة في كثير من الأحيان عن واقع جدلية المجتمع ومستلزمات تطوره. إن هذا الجمع بين التسلسل التجزيئي للأخبار والمحاضرات لا يناسب أسلوب عمل حزب مناضل يتوخى تكوين مناضلين وأطر سياسية كفأة تشارك في إنتاج القرارات السياسية. وهو وإن كان قد أمن، في فترة ما، نوعا من التواجد الحزبي ومن التواصل بين المناضلين المؤمنين بالحزب، فإنه لم يكن كافيا لتحسين توجه الحزب وتحيين مراميه الحالية وجعله مرتبطا بتطور المجتمع وانفتاحه على الجماهير الشعبية وعلى النخبة المثقفة والأطر الكفؤة في جميع الميادين. ويجب التأكيد، هنا، على أن هذه المآخذ، التي طرحناها على أسلوب « التشغيل » داخل الحزب، لا تستصغر أهمية البحث عن الخبر الحقيقي وتمحيصه لأن ذلك مهم جدا في الإحاطة بالوضعية وضروري كمواد صالحة لتطوير التوجهات، إما بتأكيد ما هو صحيح منها أو تعديل ما هو خاطئ أو متجاوز منها. وهو ضروري في نهاية المطاف لشد التحليل النظري حتى يلتصق بالواقع المعيش. وعليه، فإن المآخذ تتعلق أساسا بتغييب النقاش حول التوجهات العامة والقرارات السياسية والمشاركة في اتخاذها عبر الاقتناع بها للدفاع عنها. وتتعلق أيضا بأن الأخبار لا تشكل إلا عناصر وروافد للتحليل ولاتخاذ المواقف

كما يجب التأكيد على أن نهج أسلوب العمل الذي يعتمد على مشاركة المناضلين في النقاش السياسي للعمل الحزبي لا يعني إلغاء أهمية دور الأشخاص، بل على العكس من ذلك، فهو يشكل إحدى الوسائل الأساسية لإغنائهم فكريا وسياسيا ولضمان استمرار نفودهم المعنوي والسياسي ووسيلة تقيهم من جاذبية الانزلاقات العفوية أو الانسياق مع واقع الحال والبنية السائدة

 وعلى سبيل المثال لا الحصر كان من الممكن أن تنصب هذه المشاركة على قضايا اساسية مطروحة على البلاد وعلى القوى السياسية نذكر منها على الخصوص

 أشكال النضال الديمقراطي وآفاقه 

هناك مشكل مطروح في الساحة السياسية وهو رسم معالم العمل الجماهيري والتوجه الوطني في إطار توسيع النضال الديمقراطي والتخفيف من معاناة الجماهير والخروج من الأزمة التي تعيشها البلاد. في ما يخص هذا الموضوع، هناك أسئلة أساسية مطروحة؛ كيف التغيير؟ وما هو مجال التغيير؟ وكيف هو التوجه نحو هذا التغيير؟ وما هي المراحل المؤدية إليه؟ من أين نبدأ وكيف؟ هل هذا المنحى سليم في توجهه وهل يكفي كما، يقول البعض، أن نبدأ من التغييرات الاقتصادية في اتجاه الرفع من الاستثمارات وتنمية مختلف القطاعات الاقتصادية والحفاظ على التوازنات الاقتصادية وإعطاء حرية أكبر للمقاولات بتغيير قوانين الشغل الخ؟ هل تكفي هذه الجوانب لفتح المجال لباقي التغييرات وتجاوز الرهانات الأخرى؟ هل نبدأ، كما يقول آخرون، بتجديد النخبة السياسية لضمان تمثيليتها للجماهير عبر انتخابات نزيهة وشفافة كمدخل لإجراء التغييرات الأخرى؟ أم نبدأ بتغيير الدستور كمدخل لإجراء التغييرات الأخرى؟

يظهر أن الحزب يسير، حسب بعض المعطيات، في طريق يصعب تحديدها. فهو يتخذ القرارات دون أن يناقش الاختيار، كاختيار، ومقارنته بالاختيارات الأخرى داخل التنظيمات الحزبية وعلى أساس مشروع أرضية رسمية. بل، لا نعرف هل القيادة تتدارس هذه الاختيارات فيما بينها، كما لا نعرف ما هي الأرضية التي يتم النقاش من خلالها مع الحلفاء

بطبيعة الحال، لو أقدم الحزب على طرح القضايا داخل صفوف قواعده ومناقشتها ودراستها، لكان ذلك فرصة لرفع الغموض واللبس الحاصل لدى الرأي العام والمناضلين، ووسيلة للتكوين السياسي وللرفع من وعي الاتحاديين وحسهم السياسي وإلمامهم بالقضايا الوطنية والدولية. لو تحقق ذلك لما تركوا للانشغال بالنقاش الأجوف والعقيم والدخول في إهدار الطاقات الفردية والجماعية، بل أكتر من ذلك لكانوا قادرين على أن يفتحوا الباب لبروز، وهذا المهم، أشكال جديدة للتضامن فيما بينهم تعوض أشكال التضامن المنبثق عن الولاءات الشخصية بالتضامن الذي ينبثق ويتأسس من قناعات واختيارات سياسية

 نمط الاقتراع

هناك أيضا مسألة جوهرية تتعلق بالانتخابات وبشكل الاقتراع. من المعلوم أن مشكلة الاقتراع اتخذ فيها الاتحاد موقفا منذ ما يزيد على ثلاثين سنة باختياره للاقتراع الأحادي الإسمي بالأغلبية عبر دورتين. ولا يهم بعد مرور هذه المدة الطويلة كيف وقع تبني هذا الاختيار، بل المهم هو أن الحزب غير موقفه بدون أي نقاش على المستوى الحزبي بالطريقة التي تحدثنا عنها؛ أي داخل القواعد الحزبية. إن نمط الاقتراع يشكل قضية حيوية لكونه  شكلا من اشكال التعبير عن سيادة الأمة، ولكون ما يترتب عنه، في مجال التمثيل السياسي، يعني أي مواطن، وبالتالي أي مناضل مناضل

 قانون الحريات العامة 

 هناك عدة مشاريع مقترحة (بعضها أحيل على البرلمان لمناقشتها)، نخص، منها، بالذكر قانون الصحافة وقانون الجمعيات وقانون الأحزاب السياسية. وهي مشاريع تهم مستقبل الحريات العامة ببلادنا وتقنن مجالاتها ، وبالتالي سترهن ،ربما، الممارسة السياسية لعدة عقود. ومع ذلك ورغم أهميتها الاستراتيجية، فإن الحزب لم يناقش محتواها؛ الأمر الذي أدى إلى تهميش دور المناضلين في إغناء وتفعيل النقاش حولها، كما أدى إلى أن ينفتح الباب لكل التأويلات. هذا التغييب تم رغم تواجد كثير من الاتحاديين في البرلمان وفي أجهزة قيادية لكثير من الجمعيات وفي الأجهزة القيادية لنقابة الصحافيين

كيف يمكن للاتحاديين أن يتعبؤوا بخصوص هذه القوانين وهذه المشاريع وهم يجهلون محتواها ومضامينها ومراميها؟ كيف يمكنهم أن يكونوا قدوة وأن يكونوا طليعة كما كانوا دائما وكما يجب أن يكونوا؟ بل كيف يمكنهم أن يكونوا منسجمين بعضهم البعض ما دام  الأمر موكولا إلى الاجتهاد الشخصي؟ وتجدر الإشارة إلى أن هذه الوضعية تستغل أيضا من طرف الخصوم

 قضية الصحراء المغربية 

 قد عرفت هذه القضية هي الأخرى تطورات جديدة متمثلة فيما سماه البعض بالطريق الثالث. ألم يكن من المستحسن طرح معالم هذا التوجه والتعمق فيه داخل القواعد الحزبية

وخلاصة القول، إن أسلوب العمل الحزبي المبني على تقوية البعد السياسي داخل الأداء الحزبي بشكل مستمر ومنظم ومؤطر، هو من الأدوات الموضوعية التي تمكن المناضلين من تحرير فضاءات العمل السياسي من قبضة روح الإقصاء والاحتكار أو من روح الجهل بها، وذلك في أفق خلق حياة حزبية طبيعية، تكون إطارا للتنافس السياسي النزيه ما بين المناضلين وتعايشهم النضالي، ضمن حزب يتطور باستمرار مع متطلبات المجتمع ومستلزمات النضال الديمقراطي. وتجدر الإشارة إلى أننا لا نتوخى من هذا التوجه أن نجعل من النقاش السياسي هدفا في حد ذاته، بل نعتبره لحظة مهمة ودقيقة في مسلسل إعادة إنتاج الحزب وتوالده؛ وهي اللحظة التي تمكن من تحديد المهام الملموسة، وتمكن جميع المناضلين من فهمها واستيعابها والانخراط فيها بحماس في قطاعاتهم المختلفة، للمرور إلى النضال من أجلها في صفوف مختلف شرائح المجتمع

ب- تدبير الاختلاف 

لقد أقر المؤتمر السادس مبدأ تدبير الاختلاف، مما يعني أن حزبنا قد أقر بوجود الاختلاف داخل صفوفه، واعتبره علامة صحية على حيوة الحزب ونشاطه. إن هذا الاختلاف يجب أن لا يؤدي، في جميع الأحوال، إلى الإقصاء، بل من الضروري تدبيره بشكل معقلن ومؤسس لضمان استمرار تعايش المناضلين ولضمان انفتاح الحزب وتوسعه. كما أن ذلك،  يعني أن الآراء داخل الحزب جميعها متساوية، من حيث ضرورة احترامها والاستماع إليها ومناقشتها والأخذ بها حسب ما تمثله داخل صفوف المناضلين. إن تدبير الاختلاف يفترض خلق الشروط لتمكين كل الآراء من التعبير عن نفسها ومن تطوير مضامينها وقياس مدى قوتها وإشعاعها. ومن محاسن قرار المؤتمر السادس بتدبير الاختلاف، هو أنه لا يرهن مصير الحزب في اختيار توجه واحد وسيناريو واحد، بل يفتح المجال، في إطار الوحدة المتنوعة للحزب، لتداول الاختيارات وتنافسها. وإذا كان الاتفاق حاصلا حول هذه المبادئ، فإنه يتعين، وفي أقرب وقت، ابتكار الآليات الضرورية لضمان تعايش الآراء بمساهمة ومشاركة جميع مكونات الحزب في أفق توجه وحدوي

ج- إقرار الاختيار الديمقراطي في انتخاب المؤسسات الحزبية 

لقد حان الوقت، بعد تجربة المؤتمر السادس، أن يتوفر الحزب على آليات انتخابية تحقق مبدأ حيادها وتمكن من قياس حجم وقوة الآراء والحساسيات الموجودة داخل القواعد الحزبية، ومن ضمان تمثيلية هذه الحساسيات داخل المؤسسات الحزبية حتى لا تصبح هذه المؤسسات مجرد جهاز غريب عن الواقع الحزب

إن تحديد هذه المبادئ يتطلب الوعي بأن الآليات الانتخابية ليست غاية في حد ذاتها، بل تقاس بالغاية المراد تحقيقها، وترتبط ارتباطا عضويا بعضها البعض. فالاقتراع السري، الذي اعتمد أخيرا من طرف المؤتمر، إذا لم توفر له الميكانيزمات المضبوطة لتطبيقه وحياده، فإنه قد ينقلب إلى ضده ليوظف عمليا لتمرير الإقصاء؛ إذ يكفي، من أجل ذلك، أن تنتظم مجموعة وتشكل لائحة سرية. لذلك وجب أن يقترن الاقتراع السري بالتمثيلية النسبية على مستوى الفروع والمجالس الإقليمية والمؤتمر حسب لوائح علنية مشكلة حول برامج عمل. وفي هذا الإطار، لا بد من وضع قانون داخلي خاص بالانتخابات الداخلية يضمن حريتها ونزاهتها وشفافيتها وعلانيتها، كما يضمن، قبل ذلك، تواجد الاختلاف إن كان حاصلا ويضمن تدبيره؛ قانون داخلي يكون محط توافق داخلي بين جميع مكونات الاتحاد

د– الانفتاح التنظيمي على الجماهير الشعبية وقواها الحية 

إن هذه المهام الثلاثة لن تكون مجدية إذا لم تصب في مهمة رابعة أساسية؛ وهي إعادة الارتباط التنظيمي للحزب بالجماهير الشعبية وقواها الحية والشروع في عملية تنظيمها وتأطيرها على مستوى مسكنها وقطاعات عملها

إن انفتاح الحزب على النضالاات الشعبية والقطاعية هو الذي سيمكنه من الخروج من قوقعة التنظيمات الجهازية الجامدة والضيقة التي تشكل فيها صراعات المواقع السمة الأساسية، إلى الفضاء الرحب للتعبئة الواسعة للجماهير؛ وهي التعبئة التي تتطلب مجهودات وكفاءة جميع المناضلين والمناضلات والأطر والأنصار والعاطفين؛ ومن أجل ذلك فليتنافس المتنافسون. إن هذا الانفتاح هو الذي سيقلص، موضوعيا، من إمكانية الإقصاء الحلقي وينمي حظوظ الائتلاف والتعاضد، كما أن هذا الانفتاح وما سينتج عنه من جدلية التواصل بين الحزب وأطره وبين المواطنين، هو الذي سيمكنه من تطوير وتحيين مواقفه واختياراته طبقا لمستجدات مطامح أوسع فئات شعبنا ومصلحة بلادنا

                                                              خـــــــاتمة

إن التوجهات التي ندعو إليها من تقوية البعد السياسي داخل العمل الحزبي وأدائه، ومن ابتكار وسائل لتدبير الاختلاف وإقرار الاختيار الديمقراطي في عملية انتخاب المؤسسات الحزبية لتحرير مجالات جديدة للعمل السياسي في أفق تقوية الحزب وضمان وحدته المتنوعة وإشعاعه وسط الجماهير هي التي تشكل، في واقع الأمر، الرهانات المصيرية المطروحة على حزبنا لتجاوز أزمته الداخلية وهي المسلك الذي يوفر إمكانية وضع قاطرة الحياة الداخلية المتجددة للحزب على السكة الصحيحة التي تبتعد عن شخصنة العلاقات والمواقف

 فلنعمل جميعا يدا في يد على كسبها  

الرباط    في 5 دجنبر  2001

من الذاكرة الإتحادية :عن موقع الاستاذ محمد عياد