عندما يعم الحديث عن النموذج التنموي الجديد ببلادنا، لا يمكن أن لا نستحضر الجانب الإيديولوجي والصراعات والتطورات المرتبطة به، والتي ميزت بقوة التموقعات الجيوستارتيجية للدول القيادية في العالم (تقليدانية العصور الوسطى ما قبل القرن السادس عشر، عصر الحداثة الممتد من منتصف القرن السادس عشر إلى منتصف القرن العشرين (ما قبل الحرب العالمية الثانية)، وعصر ما بعد الحداثة المجهول المعالم الذي نعيشه اليوم). وعندما يتم الاقتناع بالاستحضار الضروري والحتمي للإيديولوجية، يبرز على السطح مدى تطوير مسارات “صناعة” التمثلاث الثقافية في المجتمعات ووقعها في مختلف المجالات والقضايا المرتبطة بها أو ما يسمى بالفرنسية في علم الاجتماع ب « Constructions sociales ».

ولكي تعم الفائدة، ومن أجل الإسهام في إغناء النقاش المفتوح ببلادنا الذي دشنه صاحب الجلالة محمد السادس بخطبه المتتالية خلال سنة 2019، أرى أنه من الأفيد تناول القضايا الثقافية، ذات الوقع القوي على الجانبين التنموي اقتصاديا وسياسيا، بتخصيص مقال خاص لكل موضوع أو قضية.

وعليه، نظرا للارتباط الوثيق ما بين مسارات “صناعة” التمثلاث الثقافية ببلادنا وقضية المرأة أو مقاربة النوع، يبقى إبراز الدور الهام للتطوير المندمج لهذه الصناعة، بآليات الإشراك والمشاركة، في إنجاح ورش بلورة نموذج تنموي عقلاني ومندمج مجتمعيا، وقابلا للتنفيذ عبر مراحل مضبوطة، وبأفق واضح المعالم، ذا أهمية بالغة.

وقبل الدخول في صلب الموضوع، بدا لي في البداية ضروريا الإشارة إلى كون موقع المرأة الحالي مغربيا (وحتى غربيا) لا يمت بصلة بموقعها العقلاني الموضوعي (البيولوجي)، بل قضية حريتها وتطويرها كانت دائما خاضعة للتمثلاث المجتمعية. إن الثورات الإنسانية وحدة تطورها، التي دشنتها الديانات السماوية، ضد حرمان المرأة من حقوقها، والتي كانت في القديم تشمل حتى الحرمان من الحق في الحياة (وأد البنات)، والتي ارتقت اليوم بآليات سياسية وتشريعية إلى مرحلة متقدمة جسدت النضال من أجل المناصفة، وضعت المجتمعات، وهي تستعد اليوم للدخول إلى العشرية الثالثة من القرن الواحد والعشرين، أمام سؤال تمكين المرأة ثقافيا من مكانتها الطبيعية، من خلال صناعة تمثل مجتمعي جديد عقلاني يناسب واقع شباب ما بعد الحداثة. إنها فئة الشباب، التي تمثل أكثر من 70 بالمائة من ساكنة العالم، التي نجحت بامتياز في إيصال رسائل واقعية إلى الجميع، أكدت من خلالها انتصار المساواة كممارسة وتفاعلات يومية بين الذكور والإناث في المدارس، والجامعات، والإدارات العمومية والخاصة، وفضاءات التنشئة والترفيه العمومية، وشواطئ ومخيمات الاصطياف، ومراكز البحوث، ….. . إن تحليلات الباحثين في السوسيولوجيا وعلم النفس الاجتماعي تؤكد اليوم أن القيم أو الممارسات عند الطفولة والشباب، التي تميز التفاعل اليومي بين الجنسين، تكرس في نفس الوقت فكرة المساواة، مع عدم وجود أي انشغال لتحويلها إلى قضية “نضال سياسي”. إنه واقع معقد إلى حد ما، ويتطلب البحث عن الآليات لتكريس هذا الواقع المعاش في المجتمع في المؤسسات الإدارية والتمثيلية. إن التفاعل على قدم المساواة في مجتمع الشباب المتعلم له قيمة استعمال كبيرة (Valeur d’usage)، بل وصلت إلى أعلى المستويات المطلوبة.

إن المغرب، الذي يشتغل بقوة في هذا المجال منذ إعطاء الانطلاقة لخطة إدماج المرأة في التنمية، مطالب اليوم، لجعل نموذجه التنموي يستجيب لتطلعات العصر، بخلق الآليات العلمية الناجعة التي ستخلق مصالحة فعلية وتامة ما بين واقع السلوكيات المعاشة المبنية على المساواة، وواقع البناء المؤسساتي، وآليات تنخيب فاعليه. فخطوة المرور إلى إجبارية المباراة في الولوج إلى الوظيفة في القطاعين العام والخاص، وإلى مناصب المسؤولية،  تعتبر ذات أهمية قصوى بالرغم من القصور الذي يميزها. لقد طفا على سطح الوقائع والأحداث الرسمية وجود تفوق نسائي نسبي على مستوى النتائج في مختلف الأسلاك التعليمية. فهذا المعطى موجود وثابت على مستوى الواقع، ولا ينتقص من أجل تكريسه مؤسساتيا إلى الإرادة السياسية لترسيخ مبدئي المساواة والاستحقاق في التباري والمنافسة والتنخيب السياسي، ورفع الوصاية الذكورية على النساء كبناء ثقافي تقليدي أكل الدهر عليه وشرب.

إن التكيف مع الواقع وتطوراته لا يتطلب رفض المنطق (كواقع نسبي يجسد حقائق العصر) ومنازعة مفهوم الحقيقة الموضوعية، بل جعل الحقيقة مرتبطة بالسلطة الطامحة لتجسيد عقلانية الواقع وتقوية موضوعية تفاعلاته، وليس الخضوع للسرد المجتمعي الرجعي بمختلف لغاته التقليدانية. في نفس الوقت، على المؤسسات الرسمية وغير الرسمية أن تكون أكثر طموحا للتقدم بوثيرة عالية في تطوير الحقائق المجتمعية، بالشكل الذي يراكم الموضوعية والعقلانية، كما وكيفا (الجودة)، في التعبير والسلوك والفعل لدى الأفراد والجماعات.  

فأي نموذج تنموي طموح، لا يمكن أن يعبر عن جديته وسماته التطورية، إلا إذا جسد محتواه، ومراحل تفعيله، موضوعية العصر، موضوعية تتحول إلى ميثاق مجتمعي، يجعل العلوم مصدر إلهام ثقافي، ولها وقع كبير على إبداع لغة مجتمعية جديدة ومتجددة، تمتاز بالعقلانية والقدرة على تحويل حقائق العصر إلى قيم منطقية، تترتب عنها سلوكيات وأحداث معقولة.

خلاصة

في اعتقادي، إن توقيت إعلان حاجة البلاد إلى نموذج تنموي جديد يعبر عن وعي الدولة بكل مكوناتها بحساسية المرحلة، والحاجة إلى تقوية قدرتها وجدارتها على قيادة التغيير، ليبقى رهان إدماج الواقع مؤسساتيا، وعدم القفز عليه، من خلال تنشيط التفاعل والنقاش المثمر بين مكوناته (النخب والشعب المغربي العريض)، لخلق تمثلاث مجتمعية عقلانية وموضوعية، مطروحا ويستحق المتابعة. إن الواقع المغربي في نهاية العشرية الثانية من العهد الجديد عبر بالواضح عن وجود حركية مجتمعية قوية، تحولت إلى انشغال رسمي، نتيجة لما تخللها من حراك بمطالب مادية وخدماتية (تحسين مستوى العيش الدنيوي). لكن، نتيجة الإقرار الرسمي لغياب التفاعل العقلاني والموضوعي الذي تستحقه المرحلة، واتساع الهوة ما بين الطوائف والقبائل الجديدة ونخب الوساطة، فرض على الدولة المغربية إلزامية حرق المراحل، والانغماس الفوري في العمل الجاد لتحسين نظرة المواطنين إلى المؤسسات وإلى بعضهم البعض، وإلى المرأة بشكل خاص، ككائن بيولوجي لا يختلف في شيء عن الرجل، خاصة في هذا العصر الذي لا يعطي أي أهمية للقوة الجسمانية زمن اندماج الإنسان والآلة Transhumanisme. لقد حان الوقت مغربيا، من أجل خدمة المستقبل، أن يترجم النموذج التنموي المأمول على مستوى الواقع المعاش إلى حقائق مجتمعية عقلانية، تقرب الأحداث والسلوكيات الفردية والجماعية من فحوى النصوص والنظريات العلمية التي تميز العصر، وتقرب المواطن من نخب ومفكري وصحافيي وعلماء وطنه، من خلال إفساح المجال لارتقاء الاختيار والانتقاء في مجالي الاحتكاك والوساطة.

إن تقوية الوحدة الوطنية تتطلب تجاوز الانقسامات الآخذة في التفاقم بسبب الانفعالات العاطفية التي تأججها الخطابات الشعبوية والتقليدانية، والإنكباب على تأهيل المواطن في مجال توسيع حمولة استقباله الدائم للخطابات، وتحليلها موضوعيا، وبالتالي تحويله إلى عنصر فاعل في مجال تجديد الحقائق وتغيير الواقع المعاش نحو الأحسن والأجود. إن التدبير المستمر للمرغوب فيه مجتمعيا، لا يمكن أن يكون ناجعا بدون تحديده أولا، وشرح أسباب الرغبة فيه ثانيا، والعمل بوعي لتحسينه أو تجويده ثالثا، وترسيخ النظرة الجديدة له في المجتمع رابعا. إن المرأة تولد امرأة بيولوجيا، ويجب أن تبقى امرأة، وليس من المقبول في عصرنا الحالي أن نجعل منها مجتمعيا “امرأة” مخالفة لطبيعتها. لقد كانت مدة صلاحية الحقائق في العلوم الرياضية والفيزيائية والبيولوجية والكيماوية وغيرها تحتسب بالقرون، وأصبحت اليوم تحتسب بالعقود أو السنوات. في نفس الوقت، أثبت التاريخ أن النظريات المفكر فيها بعمق وبذكاء شديد تدوم لفترة طويلة.

الجمعة 27 دجنبر 2019.