مختلف عليه. (1)

د. عدنان عويّد

“لا اجتهاد في مورد النص”

     “لا اجتهاد في مورد النص”: قاعدة فقهية,  يندرج تحتها كثير من الفروع الفقهية. وإذا كان الأمر كذلك، فسيبرز السؤال التالي: هل تعني هذه القاعدة، أن النص، والاجتهاد لا يجتمعان. أي, إذا وُجد النص فلا اجتهاد حينئذ, وإذا لم يوجد، فيكون باب الاجتهاد مساغا بضوابطه، وشروطه؟. أي الوقوف عند مصادر التشريع التي حددها الشافعي , وهي العودة إلى القرآن والحديث والاجماع والقياس. 

     أو بتعبير آخر بالنسبة للوجه الأول للقاعدة: هل المراد من القاعدة الفقهية المشار إليها هنا، أنه: لا يصح اجتهاد في حكم مسألة ورد بشأنها نص صريح من الكتاب، أو السنة الصحيحة، أو الإجماع الثابت. أي: لا اجتهاد في المحكمات، والنصوص القطعية، كمسائل العقيدة من توحيد الله، والشهادتين، وكذلك أركان الإسلام، ومعاقد الإيمان، وأصول الشريعة، وقواعدها الكلية. ومثلها: الحدود، والكفارات، وأمهات الأخلاق، وأمهات الرذائل، -إضافة- إلى الضروريات الخمس (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال.)، التي تدور على المحافظة عليها أحكام الشريعة. فهذه المسائل أجمعت عليها الأمة، وتلقتها بالقبول جيلا بعد جيل. 

     أما الوجه الآخر للقاعدة، وهو: جواز الاجتهاد مع النص. بما معناه: إذا امتنع الاجتهاد؛ لمعرفة الحكم مع وجود النص، فإن النص نفسه يجوز فيه الاجتهاد، لا لقبوله، أو رفضه، وإنما لفهمه فهما دقيقا، ولا يكون ذلك إلا وفق القواعد التي وضعها العلماء لذلك. وهو ما يسمى عند علماء الشريعة: “الاجتهاد الاستنباطي”، وهو: فهم آيات الأحكام، وأحاديثها، وتنزيلها على فقه الواقع؛ كي لا تفضي إلى تحقيق خلاف المقصود منها. ومثله أيضا: الاجتهاد في دلالة النص إن كان غير واضح الدلالة، أي الاجتهاد في توسيع دلالة النص، وتحقيق مناطه، فهذا النوع لا يدخل في المنع الوارد في القاعدة الفقهية. وعلى سبيل المثال فإن قول الله -جلّ في علاه-: “وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ”، فالقرء، لفظ مشترك بين الطهر، والحيض، لا يمكن أن يراد به المعنيان معا ؛ لأنهما متضادان، فيجب الحصر إما إلى الأخذ بالطهر، كما قال بعض الفقهاء، أو الأخذ بالحيض، كما هو مذهب الفقهاء الآخرين، وكل وصل إلى المعنى بدليله، واقتنع به، أنه المقصود من النص على طريق الاجتهاد.

 من هذا المنطلق التجديدي في الفقه, لما تتطلبه ضرورات العصر وحاجاته, نجد اليوم الخطاب الحداثي في الفقه, قد أدرك بعد تجارب طويلة ضرورة التجديد من خلال فتح باب الاجتهاد على ما يسمى اليوم “بفقه المقاصد”، خاص بعد أن تيقن دعاة هذا الخطاب الحداثي بأن الأفكار التي يدعون إليها لن تجد قبولاً ولن تظفر بأرضية تترعرع فيها إلا إذا استندت إلى فكرة تمثل لها البعد الديني والامتداد التاريخي في الفكر الإسلامي.

 وعلى هذا الأساس ظفر الخطاب الحداثي على تلك الاجتهادات الصادرة من عمر بن الخطاب, بما اتصفت به هذه الاجتهادات بالعمق في الاستدلال, والتعامل البعيد عن مجرد الاعتماد على ظاهر اللفظ؛ وذلك حين استجدت في عصره قضايا راعى فيها هو ومن معه من الصحابة اختلاف الأوقات وتنوُّع الأحوال، وهو ما أدى بهم إلى تغليب اجتهاد على اجتهاد، كمثل إيقاف عمر لنصاب المؤلَّفة قلوبهم، (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ …). (التوبة 60). وعدم تطبيقه لحد السرقة في عام الرمادة، (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.) . (المائدة:38). وعدم تقسميه الأرض المفتوحة (الخراج) على الغانمين، (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.) (41 الأنفال).  وغيرها من الاجتهادات الفقهية.

     إن عمر بن الخطاب, تخلَّصَ من سلطة النص في اجتهاده وألغى ما دل عليه من الفرائض وما تضمنه من الأحكام، وغيَّر شعائر ثابتة في الإسلام لأجل المصلحة العامة، ولأجل تطوُّر السياق التاريخي، وأكد للقراء أن المصلحة مقدَّمة عنده في بناء الأحكام الشرعية وفي فهم النصوص الدينية والتعامل معها، وأنها هي المبدأ الوحيد التي تحاكم إليه.

      وهذا الفيلسوف والفقيه ابن رشد يعتبر “التأويل”*من أهم الأفكار الفلسفية، بحيث جعل من فلسفته, فلسفة مفتوحة غير مغلقة الدائرة، مما يسمح باتساع الرؤية و انفراجها كلما ازدادت معطيات الواقع الفكري و الثقافي ثراء و ازدهارا. (1)

     ففي التأويل يؤسس ابن رشد لمشروعية الاختلاف القائم على مبررات عقلية أو علمية، ويقضي على الرؤية ذات الاتجاه الواحد، حيث أن الخطاب الدوغمائي (الجمودي) يفرض على معتنقيه الاستسلام الفكري المطلق للقراءة الحرفية للنص الأصلي. و أن أية محاولة لقراءة النصوص حسب المتغيرات و التطورات و المناهج القائمة على العقل والهدفة إلى تحقيق المقاصد الأساسية للدين, تتهم بالزندقة والتحريف، ومن هنا كان تأسيس ابن رشد لمفهوم التأويل العقلي الذي هو تدشين أرضية صالحة ثقافيا للاختلاف الثري و الخصب في الرؤية و المنهج، مما أوجب عليه طبيعة الحال استئناف النظر مجددا و بعمق وروية ووعي نقدي في معظم طبقات الثقافة العربية التي تشكلت بمصادرها الكثيرة، بعد تفسيرها و تحليلها بموضوعية بوجه خاص.

     من هنا يشكل مفهوم الاجتهاد القائم على (المصالح المرسلة والاستحسان) الذي قام به عمر بن الخطاب, وعلى (التأويل العقلي) عند ابن رشد بالنسبة لنا مخرجا علميا و دينيا مناسبا في عصرنا الحاضر, للتخلص من الاتجاهات الحرفية و الظاهرية و الدغمائية التي تحاول بعض الجماعات الأصولية اعتناقها و الدفاع عنها، معرضة عن مستجدات العصر و تطوراته العلمية و الحضارية من ناحية، و ناسية أو متناسية ذلك الأفق المفتوح لسيل المعاني و المفاهيم الإلهية التي يمكن أن يصل إليها فكر المجتهدين و الحكماء ممن ينظرون و يعتبرون في نصوص إلهية لا تنفذ معانيها و لا تخلق لطائفها على مر السنين، متسلحين في ذلك بالعلم الصحيح و بالفكر المنفتح.

*عدنان عويد كاتب وباحث من سورية

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) – موقع سودارس –  مخارج التأويل والإجتهاد في قراءة النص والفلسفة عند إبن رشد … مونيس بخضرة – 30 – 05 – 2013