تعتبر قضية تدوين الحديث قضية إشكالية كبيرة, وعلى أساسها ظهرت خلافات فكرية وفقهية وسياسية لم تزل قائمة حتى اليوم. فهناك من يقول بأن الرسول قد سمح بكتابة الحديث, بناء على روايات مؤيدة للتدوين, حيث جاء في المستدرك عن الصحيحين عن عبد الله بن عمرو، أنه سأل النبي أن يكتب ما يسمعه منه في كل أحواله، فأجاب النبي ( نعم، إنه لا ينبغي لي أن أقول إلا حقاً.). أو اعتمادهم على الآية القرآنية التي تقول: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى – النجم ). (النجم 3-4).

     هذا في الوقت الذي نجد فيه أحاديث وروايات للرسول والخلفاء الراشدين وللصحابة تنفي دعوة الرسول لكتابة الحديث. ولكثرة هذه الروايات المتعلقة بآراء الرسول والخلفاء والصحابة يجعلنا نقف على مدى صحة روايات من قالوا بأن الرسول أمر بتدوينه.  

     لا شك أن الرسول ميز بين ما يقوله هو كبشر, و بين ما يوحى إليه من عند الله. إذ هو في نهاية المطاف بشر شأنه شأن الآخرين.  

     وهناك في الحقيقة أدلة كثيرة تؤكد لنا أولاً بشرية الرسول. كما في قول الآية: ( قل سبحان ربي, هل كنت إلا بشراً رسولاً). الإسراء .( الآية 93). وقول الآية:  (وقل إنما أنا بشر مثلكم.). الكهف – الآية – 110).

      ونجد أيضاً من الحوادث التاريخية المعروفة والمشهورة في حياة الرسول ما يؤكد بشريته حيث كان يقول: (إنما أنا بشر مثلكم إذا أمرتكم بشيء من رأيي, فإنما أنا بشر. ). رواه مسلم والنسائي. وكذلك في حديث له رواه مسلم. ( إن ظننت ظناً فلا تأخذوني بالظن, ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل.). وكذلكً قول الرسول في حجة الوداع : (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع , فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً, فإنما أقضي له قطعة من نار.).(1).  وهذا ما يؤكد بأن ليس كل ما يقوله الرسول هو وحي يوحى, أي إن هذه النصوص تؤكد بلا شك أن ما لله في وحيه لله, وما للرسول من قول خاص به فله, وهذه الآيات والروايات تضع الحدود بين كلام الله وكلام الرسول. وبالتالي فإن مضمون الآية المتعلقة بما ينطق عن الهوى, هي خاصة بنصوص القرآن التي كانت توحى للرسول , وهذا ما سوف نعرج عليه تالياً. 

موقف الرسول من كتابة الحديث:

     أما موقف الرسول من كتابة أو تدوين الحديث فهناك الكثير من الأحاديث التي تبين رفضه لكتابة الحديث.

      ففي حديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي, وأحمد والدرامي عن أبي سعيد ألخدري قال: ( قال رسول الله (ص) لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن, ومن كتب عني غير القرآن فاليمحه”.). 

        وعن أبي هريرة  يقول : ( خرج علينا رسول الله (ص) ونحن نكتب الأحاديث, فقال: ” ما هذا الذي تكتبون ؟. قلنا أحاديث نسمعها منك . قال: كتاب غير كتاب الله ؟. أتدرون؟. ما ضل الأمم قبلكم إلا بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى).   

إذن إن الرسول كان يعرف دوره في هذه المسألة التبشيرية. فهو ليس أكثر من مبشر وداع لهذا الدين بما يأمره الله. 

موقف الخلفاء من كتابة الحديث:   

       أما موقف ابي بكر فقد قال : ( إنكم تحدثون عن رسول الله (ص) أحاديث تختلفون فيها. والناس بعدكم أشد اختلافاً, فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً, فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله, فاستحلوا حلاله, وحرموا حرامه.).(2) .

 ولقد روت عائشة، حسبما جاء في “تذكرة الحفاظ” للإمام الذهبي، أن أبا بكر جمع عن النبي خمسمئة حديث، ثم بات ليلته يتقلب، ولما أصبح قال لعائشة: أي بنية لمي الأحاديث التي عندك, فجئته بها فدعا بنا فحرقها فقلت: لم أحرقتها؟ قال: خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت, ولم يكن كما حدثني فأكون قد نقلت ذاك.)

     أما موقف عمر فقد قال: ( إني كنت أريد أن اكتب السنتين, وإني ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله, وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً.) . وله قول آخر أيضاً: ( أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيما يعمل.).(3). 

     لقد كان عمر بن الخطاب أشد رفضاً من أبي بكر لرواية الأحاديث وتناقُلها على ألسنة الناس. حيث جاء في “تقييد العلم” للخطيب, أن ابن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار فيها أصحاب رسول الله، فأشار عليه عامتهم بذلك، وبعد شهر قال: (إن أناساً من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبِس كتاب الله بشيء أبداً.) وترك كتابة السنن. 

      هذا ولم يكتفِ عمر بما اهتدى إليه من عدم كتابة السنن، بل أحرق الكتب التي جُمعت فيها الأحاديث. جاء في “تقييد العلم” للخطيب أن عمر بن الخطاب، بلغه أنه قد ظهر في أيدي الناس كتب فاستنكرها وكرهها، وطلب من الناس رؤيتها، فظنوا أنه يريد أن ينظر فيها ويقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار، ثم قال: (أمنية كأمنية أهل الكتاب.). كما منع عمر الرواة من تناقل الأحاديث. وجاء في “مختصر تاريخ دمشق” لابن منظور و”البداية والنهاية” لابن كثير أن عمر بن الخطاب قال لأبي هريرة: (لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس! وقال لكعب: لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة.) وجاء في “تذكرة الحفاظ” للإمام الذهبي أن عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري؛ فقال: (لقد أكثرتم الحديث عن رسول الله.) وجاء في كتاب الإرشاد لأبي يعلى الخليلي أن عمر بن الخطاب حبس جماعة منهم أبو هريرة وقال: (أقلوا الرواية عن رسول الله، وكانوا في حبسه إلى أن مات). 

وهذا الخليفة عثمان بن عفان له الموقف من الحديث ذاته: حيث جاء في “الطبقات الكبرى” لابن سعد أن: عثمان بن عفان وقف على منبر وقال: (لا يحل لأحد يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر، فإنه لم يمنعني أن أحدث عن رسول الله ألا أكون من أوعى أصحابه عنه، ألا إني سمعته يقول: مَن قال عليّ ما لم أقل فقد تبوأ مقعده من النار.).

ملاك القول:

     لا شك أن للسياسة دوراً كبيراً في اعتماها على الحديث, وخاصة زمن الخلافة الأموية بسبب حاجة الخلفاء الأمويين ومن جاء بعدهم للحديث من أجل تثبيت حكمهم وشرعنته بعد أن حوله معاوية إلى ملك عضوض, فبعد وفاة الرسول ووقوف الوحي, وبعد جمع القرآن, لم يعد هناك مجال للاعتماد على النص القرآني في تبرير أو شرعنة ما جاء من أحداث تخللتها المصالح السياسية والاقتصادية من جهة, ثم توسع حياة المجتمع والدولة وحاجتها لتشريعات تتناسب مع هذا التوسع من جهة ثانية, لذلك راح الحديث يتصدر المشهد السياسي والفقهي من قبل المعارضة والموالاة معاً حتى وصل عدد إلى (130000) الف حديث, معتمدين في تبرير نسبه إلى الرسول بشكل أساس على الآية القرآنية القائلة: ( والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى, وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى, علمه شديد القوي .). (سورة النجم . 1-5). من خلال تفسيرهم لهذه الآية على أنها تعني كل ما قاله الرسول في حياته وعمله. الأمر الذي جعل مروان بن الحكم الذي لمس سيولة غير مسبوقة من الأحاديث على لسان المعارضين للحكم الأموي, أن يتخذ موقفاً من الأحاديث التي كانت تروى عن الرسول ضد بني أمية وظلمهم, فراح يخاطب أهل المدينة قائلاً : ( يا أهل المدينة إن أحق الناس أن يلزم الأمر الأول لا أنتم. وقد سالت علينا أحاديث من قبل هذا المشرق لا نعرفها ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن. فالزموا ما في مصحفكم الذي جمعكم عليه الإمام المظلوم رحمه الله, وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم .). (4). وهذا دليل على عدم الركون إلى الأخذ في الحديث وتقديسه.

     على العوم : تذكر المصادر التاريخية أن أول من دون الحديث عند السنة تدويناً رسمياً هو (محمد بن مسلم بن شهاب). المتوفى سنة 124 هـ بأمر من عمر بن عبد العزيز, حيث نقل عنه  قوله: (لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني). (5). إلى أن جاءت محنة البرامكة زمن هارون الرشيد, ودورهم في الترويج لفكر البيت العلوي, الأمر الذي دفع الخليفة هارون أن يعتمد على الشافعي في العمل على مواجهة موقف البرامكة, بموقف ما سمي بأهل السنة والجماعة, فقام  الشافعي بوضع أصول الفقه السني, وحدد المصادر الأساسية للتشريع فيه وهي القرآن والحديث والاجماع والقياس. فمع الشافعي راح الحديث يأخذ مكانته العلمية والتشريعية وحتى وضعه المقدس بعد القرآن, على أساس أنه كلام موحى به من عند الله للرسول كما جاء في تفسيرهم للآية (وما ينطق عن الهوى…), ويكون الشافعي بعمله السياسي هذا قد اغلق العقل تماماً على ما يريده أهل السنة والجماعة كما سموا أنفسهم, إلى أن جاء الانقلاب الفقهي والكلامي للمأمون الذي حارب النقل (الخطاب السني) واتخذ من العقل وحرية الإرادة وسيلة للوصول إلى الحقيقة, فكانت محنة ابن حنبل, التي أفرج عنها الخليفة المتوكل سنة 232هـ, بإصداره الفرمان المخالف  لفرمان المأمون, أي محاربة من يعتمد على العقل وضرورة العودة إلى النقل, أي العودة إلى التمسك بأصول الفقه التي حددها الشافعي ومشروعه السياسي السني, وشكلت محاكم التفتيش ضد كل من يقول بالعقل وحرية الإرادة. 

  فمع إصدار المتوكل فرمانه الموالي للسنة, مكّن فيه أهل الحديث (النقل) ووفر لهم الجو من التفرد بكتابة الحديث أو تدوينه. أي كتابة تصورهم المفهومي الخاص للإسلام وتشريعه الملزم, ومحاربة كل من يخالفهم واتهامه بالكفر والزنقة, كون الحديث أخذ يشكل مع الشافعي أحد القوانين التشريعية الرئيسة بعد القرآن في ضبط حركة المجتمع ومصالح الناس. ففي غضون الفترة المباشرة التالية للانقلاب السني مع بيان المتوكل, فرغ أهل الحديث من تفعيل النص النهائي للسنة سنداً ومتناً, فظهرت كتب الحديث الستة الشهيرة وهي : (صحيح البخاري المتوفى سنة 256 هـ. وصحيح مسلم . المتوفى سنة 262هـ . وكتاب الحديث لإبن ماجة المتوفى سنة 273هـ. وسنن أبي داوود المتوفى سنة 275هـ. و كتاب الترمذي المتوفى سنة 279هـ. وكتاب النسائي المتوفى سنة 303). وقد اكتسبت كتب الحديث هذه وخاصة مسلم والبخاري صفة المصداقية المطلقة في كل ما ورد فيها من حديث,. (6)

     منذ ذلك التاريخ أي منذ منتصف القرن الثالث للهجرة ومحاكم التفتيش السنية السلفية تقف بالمرصاد لكل من ينتقد الحديث ويقول بالرأي, فهذا ابن حنبل يقول : الحدبث الضعيف عندي أهم من الرأي). وعلى هذا الرأي قدس الحديث ورواته وجامعية, جتى نالهم التقديس شأنهم شأن القرآن ذاته. بل راح بعضهم ينسخ القرآن بالحديث نفسه.

ملاحظة: ظهر المذهب الجعفري مع نهاية الدولة الأموية  وبداية بناء الدولة العباسية, مع بداية ظهور المذاهب السنية. فعندما أقيمت الخلافة العباسية انشغلت  بتطهير الأرض من بني أمية والقضاء على الفتن الصغيرة وتوطيد دعائم الدولة الجديدة, وكانت بحاجة إلى وقت لتثبيت حكمها وتشييد أركان نظامها، ولذلك لم تعنَ كثيراً بالحركات الدينية والثقافية, مما أتاح للإمام  جعفر الصادق (80هـ 148هـ) نشر مذهب وفقه أهل البيت, وتربية عدد كبير من العلماء الفقهاء و المفسرين و المتكلمين. وقد ورد من الأحاديث والروايات عن الإمام الصادق ما لم يرد عن غيره من الأئمة المعصومين، خصوصاً في الفقه الإسلامي. فإن المذهب الشيعي ازدهر في ذلك العصر فعُرف منذ ذلك العصر بالمذهب الجعفري.

د.عدنان عويد كاتب وباحث من سورية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1-   فجر الإسلام – احمد أمين ص 234 

2-  الذهبي – تذكرة الحفاظ- 1333هـ ج1 – ص3. طبعة الهند.

3-  ابن عبد البر – جامع العلم وفضله- المطبعة المنيرية- ج1- ص64-65.

4-  ابن سعد – الطبقات- دار صادر بيروت- ج5- ص233 

5- نقلاً عن كتاب نشأة الشيعة والتشيع – للإمام محمد باقر الصدر 6– 2- السلطة في الإسلام – عبد الجواد ياسين- مصدر سابق-  ص 153-154 تحقيق وتعليق الدكتور عبد الجبار شرارة – بيروت 1996 –