لهذه المقالة دوافع ذاتية. أولها، أني في حماوة هذا الاكتساح المتسارع لمقولة الحداثة في تداولنا الثقافي والسياسي، طرحت على نفسي مرارا السؤال التالي:

لماذا في القراءة الأولى، في بداية السبعينات، لكتاب «الأيديولوجية العربية» للمفكر العروي، لم تنحفر في ذهني كل حمولات هذه المقولة، وهو أول من حمل دعوتها المتسقة والجذرية. ومع أن الفكر الماركسي الذي كنا عليه، وعلى علاته وتشوهاته، كان يقبل بها مبدئيا، ويثمنها في ما كان يسميه «بمكاسب الثورة البورجوازية». (؟ !) ثم لماذا لم تكن دعوته التحديثية الشاملة، وأساسها ضرورة استيعاب الفكر التنويري التأسيسي مقولبة حصرا في فكرة الحداثة كما هي أيديولوجية اليوم؟
هذا السؤال الذاتي هو الذي دفعني أن أقرأ من جديد الكتابين «الأيديولوجية العربية» و «العرب والفكر التاريخي». وقبل أن أدخل صميم الموضوع، وجدت أن «العرب والفكر التاريخي» به تفصيلات وتدقيقات لمنهجية الكاتب، وهي التي كنت بحاجة إليها لفهم هواجسي السابقة. وأيضا، هي التي ارتكزت عليها في هذه المقالة.
والدافع الثاني، وفي صلة بالأول، أن توجساتي من الأيديولوجيا الحداثية السائدة اليوم، كانت ومازالت، في أنها تكاد تكون فارغة المحتوى السياسي – المجتمعي العيني، ولهذا لم تُحدث بعد النهضة المجتمعية المفترضة. ويعود ذلك، في ظني إلى انفصامها عن الأيديولوجية الاشتراكية. وهذا ما جعلني أطرح السؤال عن «الحداثة بين الليبرالية والاشتراكية» من زاوية الممارسة في أوضاعنا المجتمعية. ولقد تبين لي في الأخير، أنه إذا كانت الغاية من تناول هذا الموضوع، تدور في النهاية حول محور واحد، هو، كيف نجعل من الممارسة السياسية والفكرية مطابقة لواقعنا المجتمعي ومعاصرة لعالمنا الراهن، فإن التفكير في ما أسماه الراحل ياسين الحافظ «السياس – تاريخ» سيكون هو الإطار الجامع لملاحظاتي النقدية بين الليبرالية والاشتراكية. وهذه الخلاصة أتمنى أن أصل إليها، بعد تناول الموضوع في مرات أخرى ومن زوايا مختلفة لأسئلته العديدة والعالقة. ولا أحتاج هنا إلى أن أبين، أن التفكير في الماركسية هو في نهاية التحليل وبالضرورة تفكير في الاشتراكية، بينما ليس التفكير في الاشتراكية هو بالضرورة تفكير في الماركسية. ولذلك فالشطر الأول من هذه المعادلة هو الذي يعنيني في هذه المقالة.

(1)

وبالعودة الآن إلى الكتابين المذكورين، فمن المؤكد لدي بعد المراجعة، أن تفكير العروي حينها، كان منصبا على كل ما كان يتصل بتحديث الفكر العربي وبالعقد التاريخية التي كانت تعترضه، ولم يكن شأنه اشتقاق هذا التحديث مما صار تنظيرا مجردا للحداثة كما تقدم نفسها اليوم، ومع أنه تناول مرتكزاتها الأساس فيما بعد في الأيديولوجيا والدولة والعقل والحرية، ودائما بنفس النهاجية التاريخية المشدودة جدليا لواقعنا التاريخي. ولعل شبه غياب لاصطلاح الحداثة، وغلبة اصطلاح التحديث في النص، ومع حاشية توضيحية يقول فيها «لا أرى مجالا للنقاش في مفهوم التحديث أو العصرنة، لأنه بديهي إلا عند المكابرين المتصوفين. لكن وسائل التحديث كثيرة تاريخيا ونظريا، والنقاش مفتوح حولها»…(لعل في ذلك) ما يفيد أن مفهوم الحداثة المجرد لم يكن هو المسلطن على تفكيره ونهاجيته. وقد يعود الأمر إلى زمنية الكتابين، حيث مازالت الحداثة أفعالا للتحديث من داخل الصراع العالمي بين الأيديولوجيتين الليبرالية (الرأسمالية) والاشتراكية، وهو ذات الصراع الذي كان يحد أفق المرحلة التاريخية والتي كانت عليها المجتمعات العربية. ولذلك رأيناه يختار في هذا الصراع الانحياز إلى ما أسماه «بالماركسية التاريخانية» كإمكان موضوعي لتحديث المجتمعات العربية.
أما وقد انهارت التجربة الاشتراكية العالمية وتراجع الصراع الأيديولوجي الذي كانت تغذيه، وتجعل من تناقضه الأفق التاريخي الممكن، فإن فكرة الحداثة ستتحرر من هذا الصراع، ومن بنيتيها الأيديولوجيتين الرأسمالية والاشتراكية، لتغدو بذاتها معيار نفسها في التقييم والنقد. وهذا ما يفسر هذا التضخم والتورم الجاري لفكرة الحداثة في هذه المراحل الأخيرة. لكن هل الصورة الواقعية للصراعات الاجتماعية، هي كذلك؟ هذا ما سنراه بعد قليل. ومع ذلك، يبدو لي من المفيد في المنطلق تسجيل هذه القولة للعروي من محاضرته حول «عوائق التحديث»:
وهنا أسجل نقطة في غاية الأهمية.. متعلقة بالمنهج: لكي نفكر في الحداثة، هل ننطلق من الواقع، وبالتالي نستمع أولا وقبل كل شيء إلى المؤرخين، أم ننطلق من المفهوم وبواسطته نقيم الواقع، بل نحكم عليه بمقاييس خارجية؟ وهذا ما يُفعل اليوم بكثرة : ننطلق من مفهوم الحداثة، كما نؤوله، ثم نحكم به على مجتمعات، إما في الماضي وإما في الحاضر، دون اعتبار للتلوينات التي يقوم عليها عمل المؤرخ»

(2)

وللعجالة التي أجد نفسي مضطرا لها، سأنتقي بعضا من نص «جان بودريار» عن الحداثة، كتبه للموسوعة العالمية، يقول في بينه:
ليست الحداثة مفهوما اجتماعيا أو سياسيا أو تاريخيا، وإنما هي أسلوب حضاري يتعارض مع أسلوب التراث وجميع الثقافات التقليدية السابقة. وفي مقابل التقليد المتنوع، تظهر الحداثة موحدة وعالمية انطلاقا من الغرب، رغم كونها ما تزال تصوراً غامضا يوحي بكل تطور تاريخي وتغير في الفكر والذهنيات والعقليات.
ليست الحداثة مفهوما للتحليل، وليس لها قوانين، ليست نظرية، وإنما هنالك منطق للحداثة. كما أن هناك أيديولوجية الحداثة. إنها قانون التغيير في مقابل التراث، رغم كونها تتحفظ عن التغيير الجذري.
ترتبط الحداثة بأزمة تاريخية وبنيوية. وهي ليست أكثر من عرَض من أعراض تلك الأزمة. إنها لا تحلل الأزمة. وإنما تعبر عنها بصفة غامضة وملتبسة. تعبر عنها في شكل هروب دائم إلى الأمام، وتلعب دور الفكرة – القوة، ودور الأيديولوجية الموجهة(…)
ويبين مجال الأنتروبولوجيا بشكل واضح وأفضل من التاريخ الأوروبي، حقيقة الحداثة. ويؤكد على أنه ليس هناك تغيرات جذرية أو ثورة، وإنما هناك تداخل دائم ولو بشكل ضمني مع التقاليد والتراث في إطار لعبة ثقافية متبادلة…وتتم عمليات التكيف بشكل غامض، وبذلك تترك جدلية القطيعة مكانها إلى نوع من الدينامية الغامضة والملتبسة…
وأتمنى من القارئ أن يتمعن جيدا في هذه المقاطع، والتي هي محاولة للإمساك بمفهوم الحداثة من خلال توصيف وقراءة لسيرورتها في مجريات الواقع / التاريخ. ولهذا وجب التنبيه ألا نخلط بين الفكرة وسيروراتها في الواقع التاريخي. وفي هذا الاستخراج للفكرة من تصوير لسيروراتها الواقعية لا نجد إلا ثلاثة مفاهيم إيجابية (أسلوب حضاري، منطق للحداثة وأيديولوجية تغيرية، والحداثة موحدة عالميا انطلاقا من الغرب). وكل الباقي نفي وسلب والتباس. والملفت بينها، أنها ترتبط بأزمة تاريخية بنيوية، وهي عرض من أعراضها، لكنها لا تحلل الأزمة، وإنما تعبر عنها بصفة غامضة. وجميع المحددات الايجابية هي في علاقة «تناقضيه» مع التراث التقليدي أولا، ومع الأوسع منه ثانيا، أي بما فيه ما يصير من الحداثة نفسها جزءا من ماضيها.
ربما تترك هذه المقاطع التعريفية لغلبة النفي والالتباس عليها انطباعا باللاجدوى من القدرة التحليلية للأيديولوجيا الحداثية عموما، إلا أنه انطباع مخادع مأتاه الخلط بين الفكرة وسيرورات الواقع. ولهذا ينبغي استحضار كل القيم التي أسستها الحداثة في مجتمعاتها المتقدمة، وبالذات تراثها التنويري – الليبرالي التأسيسي، والذي مازلنا نحن في طريق استنباته فكريا ومنهجيا. وهنا لابد من التنويه بالدور الكبير الذي قام به مفكرونا «بأجيالهم الثلاثة» في حمل الدعوة الحداثية النقدية، كيفما كانت أوجه القصور للحصيلة ولحالاتها الراهنة. وأعني تحديدا، أن هذه التنظيرات والاجتهادات، في أغلبها، لم تدخل بعد مجالات «النفي والالتباس» الغالبة على مفهوم الحداثة لكي تنير طريقها..فهي في معظمها مازالت بين التبشير والدعوة، ولم ترق بعد إلى مصاف الأيديولوجية الحداثية النقدية البديلة، بالقياس لأطروحة العروي في الكتابين المذكورين. ولذلك، أجازف بالقول، أن سؤال «ما العمل؟» لا يزال شبه غائب في حصيلة ما أنتج عندنا في هذه المرحلة التبشيرية – الدعاوية. ولأن «النفي والالتباس» هو من صميم السيرورة الواقعية للحداثة، فإن حاجيات التحديث تتطلب إعمال الفكر في التناقضات الاجتماعية الثقافية السياسية كما تجري على أرض الواقع، ومن تَم تحديد الاتجاه الممكن للتقدم كما هو في الحاضر الوطني والعالمي. وهي إشكالية تعود بنا، في ما أرى، إلى إعادة النظر في التناقض الحاصل بين الأيديولوجية الليبرالية الرأسمالية (والأيديولوجية التقليدية عندنا جزء متمم لها) والأيديولوجية الاشتراكية، كما هما اليوم في مجتمعنا، وحيث إشكالية التحديث مستدمجة في هذا الصراع. ولا يغيب عني، أن سؤال الاشتراكية اليوم، بات هو الآخر سؤالا إشكاليا، يحتاج إلى تفكيك وإعادة بناء.. لكن هل الليبرالية عندنا قويمة وفالتة من هذا الاستشكال؟ الشيء المؤكد في الحالتين، أن التغاضي عن السؤالين معا، يفضي إلى حداثة ثقافوية دائمة الإعاقة وعديمة الفعالية الاجتماعية – السياسية التي هي قاطرة التقدم. ألا يذكرنا هذا، مع الفارق بطبيعة الحال، بوضعية النخبة الألمانية التي إستلذت في أوج ماضيها «بثورتها الفلسفية» ومع أنها كانت في وضعية التأخر المجتمعي، ظنا منها أن ثورتها الفكرية التأملية وحدها طريق الخلاص بعد أن حققت اكتفاءها الذاتي !
ولعل هذا ما يفسر لنا، لماذا الفكر الحداثي عندنا مدموغ بتعويله على «القدرية»، انطلاقا من أن الحداثة لا مناص منها مهما قاوم التقليد، وإلا فالاحتضار هو المآل في عالم اليوم. هذه التفاؤلية الحتمية تعوض في الحقيقة عن عجز الحداثة الاجتماعي. وإذا كان التعليل الضمني، أن الأيديولوجية الاشتراكية قد توارت وانتُقدت وتمَّ تجاوزها إلى حد كبير في الفكر الحداثي العالمي، فهل هذا يبرر أن النظام الرأسمالي العالمي، والمحلي التبعي، باتا الخيار الوحيد الممكن (؟) يقينا أن هذا السؤال لن تجد له مكانة مركزية في التنظير الحداثي الغالب عندنا.

(3)

المأثرة الكبرى «للأيديولوجيا العربية» والعرب والفكر التاريخي»، أنهما:
بناء على تحليل واقع «التأخر التاريخي»، أبرزا تأخر البنية الثقافية – الأيديولوجية عن البنيات الاقتصادية القائمة في المجتمع، ناهيك عن تأخرها الكوني. مما يضع مهمات الهيمنة الثقافية الحداثية في صدارة مهمات التغيير والتقدم.
ومن تحليل جذري ونقدي للخطاطات الماركسية المتداولة، وفشلات الدولة القومية وأفقها المحدود، وهي أعلى مرحلة وصلتها الدولة في المجتمعات العربية، ومن تحليل للنزوعات الموضوعية التي تشد هموم المثقف في «العالم الثاني» المتأخر، بينا، أن استلهام النخبة (بأصنافها) للماركسية التاريخانية هو الأفق المفتوح للمعاصرة الكونية ولتدارك التأخر التاريخي.
وجذير بالملاحظة، أن الدعوة إلى تبني الماركسية التاريخانية، لم يكن اختيارا تفضيليا ذاتيا، بين الأيديولوجيتين الليبرالية والاشتراكية، وإنما كان لدواعٍ موضوعية تلبي الدعوة حاجياتها. أولها، أن الماركسية تستوعب نفس المبادئ المنهجية لليبرالية النشأة والتأسيس، وخاصة منها العقلانية ومركزية الإنسان في صنع تاريخه. وثانيها، أنها المدرسة الأكثر تشبعا بالتاريخانية لأنها منهجيا بُنيت على أساسها. والخاصيتان السابقتان يستجيبان لحاجة أيديولوجية موضوعية لدى مجتمعاتنا في التحرر من أسر العقل التقليدي المشدود إلى الماضي والمتخيل في معظمه.
واختيار الماركسية التاريخانية لم يكن مفصولا أو متعارضا مع البرنامج الذي طرحته الدولة القومية والحركات التقدمية عامة في التحرر من التبعية وإنجاز الاستقلال الوطني والتصنيع والإصلاح الزراعي والاتحاد العربي ودعم الثورة الفلسطينية، مع إضافة ما لم يكن واردا بنفس الأهمية الاستراتيجية في هذا البرنامج، وخاصة تحديث اللغة العربية ومسألة «الأقليات» في التكوينات المجتمعية العربية.
إن فضل الماركسية التاريخانية، إذا ما عُربت وبُيئت في ثقافتنا في كافة مجالات البحث والإبداع، أنها ستمد نفس البرنامج التحرري بالتماسك الأيديولوجي المطابق له، والذي يجعل من إجراءاته قوة ثقافية من شأنها تحويل المجتمع إلى مجتمع حديث في عقلياته ومؤسساته وسلوكات مواطنيه، ومن شأنها الانفتاح على التقدم والمعاصرة الكونية. وهذه هي الوظيفة التاريخية لتبني الأيديولوجية الماركسية الموضوعية أو التاريخانية. وبعدها لكل حادث حديث.
في البرنامج المذكور ليس من ترتيب للأولويات حصري وحتمي، إلا بالقدر التابع لنضوج الشروط الموضوعية والذاتية، فقد تتأخر مثلا الديمقراطية المؤسساتية الليبرالية إلى حين آخر، لكن مع شرط التقدم الدائم في تحديث الثقافة المجتمعية، ولعل هذا ما ترك التباسات حول هذه الأطروحة من دعاة الليبرالية، الذين سارعوا إلى اتهامها ببناء نموذج لا يختلف عن نماذج البيروقراطية الحمراء. وبصرف النظر عن هذا التسرع المتهافت، وحتى عن المسارات الممكنة للتحديث في ظل تبني الماركسية، فإن الفكرة الأعمق هي التي استخلصها العروي ومنذ أواخر الستينات، في أن النماذج التي آلت في تحديثها إلى شكل من أشكال الاستبداد أو الكليانية، كألمانيا وروسيا وإيطاليا وإسبانيا، يعود في الأصل إلى أن تحديثها لم يقم على ليبرالية سياسية، ولهذا لا يمكن للمؤرخ أن يحذف هذه الضرورة حتى وإن تأخرت في السيرورة التاريخية للعملية التحديثية.
لكن هل معنى هذا الاستدراك الليبرالي عودة حتمية إلى النظام الرأسمالي، كما قد يستفاد من أن الماركسية الموضوعية ليست إلا لتدارك التأخر، وما أن يتم الانتفاع منها في إنجاز هذا الغرض حتى تنتفي ضرورتها الموضوعية. وألم تكن عودة النظام السوفياتي وتوابعه تجربة دالة على هذا المآل(؟). في اعتقادي، أن العروي لم يقدم جوابا تحليليا نهائيا وقطعيا عن هذا السؤال، إلا من حيث أن هذه البلدان العائدة إلى الليبرالية تلبي شرطا تحديثيا ديمقراطيا ضروريا فوَّتته في تجربتها التاريخية. ومستقبلها مرتبط بما أنجزته «اشتراكيتها» في تحديث كلية مجتمعها، وعلى قدر ما أهلها ذلك للانخراط في المنافسة الكونية المعاصرة. والعولمة الحالية بوجه عام لن تكتمل، كما أن الصراع من أجل العدل والمساواة سيظل قائما ومحركا لعالم أفضل. وثمة قولة له، في ما معناه، مادام هناك تأخر (لمجتمعات ذات طموحات حضارية)، ثمة بيئة موضوعية للماركسية التاريخانية.
وإذا كان الأمر كذلك، فما القول في انهيار الدولة القومية العربية، وهي التي لم تمر على المستوى الأيديولوجي بما مرت به الدول الاشتراكية، ولا هي جربت الماركسية التاريخية، بينما عاشت تجربة انتقائية مترددة، حافظت خلالها على نفوذ قوي للتقليد على أكثر من مستوى (؟) يقينا أن العودة إلى الليبرالية في الحالة المصرية (العمود الفقري للدولة القومية) خلال السبعينيات من القرن الماضي، ولعقود، كانت نكوصا رجعيا أشد تخلفا وتأخراً من ليبرالية الثلاثينيات التي كانت، في كل الأحوال، ثمرة لسيرورة نهضوية محجوزة. لقد كانت ردة بجميع المعاني، ضاعفت التقليد في الثقافة والاجتماع، ولم تنجز لا الليبرالية ولا التنمية، وكانت فاتحة للتدهور المتواصل الذي عرفه العالم العربي عامة.
أما الوضع العربي اليوم، فهو في جملته يترنح ويتخبط بين تفكك مجتمعي يهدد وحدة الكيان الوطني، وبين الدوران في نفس الحلقة المفرغة لليبرالية معاقة. ولذلك، يبقى السؤال عالقا: هل قطعنا أشواطا فعلية في تجاوز عوائق النهضة المحجوزة في المستويين الحاسمين (اقتصاد إنتاجي حديث + تركيبة اجتماعية مناسبة عضويا وثقافيا). وبالتالي، ألا تظل الحاجة إلى استثمار الماركسية التاريخانية قائمة، رغم كل المضاعفات السلبية التي أنتجتها الردة، وزادت منها العولمة، بين تفككات مجتمعية فعلية وتفككات أخرى ثقافية ناعمة؟ !
ربما في مقارنة سريعة لا تخلو من دلالة، وفي رد على سؤال: لماذا اليسار في أمريكا اللاتينية يحتفظ على قوته، بين تقدم وتراجع نسبيين، بينما لا يزداد اليسار العربي إلا ضمورا وتراجعا، كان جوابي، أن هناك أنتجت الثقافة الدينية المسيحية، في مرحلة، «لاهوت التحرير» المعقم ماركسيا..وهنا أنتجت ثقافتنا الدينية المتكلسة لقرون، «القاعدة» و «داعش». وهذا فرق شاسع رغم كل القواسم المشتركة!

(4)

في تركيزي على الجوانب السابقة للماركسية التاريخانية، لم تكن غايتي تقديم عرض لشساعة الغنى المعرفي الذي احتواه النص، ولا لتسلسل أسئلته الاستدلالية الدقيقة، ولتلويناته التاريخية لكافة المفاهيم المستعملة، فأنا أعرف أن هذا المبتغى إن لم يكن صعب المنال، فهو على الأقل يحتاج إلى بحث تفصيلي منهجي ودقيق النظر. ولكني رُمت مما سبق، أن أبين كيف أن الحداثة عندما تندمج، ويكون شغلها الشاغل، الممارسة المجتمعية الحية، ومسعى التاريخانية تحديدا هو (المطابقة والإنجاز)، تُنجب أيديولوجيا حداثية بديلة، منغمسة في السياسة وفي حاجيات الصراع الملموسة، فتتعدى كونها قيما ومثلا برانية كيفما أطعمناها بنقد بعض الظواهر التقليدية المعروفة. بل أزيد على ذلك، أن أطروحة العروي كما هي في الأصل، لم تقدم لنا تشخيصا أيديولوجيا نقديا، وأيديولوجيا حداثية بديلة وغنية التعيين وحسب، بل اقتربت من أن تمدنا أيضا بالعناصر الضرورية لوضع سياسة ثورية، قائمة على تفكيك تاريخي للماركسية والليبرالية وتأويلاتهماومفاهيمهما في المنهج والنظرية وما يناسب وضعنا التاريخي منهما، وعلى بعض الخطوط الرئيسة في التشكيلة الاجتماعية الأقرب لديناميات واقعها الفعلي، ولدور النخبة (والمثقفين) وتكويناتها السياسية والثقافية في الصراع الاجتماعي، بمفهوم لعله أقرب إلى غرامشي وإن تمايز عنه، لكنه بعيد كل البعد عن الاستعلائية الانعزالية لحالة المثقف اليوم ولتصوره المستعار الذي بات يتخيل فيه تموضعه المستقل.
ولكي لا يساء الفهم مرة أخرى، فإني لا أهجو ولا أبخس الفكر الحر في جميع تخصصاته العلمية، ولا الفكر الفلسفي في أعلى تجريداته، إنما القصد دائما، أن ما وصلنا إليه لم ينجب بعد أيديولوجية تركيبية حداثية بديلة، مندمجة بالممارسة المجتمعية الحية، تنير لها الطريق وترسم لها الاختيارات اللازمة أو الممكنة. وهذه كانت المأثرة الكبرى لأطروحة العروي في زمنها، وفي ظني أنها ما زالت تحتفظ بقدر كبير من حيويتها رغم التبدلات الكارثية النوعية الطارئة على الوضع العربي اليوم..
وبكل أسف، فإن العديد الأكبر من الذين أبدوا آراءهم وتقيماتهم لها، بعد عقود من الخبرة الاجتماعية والثقافية، لم يتساءلوا قط فيما إذا كانت الدعوة إلى تبني الأيديولوجية الماركسية التاريخانية، قد ولى زمنها وفقدت فعاليتها، أم أنها مازالت صالحة، وكيف؟ لقد تعاملوا، وكأن انتفاءها مسلمة من مسلمات انتصار الرأسمالية على الاشتراكية، وتواري الماركسية في الأيديولوجيا الحداثية و»ما بعد الحداثة» السائدة في عالم اليوم.
وأحسب أن هذا التغييب لم يكن تقصيرا في التقييم وحسب، بل أضاع على الفكر الحداثي أسئلة خصبة، كان من شأنها أن تساهم في إدماجه بالممارسة المجتمعية. ولا أدل على ذلك من القصور الواضح للفكر الحداثي تجاه انعكاسات العولمة على واقعنا المجتمعي والاختيارات الممكنة للخروج من التأخر والتخبط في ليبرالية معاقة ومستدامة على جميع المستويات.
وكما قلت في السابق، سيحتاج هذا الموضوع إلى عودات أخرى، مرات ومرات، ومن عدة زوايا نظر، حتى يستكمل نضوجه ويفي بغرضه. وعلى سبيل المثال: ما معنى استلهام الفكر التنويري، هل هو تكرار استنساخي له، أم هو إبداع لقيمه في ممارسات جديدة وظروف تاريخية مغايرة بالكامل.؟ وألا تدل تجربتنا التاريخية على أن النقد الوضعي، أي من خارج الثقافة الدينية، كانت وستظل مردوديته ضعيفة، وبالتالي، ألا نحتاج لثورة روحية من داخلها، وأن الدولة المجددة هي القوة الرئيسة القادرة على ذلك؟! وهل لازال المثقف بنفس النزوعات التي كانت تشده إلى الماركسية الموضوعية أم أن ميولاته الموضوعية قد تغيرت؟ وبعبارة أخرى، هل مازالت «الوطنية» هي البؤرة المركزية لتفكيره، كما كانت لدا أجيال الحركة الوطنية، أم أن «الفردانية» هي البؤرة المركزية لمثقف (نسميها تجاوزا) أجيال العولمة؟
وما أحث عليه في هذه الخاتمة، ليس أكثر من دعوة كافة الماركسيين أن يعيدوا قراءة أطروحة العروي كما هي في أصلها، وكمدخل واسع الثراء، لطرح أسئلتهم المجددة عليها. فلعل ذلك يساعدنا على فهم ماركسي حداثي معاصر ومطابق لتاريخية أوضاعنا المجتمعية الراهنة.

الكاتب : محمد الحبيب طالب

عن جريدة الإتحاد الإشتراكي *بتاريخ : 01/فبراير /2020