*أنجزالحوار عبد الحميد جماهري

(1)

طبع الاختيار الثوري سريا، مسؤولية إدارة جريدة «الاتحاد الاشتراكي»

كنا نعرف أنه شاهد‮ على أحداث كثيرة،‮ ‬وأنه‮ ‬يملك من خزائن البلاد‮ ‬التي‮ ‬في‮ ‬القلب،‮ ‬أسرارا كثيرة‮..‬
كنا نعرف أنه‮ شاهد لا بد منه‮..‬
‮ ‬وكنا مع ذلك ننتظر
نتطلع إلى أن‮ ‬يخرج من صمته الذي‮ ‬صار شبه طبيعة ثانية في‮ ‬حياته‮…‬كنا نعرف أن وراء الصمت ذاته، كلام عميق، وبليغ، وليس بالضرورة كثيرا.
إنه ضروري لبناء بيت رمزي للعديد من الناس والمناضلين والقادة والشهود على المرحلة..

1/ في القرابة الإعلامية.

يدخل محمد الصديقي دوما إلى الإعلام، الحزبي بطبيعة الحال، كما يدخل رجل المطافئ، مهمة ما، في ستينيات الجمر أو في ألفيات الأمر، يتم استدعاؤه لكي يحرص على استمرار الرسالة.
حدث ذلك مع يومية التحرير، أيام إدارة الفقيه البصري ورئاسة التحرير مع عبد الرحمان اليوسفي ثم مع الاتحاد الاشتراكي، مع عبد الرحمان اليوسفي مرة أخرى..


في ستينيات الجمر، كان الطالب محمد الصديقي يتهيأ لمسار طلابي وأكاديمي، في الحقوق، ويتهيأ، تجسيدا لذلك، عبر الاستعداد للذهاب إلى عاصمة الأنوار بفرنسا لإتمام الدراسات العليا، لكن المسيرة السياسية للطالب المناضل دفعت به إلى الإعلام..
كان ذلك في 1963، وعن الفترة إياها يقول محمد الصديقي:
“فوجئت، في منتصف شهر يوليوز 1961، بأن قيادة الحزب السياسي الذي كنت أنتمي إليه، وهو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، تنادي علي وتبلغني بأن لديها مشكلا في صحيفة التحرير، التي كان الحزب يصدرها وكانت الناطقة باسمه. وهذا المشكل يتمثل في أن مهمة سكرتير تحرير الجريدة ستصبح شاغرة بسبب أن المكلف بها، وهو الأخ المرحوم محمد عابد الجابري، حصل من جهته على الإجازة في الآداب، ويرغب في أن يتجه إلى التعليم مباشرة مما يجعل منصبه في الجريدة مهددا بالفراغ، ولذلك فإن القيادة تطلب مني أن أتولى هذه المهمة إذا كان ذلك ممكنا. وطبعا، فإنه لم يكن من السهل علي الإجابة على عجل، ولذلك فإني أخذت بعض الوقت لأفكر في الأمر جيدا. غير أن هذا التفكير لم يدم طويلا.. لأنه لم تمض إلا بضعة أيام حتى اتخذت قراري وأنا أقول مع نفسي هذه فرصة ستتاح لي لمواصلة السير في الطريق التي اخترت أن أسلكها عندما التحقت بالحركة الوطنية، وأنا ابن الخامسة عشرة من عمري، ومساهمتي في الحملات التي سبقت الإعلان عن إنشاء الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال في 25 يناير 1959، ثم مشاركتي في المؤتمر التأسيسي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي انعقد بسينما الكواكب بالدار البيضاء يوم 6 شتنبر 1959، ثم انخراطي في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب الذي تحملت في إطاره عدة مسؤوليات وعلى الخصوص مسؤولية الكاتب العام بالنيابة في اللجنة التنفيذية التي انتخبت برئاسة المرحوم عبد الرحمان القادري من طرف المؤتمر الوطني الخامس الذي انعقد بمدينة الدار البيضاء في شهر يوليوز سنة 1960″.


أصبح محمد الصديقي سكرتير جريدة التحرير عوضا عن الأخ الفيلسوف محمد عابد الجابري، ورفقة الإخوة محمد باهي، عبد الله رشد، محمد الطنجاوي، بوسرغيني وإبراهيم كامل..وغيرهم

.
كثير من الأشياء التي عاشها نعرفها بفعل تواتر الحكايات حولها، اللهم إلا تفاصيل بعضها، من قبيل نوعية القنابل التي تم بها تفجير مطبعة ابمريجيما…
وكان من الممكن أن يفكر عقل الدولة في تلك الفترة في نسف المطبعة ومن فيها، وكان من الوارد في تلك الفترة أن يكون محمد الصديقي شاهدا وشهيدا، كان من الممكن أن أوراق من دفاتر حقوقي”، ألا تكون، لكن ألطاف لله تركت لنا راوي الحكاية، وتفاصيلها..
عن أول عملية من نوعها لا يعرفها جيل أو جيلين من المغاربة يحكي الصديقي ما يفزع ولو على عدة عقود :”لم تمض على انعقاد المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلا بضعة أشهر حتى عشنا في الجريدة حدثا تراجيديا تعرفه لأول مرة في تاريخ المغرب الحديث جريدة وطنية: ذلك أن اعتداءً شنيعا بالقنابل تعرض له مقر جريدة التحرير ، الكائن بمطبعة امبريجيما بزنقة لاكارون بالدار البيضاء في منتصف الليلة الفاصلة بين يوم الخميس 6 والجمعة 7 شتنبر 1962، أي غداة الذكرى الثالثة لتأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي كان قد أخذ يتجذر أكثر فأكثر في أوساط الجماهير. وكانت القنابل التي تمكن الجناة من إدخالها إلى بناية المطبعة في جنح الظلام وبالوسائل التي تستعملها العصابات المتخصصة، هي عبارة عن قنابل من النوع الأمريكي الذي يستخدم في تحطيم القناطر، وينبعث منها غاز سام قاتل إذا انفجرت في مكان مغلق كمقر المطبعة”.
الاختيار الثوري .. سريا

من الأشياء التي كشف عنها السي محمد صديقي قصته الشخصية كسكرتير التحرير مع التقرير الثوري للشهيد المهدي بن بركة…تزامن ذلك مع المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية..أيام 25/26/27 ماي 1962. ذلك المؤتمر الذي طغى فيه “التقرير الذي قام بإعداده عبد الله إبراهيم، وهو القريب من قيادة الاتحاد المغربي للشغل على حساب التقرير الذي أعده المرحوم المهدي بن بركة بعنوان “النقد الذاتي” الذي سيصبح الاختيار الثوري، والذي ينسب عنوانه إلى علال السي ناصر، الذي عمل يوما مستشارا للملك الراحل …التقرير الذي لم يتم اعتماده من طرف القيادة أو الكتابة العامة للحزب لم يقدم للمؤتمر. وهنا تدخل شهادة الصديقي لتسلط الأضواء على سؤال طرح وقتها: كيف وصل إلى المؤتمر؟
هذا الكيف يرويه دفتر النقيب “هذا يذكرني بالظروف التي جرى فيها طبع التقرير المذهبي بمطابع الجريدة، ليصدر ملحقا بالعدد الذي كان سيوزع في اليوم الأول للمؤتمر. فقد كان الحزب أو بالأحرى أصحاب التقرير مصرون على إعداد الملحق في سرية تامة حتى لا يقع تسريبه قبل يوم الافتتاح. وهذا ما تطلب مني ومن الطاقم المكلف بعملية التصفيف والطبع تعبئة خاصة مدة يومين كاملين لم نذق للنوم فيهما طعما حتى كان اليوم الموعود الذي أنهينا فيه إنجاز العدد وتحوز به المشرفون على التوزيع في الساعات الأولى من صباح يوم افتتاح المؤتمر “.
المرة الثالثة ستكون مع الإعلام الحزبي مرة أخرى، وفي سياق ملتبس أيضا وصعب ومعادلاته مركبة، داخليا أكثر منها خارجيا.
كان ذلك في 2003، سنة بعد الخروج عن المنهجية الديموقراطية وسنة استقالة عبد الرحمان اليوسفي من قيادة السفينة واعتزال السياسة…
أصبح سكرتير التحرير مع اليوسفي في التجربة الاعلامية الأولى في الستينيات مدير جريدة الاتحاد الاشتراكي المسؤول عن النشر وكل ما له علاقة بالإعلام الحزبي في 2003..
سيلتقي سكرتير التحرير في الألفية الثالثة، مع رئيس التحرير في الألفية الثانية عبد الرحمان اليوسفي، في توقيت لم يخطر على بال أحد، اللهم إلا صناع الروايات السياسية الوطنية، ومهندسو التوازن السياسي…


يقول الصديقي: عدت في شهر نونبر 2003 إلى الإعلام الحزبي مجددا، ولكن في ظروف أخرى، أو بالأحرى في ظروف مشابهة أو مقاربة للظروف التي دفعت بي إلى الانخراط فيه في سنة 1961.. ذلك أن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عرف انتكاسة لم تكن متوقعة في الانتخابات المحلية التي جرت في البلاد، وترتبت عنها أزمة غير معلنة داخل الحزب سارع البعض إلى تحميلها الكاتب الأول عبد الرحمان اليوسفي دون حق… يواصل بالقول” كنت في ما أظن من الأوائل الذين أشعرهم اليوسفي بقراره، إذ أنه اتصل بي هاتفيا في إحدى الأمسيات في الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر 2003، طالبا مني أن التحق به في فندق حسان بالرباط حيث كان يقيم حينذاك لبعض الوقت”.
يحاول الصديقي أن يقنع اليوسفي بالتراجع، لكن الأمر ينتهي به وقد اقتنع هو بالمهمة، ” فلم يكن علي في نهاية اللقاء الذي دام حوالي ساعتين، إلا أن أحزم أمري وأغادر حسان لآخذ في الاستعداد للمهام الجديدة التي تنتظرني”.
يحكي الصديقي عن الأمر بالقول ” كل من يعرف اليوسفي لا يخفى عليه أنه الرجل الذي لا يتخذ قراراته إلا عن بصيرة وعمق واقتناع، وأن تراجعه عن أي قرار مصيري يتخذه يكون من سابع المستحيلات.
كانت تجربة جميلة وهامة رغم ما عانيت فيها من صعوبات ومشاكل، جميلة لأنها أعادتني إلى فترة الشباب… فترة الثلاث سنوات الأولى من ستينيات القرن الماضي ونحن الآن في السنوات الأولى من الألفية الجديدة.
وكانت تجربة هامة لأنها أتاحت لي الفرصة لتسيير صحيفة الحزب وهو يمر بإحدى المراحل الصعبة في مسيرته، مما كان يضع على عاتقي كثيرا من الالتزامات التي كان علي أن أتقيد بها الى أبعد الحدود، سياسيا وماليا وإداريا وإنسانيا.
وعلى ذكر المال هنا، وباعتبار الأزمة المالية الخانقة التي كانت تعاني منها جريدة “الاتحاد الاشتراكي” فإني حرصت أشد ما يكون الحرص، طيلة الفترة التي تحملت فيها المسؤولية، على إعمال كل ما أملكه من مواهب في مجال التقشف، خاصة بالنسبة إلى شخصي، حيث لم أسمح لنفسي بأن يخصص لي أي أجر أو تعويض عن المهام التي كانت تتطلب مني أن أترك مكتبي في الرباط لأنتقل إلى مقر الجريدة بالدار البيضاء لقضاء ثلاثة أيام في الأسبوع على الأقل، كمعدل متوسط، وأتحمل في هذه التنقلات باستمرار كل ما تتطلبه من مصاريف على حساب ما يتأتى من مداخيل مكتب المحاماة.
وكنت أظن في البداية أن الأمر لن يتطلب مني أكثر من بضعة أشهر حتى يوضع حد لتلك المهمة المكلفة صحيا ونفسيا وماديا، خاصة وأني كنت قد تجاوزت الستين من عمري يومها.
لكن الأيام أبانت لي أنه كان علي أن أنتظر حوالي السنتين حتى أتمكن من رد الأمانة إلى أهلها، أي إلى حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
وكان هذا القرار الذي اتخذته بمفردي، ودون الاستشارة إلا مع ضميري وحده، موضوع كلمة مقتضبة حررتها يوم 31 يوليوز 2005 ونشرتها في اليوم الموالي على الصفحة الأولى من الجريدة، تحت عنوان “بيان وعهد”، وهذا نصها:
تتذكر الاتحاديات ويتذكر الاتحاديون، وكل المتعاطفين والقراء، أن الأخ عبد الرحمان اليوسفي طلب مني في أواخر شهر أكتوبر من سنة 2003 … أن أتولى القيام مقامه بتحمل مسؤولية إدارة جريدة “الاتحاد الاشتراكي” التي هي جريدة الحزب، وذلك في سياق قرار اعتزاله العمل السياسي وتخليه عن جميع مهامه داخل الحزب، وعلى أساس أن إشرافي على إدارة الجريدة لن يمتد إلا لفترة مؤقتة تستلزمها المرحلة والشروط الناتجة عن حدث الاستقالة والاعتزال المفاجئين.
غير أن تطور الأوضاع داخل حزبنا، والآفاق التي فتحتها وثيقة 28 نونبر 2003، والانخراط في عملية الاستعداد والإعداد لعقد المؤتمر الوطني السابع للحزب، كل ذلك جعلني في وضع لم يكن بوسعي أمامه إلا الاستمرار في تحمل المسؤولية التي أسندت إلي حتى الآن.
واليوم، وقد نجح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في ربح رهان المؤتمر الوطني السابع نجاحا باهرا، وانطلقت مسيرته الجديدة في آفاق واعدة لا تشوبها أية شائبة، فإنه أصبح بإمكاني، بل ومن الواجب علي، أن أبادر إلى إعادة وضع مهام إدارة “الاتحاد الاشتراكي” بين يدي ذات المؤسسة التي أوكلت إلي أمرها منذ واحد وعشرين شهرا، ألا وهي مؤسسة الكاتب الأول للحزب في شخص الأخ محمد اليازغي.


فبين يديه، إذن، أضع منذ اليوم مسؤولية إدارة جريدة «الاتحاد الاشتراكي» ليوالي حمل مشعل الإعلام الحزبي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وقيادة معاركه الآنية والمستقبلية.
أما أخونا عبد الرحمان اليوسفي فإني أعرب له عن صادق اعتزازي بما وضع على كاهلي من مسؤولية جسيمة تحملتها في ظروف غير عادية، كما أتوجه إلى تنظيمات حزبنا وأطره وقواعده، بعميق الشكر والتقدير، على ما أحاطوني به من دعم ومساندة كان لهما الفضل الكبير في أداء مهمتي طوال الشهور المنصرمة.
وهو نفس الشكر والتقدير الذي أتقدم به إلى كل العاملين بهذه الجريدة، والمتعاونين معها، من كتاب وصحفيين وإداريين ومستخدمين، وإلى جميع أنصارها وقرائها على امتداد التراب الوطني وخارجه.
وعهدا على مواصلة المسيرة النضالية بكل صفاء وصدق”.
ما زلت أذكر يوم إعلان القرار عندما دمعت عيناه، وهو إلى جانب عبد الرحمان اليوسفي الذي قدمه للعاملين بالجريدة… وقد كان هو آخر من ترافع عنها في سنوات الجمر في 1990و1992…
اليوم، وعلى مسافة سبع عشرة سنة، أعود إلى تلك اللقطة، وأول ما أثار انتباهي في تناول الاستقالة وتاريخها، أن قليلين ربطوا بين تاريخ تقديم الاستقالة، يوم 27 أكتوبر 2006 وذكرى اختطاف المهدي بن بركة.


لقد سلم الاستقالة لعبد الواحد الراضي مساء يوم 27 أكتوبر، وكانت ستصدر بعد يوم الغد، أي في تزامن لافت مع الذكرى، التي تولى قضيتها طوال عمره..ولعلي لن أنسى شخصيا كيف عشت تلك الليلة، وقد كنا قليلين ممن بقوا إلى ساعة متأخرة يومها بمقر الجريدة، عندما طلب منا اليوسفي أن نبقى بعد ذهاب جل العاملين اللهم إلا واحدا في قسم المونطاج والتصفيف.
وقد بدأنا في تخمين الموضوع الذي سيكون قد طلب منا البقاء من أجله..واختلفنا بين من يقول إن الأمر يتعلق بجديد كبير في قضية الشهيد المهدي بن بركة وبين من يقول إن أزمة تلوح في الحزب، لاسيما من كانت له بعض الثقوب في الباب لوصول الأخبار من داخل المكتب السياسي.
في ليلة 28/29 أكتوبر وصلنا فاكس باستقالة عبد الرحمان اليوسفي.. كان عبد الرحمان اليوسفي قد أعلن في رسالة وجهها إلى أعضاء المكتب السياسي للحزب، عن استقالته من عضوية الحزب واعتزاله العمل السياسي.
وأبرز اليوسفي، في الرسالة ذاتها أنه “بعد انتهاء محطات المسلسل الانتخابي قررت اعتزال العمل السياسي وبالتالي أصبحت مستقيلا من عضويتي في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ومن كل المهام ذات العلاقة”.
في الرسالة قال اليوسفي إنه مستعد” لعقد اجتماع في أقرب وقت مع عضو المكتب السياسي المكلف بتدبير مالية الحزب وممتلكاته من أجل تصفية ما بذمتي، متمنيا لأعضاء المكتب السياسي للحزب ولكافة المناضلات والمناضلين كل التوفيق في متابعة وإنجاح مسيرة الحزب خدمة لمصلحة الوطن العليا ووفاء لشهدائنا ولتضحيات أبطالنا«.
ونحن نربط الأحداث نرى أن عبد الرحمان قد أعد كل شيء وكان قد التقى بعضو المكتب السياسي المكلف بمالية الحزب الذي كان هو محمد الصديقي..
في كتاب “أحاديث في ما جرى”، لا يسهب اليوسفي في الحديث عن الموضوع ولا يخصص له سوى بضعة أسطر.
كتب اليوسفي يقول :”عندما قررت تقديم استقالة الاعتزال بتاريخ 27 أكتوبر2003 اتصلت بمحمد الصديقي، عضو المكتب السياسي، الذي يتولى مسؤولية مالية وإدارة ممتلكات الحزب، وسلمته رسميا إدارة جريدة الاتحاد الاشتراكي، وبعدها توجهت عند السيد عبد الواحد الراضي وطلبت منه نقل رسالة استقالتي إلى أعضاء المكتب السياسي”.
وعن استقالة عبد الرحمان اليوسفي، يقول الراضي، في ما كتبه موقع “ميد راديو” عن حلقات الزميل الرمضاني: “في أكتوبر 2003 استقال عبد الرحمان اليوسفي، جاب لي الاستقالة للدار، عيط ليا في التلفون قال ليا أنا جاي، جا دخل وفي الهول قبل ما ندخلو للصالون بانت ليا الورقة في يديه، قال ليا هادي الاستقالة ديالي عطيها للمكتب السياسي ودوك الإخوان يديرو ما بغاو”.
ووصف الكاتب الأول السابق لحزب الاتحاد الاشتراكي خبر استقالة اليوسفي بـ”الصدمة”، قائلا: “جاتني واحد الصدمة ما عمري توقعتها، خاصة أنه كنا كنوجدو للمؤتمر السابع في 2004، عطاني الاستقالة قلت لو كيفاش غادي يكون الحزب بلا بيك، لأن الاستقالة ديالو كارثة بالنسبة للحزب، وكنت عارف أنه لن يتراجع”.
كم من الحبر مر تحت الجسر في الفترة الفاصلة بين 1963و2003؟ أربعون عاما …
هي الطريق الزمنية التي وصلت بالسي محمد الصديقي إلى الإعلام الحزبي.
في هذه الفترة الفاصلة لم يغب النقيب عن النشر والتوزيع، إذ أشرف على مجلة حقوقية، بعد أن تولى مهمة في جمعية هيئات المحامين..

(2)

في القرابة الإعلامية، لا يمكن إغفال العلاقة التي نسجها النقيب الصديقي مع جريدة الاتحاد الاشتراكي، قبل تولي إدارتها، في الظروف التي حكى عنها في السابق.
كما أن النقيب الصديقي، الذي يحظى بوافر المحبة والمودة في الأوساط النضالية والحقوقية، لطبيعته الإنسانية الوارفة، الرجل الودود والوديع، الذي تظلل دماثة أخلاقه على من يجاوره، يتجلي في شكل المهاجم الصلب والشرس، عندما يتعلق الأمر بحرية التعبير .
وقد دخل الصديقي إلى الخيال الأدبي، من خلال رواية الطاحونة، لمدير الجريدة السي محمد البريني، الذي يشترك معه في خصال عديدة، لعل أساسها نكران الذات، والوفاء، والصلابة في القناعات الإنسانية والسياسية والنضالية…
جواران هامان، لا يمكن أن تكون محايدا أمامهما…
ففي الغلاف الأخير من كتاب السي محمد الصديقي، أو الغلاف الرابع، كما يقول أهل النشر والطباعة، وصف للسي محمد الصديقي بقلم السي محمد البريني…ولعلنا لن نغامر بوصف آخر، أو بورتريه آخر، غير ما كتبه بصدق وبراعة محمد البريني الأديب.
في الحكاية يظل النقيب هو النقيب ويظل محمد هو محمد، ويصير الصديقي… أمين بلفقيه، لما يسأل القاضي في المحاكمة التي ترافع فيها النقيب دفاعا عن الحزب والجريدة والنضال الوطني في موقف عبد الرحيم بوعبيد، وهو يجاور يوسف في السجن، بكلمته «ربي السجن أحب إلي» : هل يريد الدفاع تقديم دفوع شكلية؟

عبد الرحيم بوعبيد رحمه الله في سجن ميسور اوائل الثمانينات


يقع ما يلي»: تبادل المحامون النظرات، فتقدم منسق الدفاع النقيب محمد أمين بلفقيه بعض الخطوات إلى الأمام. كان شاحب الوجه، مقطب الحاجبين، من رآه على هذه الحالة ترقب أنه سوف ينفجر، لم يسبق لسفيان أن رآه على هذه الحالة، أو سمع بأنه بلغها في يوم من الأيام. إنه رجل هادئ الطبع، مهذب، لا يجرح بلسانه أحدا، يختار كلماته بعناية، لكنه يتغير تغيرا جذريا، عندما يكون أمام ظلم أو إهانة، أو خرق للقانون، حيث يتحول إلى مدافع ضار، لا أحد يستطيع لجمه، كان النقيب بلفقيه يتمتع باحترام كبير في الأوساط الحقوقية والقضائية، ليس فقط لكفاءته المهنية، وليس فقط لثقافته الحقوقية الواسعة والعميقة، ولكن، وبالأساس، لنزاهته واستقامته واستقلاليته وضراوته في الدفاع عن القضايا العادلة، وقدرته الفائقة على المجادلة القانونية. كان النقيب بلفقيه مشهورا أيضا بفصاحته، فعندما يأخذ الكلمة، في محاكمة من المحاكمات السياسية العديدة التي عرفتها بلادنا، كان يشد إليه الأنظار، وكان يُنصت إليه بمتعة، كان كلامه وحده يجعل المستمع يقتنع بدفوعاته وأطروحاته، لكن لم يسبق أن غير الغضب والحزن سحنته ونظرة عينيه، التغيير الذي ظهر عليه بعد الاستماع إلى ممثل النيابة العامة وإلى القاضي.
أجال النقيب بلفقيه بصره على صف المتابعين، وطفق يرنو إلى الحكيم بضع لحظات، ثم فعل نفس الشيء مع جواد الوالي وإبراهيم بومنجل وعدنان الشابي، ثم حدق في القاضي، وبدا عليه أنه كان يبذل مجهودا كبيرا من أجل ضبط أعصابه، ثم تكلم، بدا صوته هادئا، ثم صار يعلو شيئا فشيئا حتى أصبح صداه يدوي ليس في القاعة وحدها، وإنما في البهو المقابل كذلك، كان واضح النبرات، وكانت تمتزج فيه الحرارة والقوة ورنات الحزن والغضب والاستنكار، وقال: «لقد تساءلت محكمتكم عما إذا كان لدى الدفاع دفوع شكلية يمكن أن يتقدم بها وفق مقتضيات المسطرة، وهو سؤال وجيه بدون شك، لأن المحكمة تعلم أن في مثل هذه القضايا لا يمكن أن يخلو الملف من موجبات البطلان، لكن بالنسبة لنا كدفاع نقول للمحكمة»…».


يتحدث السي محمد البريني عن الجلسة الأولى من محاكمة القائد الكبير السي عبد الرحيم.. التي انعقدت في يوم الجمعة 11 شتنبر 1981، عندما اعتقل عبد الرحيم في قضية الاستفتاء…
كانت المحكمة مكونة من السيد بلمير رئيسا والسيد رايسي ممثلا للنيابة العامة.
افتتح الرئيس الجلسة بالمناداة على أسماء المتابعين، وهم عبد الرحيم بوعبيد/ الحكيم، ومحمد منصور ومحمد الحبيب الفرقاني ومحمد لحبابي ومحمد اليازغي. وكانت النيابة العامة قد تدخلت في بدايتها بالقول: »في نطاق الملف المعروض على المحكمة تريد النيابة العامة قبل الشروع في المناقشات والدخول في الدفوعات التي يمكن أن يدلي بها الدفاع، أن تذكر أنها في إطار المتابعات تلتمس الاقتصار على جنحة القيام بأعمال من شأنها الإخلال بالأمن العام وفقا للظهير 1935 المعدل سنة 1969 وذلك بالنسبة للمتهمين عبد الرحيم بوعبيد ومحمد منصور والحبيب الفرقاني، وتؤكد نفس المتابعة بالنسبة للمتهمين الحبابي واليازغي…
ومن جهة أخرى واعتبارا لوحدة التهم وكون الجلسة واحدة، فإن النيابة العامة تلتمس ضم الملفات إلى بعضها»….
وهنا قال الرئيس: هل يريد الدفاع تقديم دفوع شكلية»؟
لينبري له الأستاذ الصديقي بالرد: «لقد تساءلت محكمتكم عما إذا كان لدى الدفاع دفوع شكلية يمكن أن يتقدم بها وفق مقتضيات المسطرة، وهو سؤال وجيه بدون شك، لأن المحكمة تعلم أن في مثل هذه القضايا لا يمكن أن يخلو الملف من موجبات البطلان، لكن بالنسبة لنا كدفاع نقول للمحكمة» في بداية هذه الجلسة إن الأمر يتعلق اليوم بملف من نوع خاص يجعلنا في موقف رهيب ورهيب جدا….
موقف رهيب عندما نزعم لأنفسنا أننا نحاكم عبد الرحيم بوعبيد..
موقف رهيب عندما نزعم لأنفسنا أننا نحاكم منصور والحبابي واليازغي والفرقاني..
إننا اليوم في مرحلة تاريخية جديدة ندشنها في وطننا وبالنسبة لشعبنا».
ويتلألأ الكلام في فم الدفاع، وتتحول الكلمات إلى منارات، عندما تقاطع النيابة تدخل النقيب الصديقي، فيقول«إن هذه المرحلة تدشن الإرتقاء إلى قمة التردي والانهيار، وأي انهيار أقوى من مهاجمة عبد الرحيم بوعبيد في جنح الظلام واقتياده بعنف إلى مراكز ودهاليز الاعتقالات.
أي ترد وانهيار أقوى من خرق الضمانات القانونية الأولية والبسيطة والبديهية حتى مع القائد عبد الرحيم بوعبيد؟
أي ترد وانهيار أقوى من تقديم عبد الرحيم بوعبيد لمحاكمة يزعم أنه في حالة تلبس رغم عدم توفر الشروط القانونية لحالة التلبس.» وتبلغ البلاغة أوجها السياسي واللغوي، عندما يقول الصديقي: أي ترد وانهيار أقوى من أن نحاكم عبد الرحيم بوعبيد ورفاقه بنفس النصوص التي لم يخلقها الاستعمار إلا لمحاكمتهم هم بالذات؟»
هذه الشراسة يحكي عنها الكتاب بالتفصيل الذي يجمل الإتيان به في المرافعات..
مع بوعبيد شريكا .. ومحاميا!
لم تكن تربط النقيب الصديقي بالراحل عبد الرحيم بوعبيد علاقات نضالية فقط، بل كان الجوار مع الفقيد الكبير جوارا مهنيا أيضا.
وفي ذلك يروي لنا الأستاذ الصديقي عن تواجده في مكتب عبد الرحيم بوعبيد كمحام:» بالرغم من أني أنهيت فترة التمرين بتاريخ 29 نونبر 1966، لم يطرح علي أمر افتتاح مكتب خاص بي لأنه كان هناك نوع من التوافق التلقائي بيني وبين الأستاذ عبد الرحيم بوعبيد لأستمر في العمل معه في نفس المكتب. وقد امتدت هذه الوضعية إلى بداية سنة 1970، التي اقترح علي فيها أن أصبح شريكا له بالتساوي ودون أي مقابل من جانبي إلا ما كان من عملي«.» …
ومن غريب التاريخ الرصاصي للمملكة، أن القضية الأولى التي رافع فيها الأستاذ الصديقي إلى جانب عبد الرحيم تتعلق بالمحجوب بن الصديق، الذي لم يكن يخفي اختلافه مع عبد الرحيم رحمهما الله معا.
وفي ذلك يقول الأستاذ الصديقي:«إن أول قضية من هذا النوع حضرتها إلى جانب الأستاذ بوعبيد بعد انتهاء فترة التمرين، هي القضية التي توبع فيها الكاتب العام للاتحاد المغربي للشغل أمام محكمة السدد بالرباط صيفَ سنة 1967 على إثر البرقية التي وجهها إلى المرحوم الحسن الثاني احتجاجا على الوجود الصهيوني بالمغرب، في الوقت الذي كانت فيه الدول العربية تواجه العدوان الإسرائيلي، وهي المتابعة التي انتهت بالحكم بإدانته ومعاقبته بسنة واحدة حبسا نافذا في ما أذكر…».
ويبقى عبد الرحيم، كما يناديه النقيب الصديقي، حاضرا، ومرجعا كبيرا في حياة السي محمد الصديقي، وإليه يعود ليمتحن التطورات التي تحصل في البلاد. هذا المرجع الأخلاقي والسياسي والوطني، مجسدا في القائد الاتحادي النادر، يحضر في السنة الأولى لغيابه، عبر تأبين خاص يقوم به النقيب..بعنوان باهض الدلالة:ترى لو بقي حيا بيننا؟
في التأبين يخلص النقيب، إلى ما نردده دوما، ماذا لو أن عبد الرحيم بقي حيا؟
ليس في ذلك نزوعا- حاشا لله – لتعطيل إرادة ربانية حول ساعة الرحيل، ولكن في ما يشبه الكناية عن قوة حضوره الدائم، والإحالة على تراثه الحي في إيجاد أجوبة مركبة من خلال النموذج الأخلاقي الذي شكله.
هكذا يحدث عندما يتكلم الصديقي عن الإصلاحات الدستورية، التي أعلن عنها الملك الراحل بعد وفاة القائد عبد الرحيم، وهنا يجد السؤال جوابه في الفقرة التالية:حدث مراجعة الدستور من خلال ادخال مجموعة من التعديلات عليه على أساس أنها تشكل نوعا من الاستجابة لمتطلبات المرحلة الحالية في مجال الممارسة الديمقراطية.
وإذا كان أغلب المحللين الدستوريين قد انتهوا في دراساتهم وتعاليقهم إلى أن هذه التعديلات تكتسي في حد ذاتها طابعا إيجابيا ومتقدما، فقد كان هناك إجماع كامل في ذات الوقت على أنها بقيت دون مستوى الطموحات التي عبرت عنها القوى.
فهل بالإمكان أن نجازف ونقول إن مشروع المراجعة كان سيتخذ صبغة أكثر راديكالية في ما يتعلق، على وجه الخصوص، بصلاحيات واختصاصات الحكومة، كسلطة مشاركة في الحكم بصورة فعلية، لو أنه خرج إلى حيز الوجود وعبد الرحيم بوعبيد على قيد الحياة؟
إن الكل يعرف أن هذه القضية كانت لها أولوية جوهرية في الاستراتيجية التي كان يتبناها المناضل الديمقراطي عبد الرحيم بوعبيد، بل يمكن القول بأنها كانت تشكل العقدة الأم التي تفسر إلى حد بعيد استمراره في قيادة المعارضة السياسية في البلاد طيلة عشرات السنين».

(3)

لقد كانت للفقيد عبد الرحيم، كمفاوض وطني إبان معركة الاستقلال أو كوزير في صناعة المغرب الجديد أو كقيادي في المعارضة ومدافع عن القضية الوطنية، حوارات – بل مجابهات ومواجهات – كثيرة مع الملك الراحل الحسن الثاني.
بعض هذه الحوارات تم نقله في ثنايا ما كتب عن الحسن الثاني أوروي على لسانه، والبعض الآخر، بالغ الأهمية، رواه عبد الرحيم بوعبيد في مذكراته، ولا سيما الدفتر الخاص بمغرب بداية الاستقلال.
غير أن الحوار الذي تم بينهما في ردهات محكمة الرباط، يبدو من نوع الحوار الاستشكالي، الحوار الذي نخمنه، ولا يكون طرفاه وجها لوجه إلا عبر مقولاتهما…
وهذا النوع هو ما جرى في محاكمة عبد الرحيم حول قضية الموقف من الاستفتاء، أو بالأحرى من طريقة وأدوات تنفيذه….
من قراءة أطوار محاكمة عبد الرحيم بوعبيد والإخوة الآخرين من أعضاء المكتب السياسي، يتبين أن حوارا خفيا، بل لعله سجال بقوة صامتة كان يدور بين الملك الراحل والقائد الاتحادي..
ويتجلى ذلك من خلال تصاعد نبرة المحاكمة، منذ الجلسة الأولى وما تلاها من بعد…
وذلك على مستويين:
– من جهة الطابع السياسي للمحاكمة، محاكمة رأي وارتباطها بقضية سيادية عليا، هي قضية الوحدة الترابية والاستفتاء في الصحراء.
– ومن جهة أخرى، تكييف القضية، نحو وضع الفقيد عبد الرحيم بوعبيد وجها لوجه أمام الملك الراحل الحسن الثاني.
إذا اعتبرنا أن صوت الدولة كان يصل عبر النيابة العامة، فإن مواقفها في المحاكمة، كما نستشفها من مدون أمين للغاية لأطوارها، وهو محمد الصديقي، تضع، بلا مواربة، حوارا خفيا بين الموقفين… من في القفص، ومن في الحكم، لكنه محكوم بمنطق الأقفاص.
فالأسئلة التي تدور كلها حول الموضوع، أي الاستفتاء الذي قبل به المغرب في نيروبي، كانت تهم موضوع المحاكمة، ألا وهو بيان المكتب السياسي حول ذات الاستفتاء.
تمتد الأسئلة من مربط الفرس إلى خاتمة التأويل، أي من السؤال الأول، الذي هو: أي مدلول تعطونه لما أسمته مقررات مؤتمر نيروبي الثاني بالإدارة النيابية، وذلك من الناحية القانونية ومن حيث الأعراف الدولية، ومن الوجهة العملية؟«إلى السؤال الأخير ومفاده: تقر بعض الصحف المغربية، على الرغم من تفاؤلها في ما يرجع لمقررات نيروبي الثاني، بأن لهذه المقررات جوانب سلبية وجوانب إيجابية كما تقول، فما هي في نظركم الجوانب السلبية التي تشير إليها هذه الصحف»؟
ستأخذ الأمور مجرى المواجهة الضمنية بين موقف عبد الرحيم وقادة الاتحاد وموقف الملك الراحل عندما تجر النيابة العامة هيئة المحكمة إلى اعتماد مبدأ لا محيد من وصوله إلى هذه النهاية.
فقد اعتبرت النيابة العامة أنه «تبعا للمذكرة التي تقدم بها الدفاع والرامية إلى استدعاء شخصيتين، إحداهما حكومية من أجل الحصول على إيضاحات، فإن النيابة العامة ترى أنه يوجد أمامنا ماهو أسمى من ذلك، أمامنا خطاب جلالة الملك في 29 غشت 1981، الذي شرح فيه مقررات نيروبي، ولذلك فالنيابة العامة لا ترى فائدة في استدعاء الشهود».
الشخصية الثانية هي بطبيعة الحال المرحوم علي يعتة الذي كان النقيب الصديقي قد تقدم بطلب استدعائه للشهادة باعتباره على علاقة بالاتحاد، وأيضا باعتبار مواقفه في القضية الوطنية….
ويتضح من ذلك، التكييف الجديد للمحاكمة ومساءلة عبد الرحيم من خلال ما خطب به الملك الراحل.…
لنبدأ من حكاية الأصل..
اعتبر الدفاع أن توضيح حقيقة البيان الصادر عن المكتب السياسي لا يمكن أن يتم إلا باستدعاء طرف معني بصفة مباشرة وله دور مفروض في مجريات الأحداث المتعلقة بالقضايا الوطنية والمسائل الخارجية على الخصوص، التي انبنت عليها الدعوى ضد عبد الرحيم بوعبيد، الكاتب الأول للاتحاد، وضد أعضاء المكتب السياسي المعتقلين، والطرف المعني هنا كان هو وزير الدولة المكلف بالخارجية والتعاون، وهو وقتها القائد الاستقلالي امحمد بوستة رحمه الله، والذي شغل منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية والتعاون، في حكومتي المعطي بوعبيد الأولى والثانية بين عامي 1979 و 1983.
كانت مداخلة النيابة العامة توجيها للمحكمة نحو تكريس طرفي القضية، بما هما بيان المكتب السياسي من جهة، وخطاب الملك من جهة ثانية ..
وأكدت رئاسة المحكمة هذا المنحى عندما قررت بدورها أن المحكمة ترى أن «المتابعة انصبت على إصدار بيان بعد انعقاد مؤتمر نيروبي الثاني والخطاب الموجه من أسمى سلطة في البلاد وبعد نشر الموضوع من طرف الصحافة، وبذلك تكرست المواجهة، الضمنية طبعا، بين الحسن الثاني من جهة وبين عبد الرحيم، أمام هيئة المحكمة.
في استنطاق عبد الرحيم بوعبيد يتكرر التماثل والتقابل بين كلامه وبين خطاب الملك الراحل، وننقل هنا سؤالان فقط، يدلان بما لا يدع مجالا للشك، على وجود محاورة واضحة بين الراحلين، واحد على لسان القاضي رئيس المحكمة والثاني على لسان المتهم

«الرئيس:
-جاء في البلاغ، »لذلك فإن واجبنا الوطني يفترض إثارة انتباه الشعب المغربي«، هل ليس في هذا مساس بصاحب الجلالة؟ هل لم يسبق للشعب أن حدد موقفه على لسان ممثله الأسمى وهو صاحب الجلالة، ألا يعتبر ذلك إخلالا ومساسا بالنظام العام»؟
«عبد الرحيم بوعبيد:
-ما أظن في ذلك مساسا بالنظام العام، لكل حزب مسؤوليته أمام الأمة، وحتى أمام صاحب الجلالة، بحيث له أن يبدي كل التحفظات والتخوفات والأخطاء مهما استعظمت، ولكن نفضل أن يكون الشعب المغربي والمسؤولون في المغرب على وعي بتلك المخاوف وإن كانت بسيطة لأن التعبير عنها لمن شأنه أن يعزز موقف المغرب ضد هذه السلطة النيابية التي تريد استلاب السلطة الشرعية التي هي الإدارة المغربية، الجيش، المالية والسلطة الإدارية في الصحراء.
كيف يكون الإخلال بالنظام ونحن ندافع عن النظام، وهل الدفاع عن حوزة التراب يعتبر إخلالا بالنظام العام»؟
«الرئيس:
-جاء في البلاغ:أنه من الطبيعي، والحالة على ماهي عليه أن ننتظر من لجنة التطبيق مع جميع الصلاحيات المخولة لها أن تتصرف كوسيط مفروض في مفاوضات وقف إطلاق النار، في حين أن جلالة الملك أكد أن لا وجود للبوليساريو ولا يمكن وجود مفاوضات معه».
«عبد الرحيم بوعبيد:
-نحن نقدر كل التقدير الموقف الذي اتخذه صاحب الجلالة في ما يخص البوليساريو، وهو موقف مغربي منذ سنوات. إن المغرب يرفض أن يتفاوض مباشرة مع البوليساريو خصوصا في ما يرجع لوقف إطلاق النار، لكن حيث إن هذه الإدارة النيابية أو المجموعة السباعية في نيروبي خولت لها كل السلطات، فإنها سوف تتفاوض مع المغرب من جهة ثم مع البوليساريو من جهة أخرى، وبما أن بعض أعضاء اللجنة اعترفوا بما يسمى الجمهورية الصحراوية والبوليساريو فكيف يتصور أن يكونوا محايدين أو حكماء؟»
ستجري مياه كثيرة تحت الجسر ويمر زمن السجن..
وخلال الأيام التي تلت إطلاق سراحه، يوم 3 مارس 1982، بعد إقامة جبرية طويلة بميسور، استُقبل المرحوم عبد الرحيم بوعبيد من طرف الحسن الثاني بالقصر الملكي بمراكش في مقابلة خاصة، ولما عاد عبد الرحيم إلى بيت أسرته، روى محتوى اللقاء الذي دار بين الرجلين بالكلمات التالية: ـ سأل الملك الراحل مخاطبه «إذن، عبد الرحيم، أنت غير حاقد علي» ـ أجابه عبد الرحيم أبداً يا جلالة الملك، لكنني أشعر بنوع من الأسف مع ذلك، وأتحسر على أنني لم أحظ بالوقت الكافي للانتهاء من كتابة مذكراتي…
وفي تلك المذكرات بالذات، والتي تشرف كاتب هذه السطور الفقير إلى رحمة ربه أن ترجمها للجريدة ابتداء من يناير 2012، بعض من أسباب الخصومة السياسية، ومنبتها في الستينيات من القرن الماضي بين الرجلين…
ولعل الحوار الذي دار قبيل إقالة حكومة عبد الله إبراهيم، والتي تحمل فيها عبد الرحيم القسط الأوفر من العمل يسلط بعضا من الأضواء على طبيعة العلاقة بينهما من بعد…
يقول عبد الرحيم: تلقيت يوم 17 أو 18 ماي،-ماي 1960- مكالمة هاتفية من لدن الأمير مولاي الحسن، دعاني فيها إلى عشاء ثنائي، رأساً لرأس، وكان قد مضى ردح من الزمن لم ألتق به، وصلت إذن في الموعد، بفيلاه بالسويسي. بدا منشرحاً للغاية، لبقاً وودوداً، دام اللقاء أزيد من ثلاث ساعات، وسوف لن أقدم منه هنا سوى النقط الأساسية: قال الأمير: ـ لقد قرر جلالة الملك وضع حد لمهام الحكومة الحالية. وهناك فريق آخر قيد التشكيل. لقد وصلنا مرحلة المشاورات النهائية وقد أمرني جلالة الملك بإخبارك رسمياً. ـ أشكر سموك على دعوتك هاته، وعلى الإخبار الذي قدمته لي، لكن أستسمحك في التعبير عن مفاجأتي: ذلك أن جلالة الملك، باعتباره رئيس الدولة، هو الذي يعود إليه أمر هذا الإخبار، بصفة رسمية وحسب الأعراف، للفريق الحكومي كله. ـ لنقل إنه إجراء شبه رسمي، لكنه في ظرف أيام قليلة، سيُرسم (يصبح رسميا) كما تقتضيه الأعراف. لكن المهم في هذا المسعى، الذي أمر به جلالة الملك، هو أن أعرض عليك تولي مهام وزارة الخارجية داخل الفريق الجديد، ولابد من أن أوضح لك بأن جلالة الملك يلح على هذا الأمر بشكل خاص.ـ قبل الإجابة على العرض الذي تشرفت به، اسمح لي سموك بإبداء ملاحظة أولية، مادام الأمر يتعلق بحوار شبه رسمي. خلال تنصيب الفريق الحالي، يوم 24 دجنبر 1958 قيل وقتها، في الخطاب الرسمي للتنصيب بأن الحكومة الجديدة ستتولى مهامها إلى ما بعد الانتخابات الجماعية، وأن تشكيلة جديدة ستتشكل على ضوء نتائج هذه الانتخابات الجماعية، بمعنى حكومة أكثر تمثيلية لمختلف توجهات الرأي العام.
والحال، أنه بالرغم من تباطؤ وزارة الداخلية وبعد مشاورة الأحزاب السياسية حول نمط الاقتراع، في يونيو 1959، قرر ظهير صادق عليه جلالة الملك تنظيم الانتخابات الجماعية بالاقتراع الأحادي، ويحمل هذا النص القانوني تاريخ شتنبر 1959. وفي دجنبر، سجل الناخبون أنفسهم في اللوائح الانتخابية، ولم يبق سوى تحديد تاريخ الانتخابات، فلماذا إعفاء الحكومة قبل الانتخابات؟ ـ لقد قرر الملك ذلك، غير أن ما تبين من اللقاء هو أن معارضة الأحزاب السياسية الأخرى بلغت من القوة حدا جعل الحفاظ على الحكومة قائمة، خلال الانتخابات، يبدو كما لو أنه يدعم حظوظها. فتقرر، إذن، دعم حظوظ فريق آخر. والحال، أن اعتماد الاقتراع الأحادي بدل الاقتراع باللائحة الذي دعا إليه كل من حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية يهدف، في العمق، إلى إقرار سلطة ما اصطلح على تسميته بالنخب المحلية، وذلك بالإبقاء على البنيات والهياكل القروية التقليدية التي كانت تستند إليها سياسة الحماية. كما أن من شأن النتائج الانتخابية عبر تقوية حظوظ العالم القروي، أن يبرز اتجاهات محافظة، إن لم تكن رجعية بحثة. -سألته: ـ من هو رئيس المجلس (الحكومي)؟
ـ ولي العهد، أنا شخصياً. الكشف عن هذا الأمر فاجأني مفاجأة عميقة، وحتى إن سبق لي أن سمعت به، فأنا لم أصدقه. قلت له: ـ لكن، يا سمو الأمير، يصعب علي التصديق بهكذا أمر. فأنا لا أرى ولياً للعهد، ومستشاراً لجلالة الملك يضع نفسه على رأس الحكومة، اللهم في ظروف استثنائية حقاً. ذلك لأن الحكم كما يقال هو الاختيار. وعليه، سيكون عليك أن تختار، بإلزام مسؤوليتك السياسية بين هذا التوجه وذاك على المستويات، الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، وفي مجال السياسة الخارجية.. فالرجل السياسي العادي ينخرط بكل مسؤوليته السياسية عندما يقدم على اختيار معين. فإذا نجح في عمله، لن يكون قد قام سوى بما أملاه عليه ضميره وتحليله للوضعية، وإذا أخفق، لن يكون أمامه سوى أن يستقيل أو ينحى من طرف الحكم الأعلى، جلالة الملك. هذا هو النظام وهي ذي قواعد اللعبة حتى في ديمقراطية غير كاملة، كما هي ديمقراطيتنا…. ثم واصلت الحديث بالقول: ـ مبدئياً، فإن أميراً ولياً للعهد يمثل استمرارية نظام الملكية، حيث لا يمكن أن يتعهد بمسؤوليته السياسية، حيث لا تمكن مجازاتك أو محاسبتك، فماذا ستفعل المعارضة في هذه الحالة؟ فإن هي عبرت عن عدم موافقتها على أي إجراء كان، ستكون أولا وقبل كل شيء تعارض ولي العهد، لأن هذه الصفة ستظل، بالرغم من كل شيء، هي المهيمنة والغالبة. لست بصدد شكلانية قانونية، بل أحاول أن أتصور أوضاعاً ووضعيات ملموسة، لا، بكل صراحة لا أتفهم الأسباب التي تدفعك إلى تولي رئاسة الحكومة.. أجابني: ـ لقد قدرت الأمور من جانبها السلبي والإيجابي معاً، وقد تنبأت بالاعتراضات التي ستقوم بها.. لكن القرار اتخذ. وإذا كان جلالة الملك وأنا فكرنا في مشاركتك، فذلك حتى يكون الفريق الجديد ممثلا لكل الاتجاهات.. لا تظن على وجه الخصوص أنني أعارض كل الإجراءات التي اتخذتها.. ففي العمق أنا أيضاً اشتراكي. ـ يمكنك أن تكون اشتراكياً كإنسان أو كمواطن، لكن لا يمكنك أن تكون اشتراكياً كولي للعهد.. أما في ما يخص مشاركتي الشخصية، فإن أمرها هين للغاية. وعلى كل، كيف يمكنني أن أجمع بين تصوراتي الشخصية وتصورات مناقضة يعبر عنها الآخرون. أنا كمناضل في خدمة قضية أومن بها. فأنا لست سياسياً يبحث عن مناصب.. ـ طيب، سأقدم تقريراً لجلالة الملك عن هذا اللقاء، وعلى كل، سيتم استدعاؤك للمشاورة، كما تقتضي الأعراف ذلك. كان اللقاء قد انتهى عملياً، كنا نتمشى في الحديقة. وعندما استأذنته في توديعه، خاطبني بقوله: ـ أنت لا تفهمني، يا عبد الرحيم، لكن، باعتبارك صديقاً سأقول لك (ما في الأمر): أنت لا ترى فيَّ سوى ولي العهد فقط، والحال أنني مناضل مثلك، وإنسان مثلك. يحذوني الطموح في لعب دور في حياة بلادي. أنت تعرف أن أبي مازال شاباً. وأنا سوف لن أنتظر حتى أضع طقم أسنان لكي أخلفه.. هو ذا عمق تفكيري… ثم أضاف مبتسماً ـ لربما ستركب القطار وهو يسير، في يوم من الأيام. فمن يدري؟»

الكاتب : عبد الحميد جماهري

نشر بجريدة الاتحاد الإشتراكي /يناير 2020