<

أول قراءة جريئة لأحداث
3 مارس 1973، من موقع الشهادة

أحداث 1973 المسلحة ليست معزولة عن أحداث 1963

وخيبات جيل الإستقلال

التاريخ ليس علما للماضي بل موضوعه الأكبر هو الإنسان

صدر منذ أيام كتاب توثيقي وتأريخي جد هام وجريئ حول واحدة من أعقد وأصعب المراحل السياسية بمغرب الإستقلال، المعروفة ب «أحداث مولاي بوعزة» التي وقعت يوم 3 مارس 1973، من خلال المواجهة المسلحة بالأطلس المتوسط مع مجموعة إتحادية مسلحة تسللت من الجزائر. وهي الأحداث التي تنسب لما يعرف ب «مجموعة بنونة». الكتاب الذي حرره المؤرخ المغربي الطيب بياض، هو شهادة موثقة للمناضل الإتحادي والحقوقي الأخ مبارك بودرقة (عباس)، جاء بعنوان «بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة»، متضمنا للعديد من التفاصيل الدقيقة، التي تعرف لأول مرة وتنشر لأول مرة، مسنودة بوثائق نادرة، لعل أهمها على الإطلاق الوثيقة التاريخية التي حررها الشباب الصحراوي المغربي المؤسس لجبهة البوليزاريو بزعامة مصطفى الولي الذي اغتالته المخابرات الجزائرية في ظروف غامضة أثناء هجوم على موريتانيا، والتي يؤكدون فيها مغربية الصحراء الغربية.
مناسبة هذا الإصدار دفعتنا أن نحمل بعضا من أسئلتنا إلى الباحث والمؤرخ المغربي الواعد الطيب بياض، الأستاذ بكلية الآداب عين الشق بالدار البيضاء، فكان هذا الحوار.

س: أستاذ الطيب بياض، أحييكم أولا على هذا المنجز التاريخي التوثيقي الهام جدا. كيف سلس لكم موضوع حساس مماثل، بصيغة أخرى ما هي قصة إنجازه؟


ج: كما أشرت في مقدمة كتاب «بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة، أحداث 3 مارس 1973»،
بدأ اهتمامي بقضايا التاريخ الفوري، منذ التحاقي، قبل زهاء عقد من الزمن، بطاقم تدريس ماستر تاريخ الزمن الراهن، الذي كان تجسيدا أكاديميا لإحدى توصيات هيئة الانصاف والمصالحة.
ولما قِيض لتجربة هذه الهيأة أن تُدون سنة 2017، من طرف عضوين فاعلين فيها، وتصدر في شكل كتاب معنون بـ» كذلك كان»، من توقيع الأستاذين مبارك بودرقة وأحمد شوقي بنيوب، كنت على موعد مع اكتشاف مضامين الكتاب، وأول لقاء مع صاحبيه.
أسهمت خلال أمسية علمية في تقديم هذا الكتاب بمدينة القنيطرة، لكن بعد أن انتهى اللقاء العلمي المخصص لتقديم هذا العمل، ابتدأ المشوار الانساني والفكري مع صاحبيه، ثنائي كذلك كان.
من مؤشرات هذا التفاعل الإنساني الراقي، دعوة كريمة تلقيتها من الأستاذ مبارك بودرقة، على هامش العشاء في تلك اللية بعد الانتهاء من تقديم الكتاب، يدعوني فيها لزيارته بالرباط في اليوم الموالي.
استجبت لدعوته، فإذا به يفاجئني بهدية راقتني كثيرا، يتعلق الأمر بالأجزاء الخمسة من رسالة باريس، للمرحوم محمد باهي حرمة، الذي كان قد حرص على جمعها وإصدارها سنة قبل ذلك.
تضمنت الهدية رسالة موجهة إلي، مفادها طلب العناية، أو على الأقل ذلك ما فهمته، وكأني به يدعوني لأن أتقاسم معه رسالة صيانة ذاكرة باهي حتى لا يطويها النسيان. مع أني أنتمي لجيل أسهم محمد باهي حرمة في تشكيل وعيه وتطوير معارفه، وأنا الذي كنت أقبل على التهام رسالته من باريس، على صفحات جريدة الاتحاد الاشتراكي صباحا، بعد انتظار وصولها إلى ساحة الحرم الجامعي ظهر المهراز بفاس، أو قادمة على متن حافلة لتصل بعد العصر إلى بلدتي أوطاط الحاج.
كان لا بد من رد الجميل لكاتب رسالة باريس ولصاحبه الحريص على صيانة إرثه، لذلك خصصت ستة أشهر لإنجاز هذه المهمة؛ نذرت نفسي لباهي، لا أقرأ إلا ما كتبه أو ما كُتب عنه. توج كل ذلك بإدراج اسمه ضمن ثلاثين شخصية مغربية ستدون سيرها في كتاب، إلى جانب ثلاثين شخصية فرنسية، في عمل سيصدر عن منشورات جامعتي السوربون بباريس والحسن الثاني بالدار البيضاء، بعد أن قدمت سيرته ضمن لقاء علمي بجامعة السوربون بباريس يوم الثاني من ماي 2018. ثم تحدثت عن مساره في إطار يوم دراسي، نُظم بشراكة بين مجلة رباط الكتب وشعبة التاريخ بكلية الآداب والعلوم الانسانية عين الشق بالدار البيضاء، يوم العاشر من دجنبر 2018، وإرسال مقال أيضا حول سيرته ومساره لينشر ضمن موسوعة الرواد التي ستصدر هذه السنة.
لقد جمعتني مع الأستاذ مبارك بودرقة صدفة لقاء حول كتاب «كذلك كان»، وعمقت «رسالة باريس» أواصرنا المعرفية والانسانية، ورسخ كتاب «أحاديث في ما جرى»، مسارا من العطاء، وكان مناسبة لمخاض وتشكل فكرة «بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة».
فمن الدار البيضاء إلى طنجة مرورا بالمحمدية، توالت لقاءات تقديم كتاب الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي «أحاديث في ما جرى»، حيث كانت تجري على هامشها حوارات ونقاشات متعددة، لكن سؤال ما بعد هذا الكتاب كان يتكرر باستمرار، في مسار الإصدارات التي أشرف عليها الأستاذ مبارك بودرقة.
في لقاءي الدار البيضاء والمحمدية جاء جواب الأستاذ مبارك بودرقة حاسما جازما بأن اهتمامه منصب على جمع وتقديم مذكرات صديقه محمد الفقيه البصري، بعد أن جمع أعمال صديقيه محمد باهي حرمة وعبد الرحمان اليوسفي.
كان الأستاذ أحمد شوقي بنيوب يستحضر الكثير مما يعرفه عن رصيد ومسار وتجربة صديقه الذي تقاسم معه تجربة هيئة الانصاف والمصالحة قبل كتاب «كذلك كان»، ويلمح حينا ويصرح أحيانا أخرى بضرورة الانكباب على تقاسم هذا الرصيد الذاكري الثري مع القراء تدوينا، خاصة بعد أن تقاسم جزءا منه مع الجمهور من خلال حوارات موضوعة على اليوتيوب.
كنت أزكي هذا الطرح، وصرت أثمنه أكثر بعد الاستماع لحوارات الأستاذ مبارك بودرقة، واكتشاف ما حبلت به ذاكرته من معلومات ومعطيات غزيرة ومتفردة ومتنوعة.
آن لفكرة هذا الكتاب أن تولد في طنجة، أو على الأقل تحضر كانشغال ضمن أولويات «الأخ عباس»، كما يحلو لرفاقه القدامى مناداته. إذ لمَّح لأول مرة لهذه الإمكانية، مع حرصه على أن تكون الوثيقة في مذكراته سندا للذاكرة، شاهدة على صدق بوحها، احتراما منه لذكاء قرائه.
حصل ذلك يوم الجمعة 29 يونيو 2018، إثر تجاذب أطراف الحديث حول موضوع كتابة المذكرات، بعد تقديم كتاب «أحاديث في ما جرى»، بمقر المركز الثقافي أحمد بوكماخ بمدينة طنجة.
وأنتم الأستاذ العسيبي كنتم مساهمين في تقديم كتاب الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي بمدينة طنجة، ورفيق سفر في تلك الرحلة بين الرباط وطنجة ، ومتفاعلا مع جزء مهم من ذلك النقاش الذي جمعنا أثناء السفر وعلى هامش تقديم الكتاب، والتي حضرت فيه مواضيع كثيرة من بينها كتابة المذكرات.

س: تفاعلا مع ما تفضلتم به، ألا ترون معي أن تمة إشكالا معرفيا نواجهه مغربيا منذ عقود، هو غياب الجرأة أكاديميا لمقاربة وقراءة التاريخ المغربي الراهن الذي لا يزال طازجا بأحداثه ووقائعه ونتائجه. ألا تعتبرون أن مغامرة معرفية مثل التي توفقتم فيها تشكل انعطافة فعلية أكاديميا ضمن التراكم المتحقق في المنجز التاريخي بالمغرب؟


ج: يقول المؤرخ الفرنسي إيمانويل لوروا لادوري:» التاريخ يكتب من الحاضر وبضمير خاص»، ودعني أتساءل معك: إذا اعتبر المؤرخ نفسه غير معني بما يشهده عصره من أحداث وتحولات، فهل الماضي هو موضوعه؟
يجيب رائد مدرسة الحوليات، مارك بلوك بالقول:» نقول أحيانا التاريخ علم الماضي، يا له من كلام سيء، وإنه لأمر سخيف أن يكون الماضي في حد ذاته موضوعا للعلم»، ثم يضيف:» في الواقع تعلمنا منذ زمن طويل، من خلال شيوخنا العظماء من أمثال ميشلي وفوستيل دوكلانج أن ندرك أن موضوع التاريخ بطبيعته هو الإنسان»، أو لمزيد من الدقة «يجب إضافة الإنسان في الزمن»، أو بالأحرى: الناس في الزمن؛ أي دراسة التبدلات والتحولات التي يعيشها الناس في حياتهم ومعاشهم وحتى في أجسادهم.
هناك في الواقع أربعة هواجس مشروعة، على الأقل، في كتابة التاريخ الراهن، لكنها تتفسخ وتحلل وتذوب في مختبر المؤرخ، إن عالجها بالمواد العلمية الضرورية لها.
أولا: مسألة المسافة الزمنية كشرط للموضوعية.
أعتقد أن الموضوعية لم تكن يوما مرتبطة بالمسافة الزمنية، بل بعُدة المؤرخ وزاوية معالجته وتمكنه من أدوات صنعته؛ فقد تكون صاحب نزوع هوياتي ضيق وتكتب عن أسلافك القدامى المنتمين لزمن سحيق بكثير من التحيز والخلاصات الجاهزة، أي بقليل من الموضوعية، وبالمقابل قد تكون حريصا على صفتك الأكاديمية، متسلحا بأدواتها فتكتب عما جرى بالأمس القريب بكثير من الموضوعية.
ثانيا: الكتابة عن أشخاص وفاعلين مازالوا على قيد الحياة.
هذا التحدي يجعلك لا تخشى الأحياء قدر احترامك للأموات، فتخوض في تمرين الكتابة عن الجميع بالحذر المنهجي المطلوب، خارج منطق التبخيس أو التقديس.
ثالثا: الكتابة عن سيرورات وتطورات لم تكتمل.
في هذه الحالة أعتقد أنهي ينبغي التميز بين الظرفي الحدثي العابر والبنيوي العضوي الممتد في الزمن، وبناء عليه نقدم خلاصات أولية، وليس خواتم نهائية، وفي كل الأحوال ليست هناك خلاصات نهائية في حقل التاريخ، لأنه حقل مفتوح على إعادة الكتابة باستمرار في ضوء ظهور وثائق جديدة أو فقط مدارس ومناهج جديدة، تغير زاوية المعالجة والمقاربة.
رابعا: نوعية الوثائق وكيفية التعامل معها.
في مجال التاريخ الراهن يظهر صنف جديد من الوثائق، مختلف عما درج المؤرخون استعماله وتوظيفه، يحضر فيه ما يجري تداوله بوسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير. لكن مع ذلك تبقى الوثيقة وثيقة، كل ما حصل في واقع الأمر هو توسيع مفهومها ليشمل كل ما له علاقة بالإنسان، وأن لا تبقى مختزلة في الوثائق الرسمية المتأكد من سلامتها. وفي جميع الحالات، يبقى على المؤرخ كما قال مارك بلوك أن يبرع في اقتناص وثائقه، فهو الذي يحدد قيمتها ومصداقيتها، لكن عليه أن لا يساير كل ما ورد فيها، بل التعامل معها بنَفَس نقدي، وتملك أدوات استنطاقها لاستخراج المادة العلمية منها.
ما قدمته في هذا الكتاب مع الأستاذ مبارك بودرقة هو تمرين في كتابة المذكرات يستحضر هذه الهواجس، لتقديم منتوج ذاكري مسنود بالوثيقة، نتطلع إلى أن يلبي تطلعات القراء.

س: لكن، تمة إشكال معرفي ظل يواجه مدرسة التاريخ المغربية، متأسس على مرجعيتين ظلتا تكبلان مشروعها المعرفي، يتمثل الأول في اختيار عدم التماس مع الفعل السياسي الحدث ضمن التاريخ المغربي، فيما يتمثل الثاني في الإصطفاف وراء القراءة الخارجية الأجنبية للتاريخ المغربي الحديث. كيف تقرأ هذه الثنائية من موقع الجيل الذي تنتمي إليه أكاديميا؟


ج: هناك اجتهادات سعت إلى كتابة تاريخ المغرب خارج هذه الثنائية التي تفضلت بالإشارة إليها، لكن أعتقد أن ثمة مسألة أحسبها في غاية الأهمية ينبغي استحضارها في هذا الباب، يتعلق الأمر بمفهوم المدرسة التاريخية في حد ذاته؛ فنحن لم نراكم بعد تجربة طويلة في الكتابة التاريخية المستندة إلى مناهج واضحة، وبنَسب فكري ومرجعية نظرية مؤسسة على اتجاه معين في الكتابة التاريخية. يضاف إلى هذا الأمر أن المنجز الحالي هو حصيلة اجتهادات فردية وليست عملا مؤسساتيا منظما في مراكز وهياكل بحث تُعنى بالكتابة التاريخية. ثم هناك معطى آخر مرتبط بالانفتاح المحتشم على باقي الحقول المعرفية الأخرى من سوسيولوجيا وأنثروبولوجيا واقتصاد وفلسفة وعلوم سياسية وعلم نفس بل والأدب والسيمائيات أيضا.

س: بالعودة إلى كتاب «بوح الذاكرة» وأحداث 3 مارس 1973، نجد أنك حاولت التأسيس لتلك الأحداث كنتيجة لمقدمات اخترت منذ البداية أن تربطها بسنة 1963. لماذا هذا الاختيار المنهجي؟ وضمن أي توجه معرفي ضمن مدارس التاريخ تصنفه؟


ج: استحضرت منذ أول سؤال موجه للأستاذ مبارك بودرقة- عباس، تحذير فرانسوا سيميان من عادة الضياع في البحث عن الأصول، لكن ذلك لا يعني إهمال السياقات الشارحة والمفسرة لما جرى. فالأحداث لا تُقرأ معزولة عن سياقاتها، وأعتقد أنك قد لاحظت أثناء قراءة الكتاب محاولتي لوضع أحداث 3 مارس 1973 في سياق ما يمكن اعتباره امتدادا أو إحياء لحركة شيخ العرب، في سياق تراكم تقاطع فيه الذاتي في مسار الأستاذ بودرقة من خلال الاعتقال الذي تعرض له رفقة والده سنة 1963، مع معطى موضوعي عرفته نفس السنة من خلال تداعيات ما عُرف بالمؤامرة. واللافت أن صاحب الذاكرة، رغم تأكيده على سنة 1963 كمحطة للتأصيل إن جاز لنا هذا القول، إلا أنه غاص عميقا في التاريخ وعاد إلى سنة 1912 في إضاءة تاريخية شارحة لثنائية السلمي العلني والمسلح السري. وهو ما سهل عليّ تعميق التفاعل، مُستئنسا بما راكمته مدرستي الحوليات والتاريخ الجديد في العلاقة مع الذاكرة والوثيقة.

س: لكن، عمليا يمكن التمييز بين توجهين في مقاربة الموضوعة التاريخية بالمغرب، الأول فرنسي أرووبي والثاني قومي عروبي، يؤطرهما مرجعيات وغايات لا تتوافق بالضرورة مع ما يمكن وصفه ب «المصلحة المغربية الخاصة بالواقعة المغربية في التاريخ». هل من خلال أعمال تأريخية مثل التي أنجزتها مع فاعل سياسي من وزن الوطني والمناضل الحقوقي مبارك بودرقة عباس تدشنون لتوجه جديد غير مسبوق ضمن مدرسة التاريخ المغربي؟


ج: دشن المؤرخون المغاربة خلال مرحلة الستينيات من القرن الماضي لما جرى نعته بكتابة التاريخ الوطني، ثم جاء دور التاريخ الاجتماعي والاقتصادي ليحضر بشكل متفاوت مع أعمال رامت الخوض في التاريخ المحلي، ثم ظهر اهتمام بتاريخ المقاومة والحركة الوطنية، وجرى الانفتاح على كتابات المذكرات بدرجات مختلفة، وانخرط باحثون آخرون في مواضيع أخرى ( التغذية، اللباس، الصحة…) ثم حضرت الذاكرة بدورها ضمن اهتمام الفاعلين الذين دونوا تجاربهم ومساراتهم وكذا كانشغال معرفي لدى المؤرخين، لذلك ما قدمته اليوم مع الأستاذ مبارك بودرقة يندرج ضمن هذا التراكم. ربما الجديد الذي يقدمه كتاب بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة هو التفاعل داخل النص بين الذاكرة والوثيقة، ونوعية البناء الذي يقترحه المؤرخ داخل الحوار، لأنه كان محكوما برهان تقديم ذاكرة تتجاوز الذاكرة الفردية أو الذاكرة الجماعية لتكون جديرة بالتصنيف في دائرة الذاكرة التاريخية.

س: قراءة كتاب «بوح الذاكرة» ستذهب مذاهب شتى حسب منطلقات ومرامي كل قراءة على حدة. ما هو التأويل التفسيري الذي تراه الأنسب لما وقفتم عليه من تفاصيل معززة بوثائق حاسمة؟ هل نستطيع اليوم تلمس أجوبة تاريخية حول الواقعة السياسية المغربية المتفاعلة منذ قرن من الزمان؟


ج: مسعى أو طموح تقديم ذاكرة تاريخية شكل انشغالا كبيرا لدي، عندما شرعت في الإعداد لهذا العمل، إذ حرصت فيه على وضع الذاكرة بين سؤال المنهج وسند الوثيقة، في أفق تقديم عناصر إجابة على أسئلة تهم مواضيع مرتبطة بتاريخ المغرب الراهن وبالذاكرة الجماعية للمغاربة، هل وُفقت في ذلك أم لا هذا أمر متروك للقارئ. كل ما يمكنني التأكيد عليه هو تظافر جهود صاحب الذاكرة المسنود برصيده الوثائقي المهم مع عمل المؤرخ ومنهجه لتقديم منتوج يأملان أن يكون في مستوى ما ينتظره القراء، الذين ولا شك لن يكونوا في التفاعل معه على قلب رجل واحد، فلكل قارئ انتظاراته وقراءاته وتأويلاته.

س: هناك مشروع معرفي هام كان لكم قصب السبق فيه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق بالدار البيضاء، يتمثل في ورش للتكوين على مستوى سلك الدكتوراه في التاريخ الاقتصادي. هل نستطيع الحلم بأمل أن مسار التأريخ المغربي قد بدأ يتحرر أخيرا من التاريخ السياسي في اتجاه التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والقيمي المشتغل على المنجز البشري كتجربة حياة، وأن ذلك هو ما سيفيد في تعزيز مصالحة الفرد المغربي مع ذاكرته وخصوصياته الحضارية؟


ج: مسألة مصالحة الأفراد والمجتمعات مع تاريخها وحضارتها أمر أحسبه في غاية الأهمية، وينبغي العمل لتعميقه، خاصة في زمن العولمة وما رافقها من تيه وتشظي وانشطار، ومن المفيد أن ينخرط الجميع في هذا الورش المحصن للذات والمستشرف للأفق بطريقة لاحمة جامعة بعيدا عن الهويات الضيقة التي تطل برأسها أحيانا بشكل متشنج.
أما التكوين الذي أشرف عليه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق بالدار البيضاء، الذي تفضلت بالإشارة إليه، فيهم تأطيرا لطلبة الدكتوراه في مواضيع تهم التاريخ الاقتصادي للمغرب المعاصر والراهن، حاولت فيه استثمار تجربة بحثية في التاريخ الاقتصادي تمتد حوالي لحوالي ربع قرن، وتقاسم هذا التراكم في البحث مع طلبتي في سلك الدكتوراه، من خلال تتبع وتوجيه وتأطير أعمالهم التي توزعت بين البحث في تاريخ الفوسفاط وتاريخ الأبناك و وتاريخ الكهرباء وتاريخ الفلاحة والاختيارات الاقتصادية للمغرب بعد حصوله على الاستقلال، وغيرها من المواضيع.
المفيد في هذه التجربة الموسومة بوحدة الموضوع العام بين الطلبة الباحثين، والتخصص داخله في مواضيع محددة، أن اللقاءات التأطيرية تكون فرصة للتفاعل المنتج بينهم، يكمل الواحد منهم الآخر، خاصة على مستوى تبادل المعلومات البيبليوغرافية، مما يولد حافزا للعمل أكثر من منطلق الانتماء لنفس المشروع العلمي، أي التاريخ الاقتصادي للمغرب المعاصر والراهن.
نتمنى أن تسهم تجربة البحث في التاريخ الاقتصادي، من داخل جامعة تقع في قلب العاصمة الاقتصادية للبلاد، في تحقيق جزء من الحلم الذي تحدثت عنه في سؤالك.

الكاتب : حاوره: لحسن العسبي

نشر بجريدة الاتحاد الاشتراكي 11فبراير 2020.