الأسير هو من فقد حريته, وخضع لقوى أخرى مادية أو معنوية راحت تفرض عليه إرادتها, وفق ما تريد هي وما ترغب, 

     وإذا كان الأسير في شكله أو صيغته المادية, يسجن ويخضع لقوانين السجن وأعرافه, فإن سجين الأوهام هو من قيدته الرؤى والأفكار أو الأيديولوجيات المغلقة بسلطاتها, ممثلة برموزها وطقوسها وقوانينها وتعاليمها وعقائدها, إلى درجة لم يعد الأسير قادراً على التفكير والحركة في حياته إلا وفقاً لهذه السلطات.

    عموماً إن أسرى الجسد (الأسر المادي) قادرون على التحرر من أسرهم, بهذا الشكل أو ذلك, قد يكون بعفو أو فدية أو تبادل أسرى.. وغير ذلك. أما أسرى الوهم فهم مقيدون في عقولهم بسلاسل من الوهم والخيال والخرافات والأساطير إلى درجة لم تعد فيها القدرة على تحريرهم إلا بعمليات غسل عقول يشرف عليها مختصون في علم النفس وعلى درجة عالية من القدرات المعرفية, وخلال فترات طويلة.

     ما يهمنا هنا في الحقيقة بالنسبة للأسرى هم أسرى الوهم. الذين تحولوا بقيودهم العقلية التي فرضت عليهم من قبل سدنة المعبد والحقيقة المطلقة, أو هم من فرضها على نفسه بإرادته. وهؤلاء نجدهم في الاتجاه الديني, مثلما نجدهم في الاتجاه السياسي الوضعي أيضاً.

      فإذا كان أسرى أو سدنة الوهم الديني قد أسرتهم حقائق العقيدة وشروحاتها وطقوسها ورمزها, ووعودها بتعويضهم عن ما عانوه من حرمان في واقهم المعيوش, بالفردوس الذي سيجدون فيه ما يشتهون من خمر ولبن وعسل وحور العين, الأمر الذي جعلهم يدورون في فلك الماضي بحثاً عن معرفة طريق الوصول إلى هذا الفردوس الذي بينته لهم الكتب الدينية وعقائدها, فإن هذا الأسر ارتبط أيضاً في المستقبل الذي رسمته لهم هذه الكتب ذاتها (الجنة الموعودة). وبالتالي يظل الحاضر عندهم دار رذيلة وشقاء وفساد يجب أن تهمل أو تترك رغبة بما تشي به أحلام المستقبل .. الجنة.

     إذن, إن أسرى الوهم الديني يعيشون حياتهم محاصرين بماضٍ تكمن فيه معرفة طريق الخلاص ولا بد من العودة إليه دائماً وتمثله فكراً وسلوكاً, وبحاضر يتطلب منهم رفضه أيضاً رغبة في تحقيق ما وعدهم به هذا الماضي نفسه في المستقبل. هذا الماضي الذي أصبح بالضرورة المنطلق الوجودي والمعرفي المقدس لهم, وكل محاولة للخروج منه أو عليه حباً بالحاضر الفاسد, هي تحدٍ لهذا المقدس وما يمثله, وهذا التحدي سيُدخل صاحبه في خانة الردة والكفر والزندقة والالحاد وبالتالي البدعة التي ستحرمه من جنان الخلد لاحقاً, كما يدعي من جعلوا أنفسهم أوصياء الله على هذه الأرض, وهم مشايخ الدين, أو ما نسميهم بسدنة الحقيقة المطلقة, هؤلاء الذين راحوا يمارسون قمعهم الوعظي على المتدينين حتى لا يخرجوا عن عالم ما رسمته لهم العقيدة,  تارة بالترهيب كعذاب القبر أولاً ثم عذاب جهنم بكل ما فيها من وسائل التنكيل من تعذيب بالنار والزمهرير والحديد ثانياً .. الخ. أو بالترغيب, كوعدهم بجنة تجري من تحتها الأنهار, فيها كل ما تشتهيه النفس الإنسانية وفي مقدمتها حور العين والخمر كما بينا قبل قليل.

     أما أسرى الفكر الوضعي من السياسيين, وأيديولوجيين الذين يعملون على إرضاء سلطات الحاضر أو حكام دوله من مشايخ ومثقفي وسياسي السلطان, فهؤلاء في وظيفتهم لا يختلفون عن سدنة المعابد, حيث تجدهم يعملون على نشر أفكار أو أيديولوجيا الدولة أو بالأحرى السلطة القائمة (حاضراً) بأية وسيلة متاحة, كالصحافة والإعلام ومنابر الجوامع والمراكز الثقافية الخاضعة لسلطتهم. و يعتبر كل خروج عن سياسة هذه الدول أو السلطة الحاكمة, هو انحرف عن الأيديولوجيا المتبعة, وخيانة للوطن, وارتباط بالأجنبي, وتهديد للأمن القومي. وبالتالي فكل من يخالف السياسة القائمة, سينال الحرمان من نعيم المواطنة.

      نعم هم يريدون كل الناس أن تخضع لسلطة وسياسة المركز في الحكم كما فهموه هم وفسروه, شأنهم شأن أسرى وهم الدين الذين يريدون كل الناس ان تخضع للمركز الديني الذي فهموه وفسره هم أيضاً, كما يقومون  بممارسة الترهيب والترغيب تجاه الآخر شأنهم شأن سدنة الدين أو المعابد. فالترهيب يأتي بالسجن والاقصاء والنفي وكم الأفواه, مع ممارسة وسائل حديثة ومعاصرة في التعذيب ربما لا تخطر على بال سدنة الوهم بتصوريهم لعذابات جهنم, وكذا حال الترغيب, الذي يحقق لمن يخضع لهذا الوهم كل سبل الراحة والترف في حياته. 

     هذ هي معطيات أسرى الوهم التي نراها سائدة في معظم المجتمعات والدول العربية, التي فقد فيها أفراد هذه المجتمعات حرية الرأي والتعبير والمشاركة في بناء شؤون حياتهم, وفرضت عليهم وصاية أهل الدين والدنيا عبر تاريخهم الطويل.

عدنان عويد كاتب وباحث من سورية