يعرف المغرب اليوم أزمة اجتماعية، أصبحت تأخذ تدريجيا شكل أزمة سياسية.

إن المطالب الاجتماعية المتفاقمة والعنيفة، والتطور الغير المتساوي، للمسار المؤسساتي – والذي أفرز مركزية متصاعدة للملكية، وأضعف البرلمان والحكومة والأحزاب السياسية الفاقدة لشرعيتها الشعبية-، ومحدوديات نمط التنمية لرأسمالية عقارية ريعية تتغذى من السياسات العمومية القطاعية. (مخطط المغرب الأخضر، سياسة الإنعاش العقاري، السياسة السياحية إلخ….) ووقع الانتقال الديموغرافي على شباب طموح غير مؤهل، كلها عوامل تفسر أن الأزمة السياسية العميقة ، قد تؤدي إلى أزمة الدولة نفسها، إذا لم يتم إصلاحها.

       وفي الواقع ،إن هذا الإستيقاظ الاجتماعي المتفاقم، قد يصبح عنيفا بموازاة مع إدراك المواطن لضعف مشاركته السياسية وقدرته على مساءلة نخب تتهافت على السلطة والريع.

       ولكن، وبعد الخطاب الملكي (13 أكتوبر 2017)، يلاحظ أن جل المجهودات الفكرية ركزت على المحدوديات التقنية ـ الاقتصادية لنمط التنمية، فارضة على نفسها خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها لتحليل الأسباب العميقة للإخفاقات، في غياب مقاربة تمكن من إبراز الإمكانيات المتوفرة لإنجاح إصلاح حقيقي للدولة، إذ أن الخطاب الملكي قد حث على

البحث عن مداواة (THERAPIE) تخرج البلاد من التيه الحالي، ولو كلف ذلك (زلزالا سياسيا).

            إصلاح نمط التنمية أم إصلاح الدولة ؟

       إن الدراسات الجادة علميا للنظام السياسي المغربي، قد أبرزت أن المحدوديات الاقتصادية والاجتماعية لنمط التنمية للمغرب، لها مبررات مؤسساتية وسياسية (ج.واتربوري- J.WATERBURY، ر.لوفو- R.LEVEAU ، ب.باسكون- P.PASCON , محمد عابد الجابري-M-A-ALJABRI ) .

       وعليه، فازدواجية الدولة المغربية الكامنة في التعايش بين طبيعة رأسمالية، ونظام سياسي نيوباتريمونيال(Néo-Patrimonial) قد حد من التطور السياسي والاقتصادي للبلاد.

       فالنظام السياسي المغربي، المرتكز على سمك تاريخي واستقرار مؤسساتي نسبي، لم يتمكن من دمقرطة نفسه كليا، مما أدى إلى بناء دولة قوية ظاهريا من حيث التحكم السياسي، وضعيفة في أداء وظائفها من حيث الحكامة الاجتماعية. تلك الدولة التي تخدم بكيفية متناقضة وفي نفس الآن، المصالح الرأسمالية والمصالح الأرستقراطية لفاعليها الإجتماعيين، والتي تنتقي من  بينهم النخب الإدارية والسياسية.

       إن هذه الازدواجية العضوية ،والوظيفية للدولة ،هي التي حددت الطبيعة العقارية الريعية للرأسمالية المغربية، وأضعفت حمولاتها الإنتاجية(دومو عبد العالي، الدولة والرأسمالية ) .

إلا انه منذ 2000 وإلى حدود 2008، سن المغرب إصلاحات مكنت من تحسين المؤشرات الاقتصادية ،الشيء الذي قوى من جديد الأمل والثقة في النظام السياسي، إذ أن المحللين الأكثر معارضة للنظام، أصبحوا يعترفون أن الملكية ،هي حظ المغرب بالنظر إلى دورها في استقرار البلاد، ومقدوراتها لصالح دمقرطته.

       ذلك الواقع ،الذي أكده المرور السلمي للربيع العربي بالمغرب، كما أكده كذلك، سرعة ونباهة الرد الملكي عليه ،عبر إصلاح دستوري ،كان من المفروض، أن يؤدي إلى إصلاح الدولة، وتقوية المساءلة للمواطنين (خطاب الملك 9 مارس 2011).

       لكن الإصلاحات التشريعية المعتمدة منذ 2011 (والمفروض فيها التفعيل الحقيقي للإصلاح الدستوري) -ولاسيما القوانين التنظيمية المتعلقة  : بتعيين المسؤولين للإدارة العمومية،والقانونين المتعلقين بالمالية العمومية وبالجماعات الترابية – ، هي إصلاحات عزلت عن السياق السياسي (الربيع العربي) ، الذي أفرزها لتصب في منطق تقني- بيروقراطي يتجاهل كليا ، العوامل السياسية التي أدت إلى الإصلاح الدستوري :ديموقراطية متقدمة ، عبر مشاركة أوسع للمواطنين في تدبير الشأن العام ؛

– شفافية أمتن وتخليق للحياة السياسية، اعتمادا على مساءلة حقيقية ، للنخب المسؤولة على تدبير الشأن العام.

– وفي هذا السياق ظل التطور السياسي الحالي للمغرب ، يبرز نفس الاستمرارية التي تشهد على “المناعة التاريخية ،الخالدة للنظام المؤسساتي، تجاه الحداثة الديمقراطية” (محمد عابد الجابري).

تلك الاستمرارية للنظام السياسي ،في أشكاله وممارساته التقليدية، التي ترهن التنمية الاقتصادية ،وإعادة تركيب النخب، لذلك يبدو أن السمة الأساسية للنظام السياسي المغربي الحالي  ، تكمن أساسا في استمرارية آليات إنتاج النخب :

* تقوية النخب الاقتصادية التقليدية ؛

* استقطاب النخب السياسية والإدارية ، بناء على علاقة القرب والانضباط لمراكز القرار ؛

*تداخل السلط السياسية والاقتصادية. إلخ…

هي إذن نفس الميكانزمات لإعادة إنتاج النخب، التي لازالت قائمة والتي تمنع المغرب من سن دينامية للنمو الرأسمالي المنتج، خدمة لاقتصاد المضاربة والريع في ميدان الفلاحة، والمضاربة العقارية والسياحية، والخدمات.

وفي هذا الصدد ، يجسد التطور الحالي للصناعة ، ظاهرة هشة ناتجة عن مبادرات الرأسمال الأجنبي.

محدوديات النموذج التنموي وطبيعة السياسات العمومية القطاعية .

لذلك ، لما نتساءل حول محدوديات نمط التنمية، يجب علينا إبراز اختلالات السياسات العمومية القطاعية ، التي تفرز هذا النمط : سياسة مخطط “المغرب الأخضر” سياسة الإنعاش العقاري، السياسة السياحية، وهي سياسات من بين أخرى ،تخدم نفس المصالح لنفس النخب.

إن هذه السياسات العمومية القطاعية،تغذي النظام الريعي للدولة الذي – عبر الدعم الممنوح، وعمليات الخوصصة (التي أصبحت تغزو قطاعات حيوية كالتعليم والصحة)، والإستثناءات الممنوحة من طرف الولاة، للولوج إلى العقار داخل الجهات، واالحصري للصفقات العمومية -، يؤدي إلى تمركز الثروة في أيادي النخب، ويمنع انبثاق اقتصاد وطني،

منتج وموزع لها، مادامت الدولة وفاعليها الاجتماعيين، تناهض أي تقدم ديمقراطي ،وأي اقتصاد السوق، يضمنان تكافؤ الفرص والمنافسة والابتكار، والمساءلة من طرف المواطنين . إن شرائح واسعة من هذه النخب، لازالت تشكو من سوء التقدير – رغم زلزلة المحيط الجيوسياسي للعالم العربي والإسلامي – ،  لاحتياط مشروعية النظام السياسي والاجتماعي ، وقدرته على مقاومة الإصلاحات الديموقراطية، تلك النخب التي تستمر اليوم ، في الإيمان بالإستثناء المغربي وبالخلط بين الجمود المؤسساتي ، والاستقرار السياسي الحقيقي، وكأن التاريخ يمكن من إيجاد استثناء ، يعزل المغرب على الدينامية الكونية ، للطموحات الإنسانية ، من أجل الرقي الاجتماعي.

ونظرا لهذه الاعتبارات مجتمعة،  يتضح لنا ،لماذا تضعف الإدارة في نتاج الخدمة العمومية، لصالح المواطن في القطاعات الحيوية : التعليم- الصحة- التشغيل – العدل. كما يتضح لنا كذلك، لماذا تنامي الموارد العمومية ، من جراء التحسن الحاصل في حكامة المالية العمومية منذ 2000، هذا التنامي لم ينتج استثمارا عموميا ناجعا،وذلك راجع لتوجهات السياسات القطاعية العمومية وتمركزها وتفتيتها واختلالاتها في التنفيذ داخل المجال الترابي للمواطنين ؛ فضلا على أن هذه السياسات العمومية القطاعية ، المصاغة على المستوى المركزي، تشكو من ضعف قدرة البنيات المؤسساتية الوسيطة ،داخل التراب الجهوي الإقليمي والمحلي، وباختصار ضعف للدولة الترابية ، مقارنة مع الدولة المركزية، كما أن هذه الاعتبارات نفسها ، تبرز لماذا أن الأزمة الاجتماعية ،قد تؤدي إلى أزمة للدولة ،إذا لم ترفع هذه التحديات للنظام السياسي ، عبر إصلاح حقيقي للدولة.

التحدي الأول : تفكيك نظام الريع وإنعاش اقتصاد السوق .

– إن نمط التنمية الاقتصادية والاجتماعية ،هو نتيجة لنظام الريع المغذى من السياسات العمومية القطاعية ، ومن بعض القوانين والممارسات المتجاوزة.

وحده الإنعاش الحقيقي لاقتصاد السوق ، يمكن من ضمان تكافؤ الفرص، والمنافسة والابتكار،  وكلها سمات لمحيط ثقة منتج لدينامية الاستثمار.

إلا أن هذا التفكيك لنظام الريع، وذلك الإنعاش لاقتصاد السوق، يفترضان قطيعة بين الدولة وفاعليها الاجتماعيين التقليديين (ب.بورديوه –P.Bourdhieu) مما سيقوي القاعدة المادية لمشروعية الدولة ،عبر نمط للتنمية أكثر إدماج اجتماعي ونظام سياسي، مبني على مشاركة واسعة للمواطنين  ،ومؤسسات قوية.

التحدي الثاني : التخفيف من ثقل حجم الدولة المركزية ،وتحسين نجاعة الدولة الترابية.

– إن التنظيم الترابي للدولة يشكو من ازدواجية (مؤسسات الدولة والمؤسسات المنتخبة تتدخل في تجاهل تام لبعضها البعض داخل المجال الترابي) يترتب عنها ،ضعف النجاعة للبرامج العمومية داخل الجهات ، وغموض المسؤولية السياسية للفاعلين. فالأزمة الاجتماعية في الحسيمة ،أظهرت جليا أزمة المسؤولية للدولة الترابية في المغرب : من هو المسؤول على الخصاص الاقتصادي والاجتماعي، وعلى الاختلالات الإدارية داخل المجال الترابي ؟ هل الحكومة ؟ هل الولاة والعمال ؟ أم المنتخبين ؟

يصعب على المواطن التحديد بدقة ،لهذه المسؤولية السياسية داخل تنظيم ترابي يتسم بتعدد المتدخلين ،وغياب رؤية موحدة للمجال الترابي، الشيء الذي يفسر افتقار البرامج العمومية للوضوح، والتنسيق، والتزامن والنجاعة. وفي إطار هذا التنظيم الترابي، يهيمن دور الحكومة في تدبير الموارد العمومية داخل الجهات (مايناهز %90 من هذه الموارد ،يدبر مباشرة ومركزيا من طرف الحكومة

والمؤسسات العمومية) ويعطي للمواطن إحساسا بأن التعبير عن مطالبه ،يظل بعيدا عن منطق اشتغال الإدارة العمومية الممركزة.

       وهكذا فإن غياب المساءلة للإدارات الجهوية والمحلية، يعطيها حرية مطلقة في تنفيذ البرامج العمومية داخل الجهات ، مبرزا من خلال ذلك ،غياب مشاركة المواطنين في مراقبة وتدبير الشأن العام.

       هذا التنظيم الترابي المزدوج ،هو المنبع الحقيقي لأزمة المسؤولية المؤسساتية داخل الجهات، إذ أن الكل مسؤول (الإدارات الجهوية والمحلية، المؤسسات العمومية، المنتخبون)، لكن لا مؤسسة بينهم ،قادرة على التنسيق والتوجيه ،للبرامج العمومية نحو نفس الأهداف للتنمية الترابية.

       فغياب الآمر بالصرف الوحيد ،نيابة عن الحكومة على المستوى الجهوي، وانعدام مسؤولية الإدارات الجهوية والمحلية أمام المواطنين والمنتخبين، ومحدوية صلاحيات ، وموارد الجماعات الترابية  ، هي السبب في تأخير وضعف نجاعة البرامج العمومية داخل الجهات.

       في جميع قوانين المالية المعتمدة داخل البرلمان، لا تتمكن الإدارات العمومية من صرف ما يناهز ثلث ميزانيتها السنوية ،رغم الحجم المتصاعد للخصاص الاقتصادي والاجتماعي.

       لهذه الاعتبارات فإن تبعات أحداث الحسيمة –وما ترتب عنها من قرارات، بات دمجها ملحا في مقاربة شمولية لإصلاح الدولة الترابية.

أ- الهدف الأول من هذا الإصلاح، هو إعادة النظر في العلاقة الترابية المتواجدة بين لا مركزية ولا تركيز للصلاحيات والإمكانيات. فالنموذج الترابي المعتمد للمغرب غير منسجم : إذ أن مشروع الاستقلال الذاتي المقترح لجهات الصحراء، يرتكز على التجربة (الكتلانية-CATALANE) بإسبانيا والتي تتسم بوحدة المسؤولية السياسية والإدارية ،التي تعطي إلى البرلمان الجهوي سلطة تعيين ومساءلة حكومة جهوية. إن الوحدة المؤسساتية لهذا النموذج ،تظهر لماذا المؤسسات الجهوية (برلمان وحكومة) هي المسؤولة أمام المواطنين ،وخاضعة مباشرة إلى مساءلتها. وخلافا لهذا النموذج ففي باقي مناطق المغرب، يصير المواطن موضوع ازدواجية مؤسساتية  مقتبسة من النموذج الفرنسي ،(الذي يوجد في نفق مسدود) ، تحد من نجاعة وشفافية البرامج العمومية.

ب- الهدف الثاني من هذا الإصلاح يهم لا تركيز الدولة ،الذي يجسد تحديا جوهريا لتحسين نجاعة السياسات العمومية داخل المجال الترابي. إن تفويض الأمر بالصرف على المستوى الجهوي لمؤسسة إدراية وحيدة، يضمن سرعة التنفيذ، وجودة التنسيق والتزامن، وبالتالي نجاعة البرامج العمومية داخل الجهات.ديموقراطية أكثر داخل المجال الترابي.

ج- الهدف الثالث من هذا الإصلاح ،يتعلق بضرورة تطوير اللامركزية ،عبر تعميم الاقتراع العام المباشر ،في انتخاب جميع الرؤساء والمستشارين للجماعات الترابية ،وتثمين البرامج والإمكانيات حسب المستوى الترابي، المحلي أو الإقليمي أو الجهوي. وفي هذا السياق، يمر هذا التثمين كذلك، عبر توزيع الموارد العمومية ،حسب المؤهلات الترابية للجهات (vocations territoriales) وليس بناء على عدد السكان فقط.

د- الهدف الرابع من هذا الإصلاح ،يكمن في ضمان علاقة القرب بين السياسات العمومية، والمواطنين المستهدفين عبر المناقشة، والمصادقة على كل البرامج العمومية ،داخل المجالس الجهوية والإقليمية. كما يمكن أخيرا  مراقبة التنفيذ لهذه البرامج، من طرف  الإدارات الجهوية ، باعتماد تقارير موسمية (semestriels) تقدم وتناقش داخل هذه المجالس المنتخبة.