في علاقة باعداد ووضع النموذج التنموي ،ولوضع الإجابات العملية على  الأسئلة الكبرى بحمولات إيجابية لإرساء القواعد  بمتانة وجودة لرفع  بناء مؤسساتي ومجتمعي في جميع المجالات،   لابد من الإستفادة من خبرات ومسارات أمم رائدة من آسيا وأوربا  كانت مثلنا  بعد المرحلة الإستعمارية وتمكنت من أن تصبح متقدمة ورائدة   ، بموازاة مع تثمين تجاربنا وتجميع خبراتنا أينما تواجدت وطنيا وعالميا لنخط وننسج  ونعبد مسارات التنمية الناجحة ..

وفي هذا السياق  سيتطلب الأمر  :

  (1)   جرأة في التفكير والتساؤل والبحث والتمحيص والقراءة النقدية الموضوعية   ، وشجاعة  في طرح خطوات العمل والقرارات ولو كانت صعبة ومعقدة ، ووضع وتنفيد مخطط عمل رائد  ينخرط فيه الجميع يمكن أن نطلق عليه ” نظام التويزة لبناء النموذج التنموي الوطني والجهوي  و المجالي …  ” ، بتجميع ورصد كل القدرات والطاقات والثروات ، وبتوظيف الموارد البشرية بالإشراك الفعلي  للشبيبة المغربية في بناء حاضرها و المستقبل  التنموي ، و لنستثمر إيجابا  في الزمن العام المشترك ، حتى ننجز في وقت قياسي نهضة بالطاقة اللازمة الضامنة لتسارع وثيرة النمو  والتقدم ، ولتفادي التعثر والتوقف  ، كي نتدارك  ركب التطور والتقدم  العالمي …

(2)    توفر تشخيص شامل وطني / جهوي/ إقليمي / جماعاتي /قطاعي .. يضبط بدقة أنواع وأصناف و أماكن الخلل والخصاص والهشاشة ، وترتيب المخاطر والمعيقات والأخطاء وآثارها وانعكاساتها وتداعياتها مرحليا ومستقبلا ، والوقوف على أسبابها المباشرة وغير المباشرة  على مستوى الأفراد والتجمعات السكانية الصغيرة كأنوية ، إلى المداشر والقرى والمراكز السكانية ، ثم المدن الصغرى والمتوسطة والكبرى ،، مع اعتماد مقاربات علمية في مناهج البحث والتمحيص  متعددة المرتكزات والغايات تراعي خصوصيات المجالات الترابية السكانية بالمناطق والجماعات  والأقاليم والجهات ،،

(3)   إحصاء شامل وتفصيلي  لكل الثروات المستغلة ، والتي لم تستغل بعد ، وغير المستثمر فيها ، وتأثيرها المباشر وغير المباشر على منطقة تواجدها سلبا وإيجابا في جميع أوجه التعاطي معها وجودا وعدما ، مع ضرورة الإجابة على أسئلة جوهرية يشكل البعض منها  محور تظلمات ساكنة المغرب العميق والبوادي الذين يشتكون من تضرر أوضاعهم وبيئتهم ونمط عيشهم  وممتلكاتهم وخصوصياتهم مع كل استثمار يحل في المجال المشترك لإقاماتهم ، والبعض الاخر له علاقة بكل تشريع سواء صدر في زمن الإستعمار أو بعده والذي يؤثر بشكل مباشر او غير مباشر  على استقرار الساكنة ومستوى العيش  ،،

إن صياغة النموذج التنموي يجب أن تثمن وتطور  طرق ووسائل عيش وتعايش ساكنة العوالم القروية وفق المنظومات المتوارثة المعتمدة التي جعلتهم يصمدون  ويتمسكون بمناطقهم النائية منذ قرون حيث قاموا ويقومون  بأدوار هامه منها توفير سبل العيش والتعاون فيما بينهم وبشراكات لتهيئة وتجهيز العديد من المناطق بالحد الأدنى من الحاجيات اللازمة للإستقرار النسبي ، ولابد هنا أن نذكر بالعمل الوطني والجهادي والمقاوم للإستعمار الفرنسي والإسباني في كل من الريف ومحيطه، وأيت باعمران ، وأيت عبد الله ، وأيت عطا …إلخ التي لم تحتل حتى أواسط الثلاثينات وتحول مجهاديها الى المقاومة السرية بالمدن والمراكز  الصغرى والكبرى …

 و هنا لابد أن ننبه  إلى ضرورة المراجعة الجوهرية للتشريعات التي تنظم مجلات الأرض بالعالم القروي لتكون في صالح الساكنة لضمان استقرارهم ،وحماية أملاكهم ، وليكونوا هم أنفسهم رعاة وحماة ومراقبين ومنظمين  لما  يطلق عليه “المجال الغابوي ” و” الأراضي السلالية ” ،، وفي هذا السياق نطرح تساؤلات تهم على سبيل المثال : (المنهجية المعتمدة رسميا لتحديد “المجال الغابوي” في علاقة بأملاك الساكنة الفردية والأسرية والمشتركة منذ قرون  )،و( ما يطلق عليه “أراضي الجموع” و التشريعات المعتمدة المتعلقة بالوصاية وذوي الحقوق التاريخيين ..) و (الأملاك المستغلة من طرف السكان منذ قرون والتي ترتبت عليها ملكيات فعلية والتي تتواجد بها مصالح قبائل وتجمعات سكانية قروية ..، ونقصد بها المحادية للشواطئ المغربية ما يطلق عليه  ”  الملك البحري ”  ..) وأن يكون كل  تشريع يوضع أو يعدل مراعيا لإستقرار الساكنة الأصلية ،ومن أجل تطوير مستواهم المعيشي  بما في ذلك إشراكهم في كل المشاريع والبرامج التنموية التي ستقام على أراضيهم التاريخية ،،،

 (4) إعداد دراسة دقيقة في علاقة بمغاربة العالم  ، والرأسمال والإستثمارات والثروات التي بنوها بجهد وتضحية واجتهاد وإبداع خارج تراب الوطن وهذا   يشكل قيمة وثروة مهمة في بلدان الإستقبال التي استقر بها أكثر من أربعة ملايين مغربي وغربية ، منهم عمال وتقنيون بحرفية وتخصص متميز ، ورجال أعمال وتجار ، ومقاولات وشركات تحقق نجاحات ، ومنهم  كفاءات عالية بخبرات وتخصصات مختلفة ، ومنهم أيضا من يساهم في دفة الحكم ترابيا وبالمؤسسات التشريعية وهياكل الحكومات وقيادات الأحزاب السياسية ..

(5)  ويتطلب تشخيصا للتراث  اللامادي الذي يعتبر  ثروة هائلة يتم إهدارها والإضرار بقيمتها وتضييعها لقلة وعدم الإهتمام بالتثمين والإستثمار فيها والتي تتوفر في كل مناطق المغرب بما في ذلك المناطق التي تعاني من التهميش والخصاص والفقر  ….إلخ

و نطرح تساؤلات في علاقة بالتنمية والثروة والعدالة  الإقتصادية والإجتماعية والإنسانية والمجالية  التي تحقق للمواطنين والمواطنات العيش الكريم بعيدا  عن تصورات كل المرجعيات ” الفكرية ” التي تسعى لتكريس وترسيم الفقر وجعله من القضاء والقدر ، أو التي  تروج لنهج الرأسمالية  المتوحشة   و العنصرية ، :  

– هل للدين  انتماء سياسي وحزبي وحتى مذهبي  ؟ وهل يصح إخضاع الدين وأمور الناس   لنظر واجتهاد أي شخص ، أو لرأي وفقه مذهب ؟ وهل من المنطق والحق احتكار و الوصاية على الدين  وعزله عن التطور ومتطلبات الشعوب في جميع المجالات والتي تتجدد باستمرار  إلى أن تقوم الساعة  ؟ وفي علاقة بالسياسة والحكم ما جدوى التوافقات لإرضاء الآراء التي تخالف في تفكيرها روح الدين نفسه ، وتتعارض مع حقوق الإنسان وحتى مع روح وفلسفة الدستور المغربي ، والتي تحجر على التنمية    وتعطل بين مرحلة وأخرى وملف وقضية  كل آليات التحديث والملاءمة المطلوب توفرها ، والأخطر أنها  تسعى لمحاربة كل المتنورين والحداثيين والعقلانيين بالدولة والمجتمع المدني  لبسط هيمنتها على الفكر والوعي والإرادة الشعبية  لإخضاع الناس لنزواتهم السياسوية المغلفة بآراء متأسلمة  لضمان استقرار تحكمهم واستغلالهم للدين في الحياة العامة والخاصة للناس في مزاحمة متعمدة للمؤسسة المعنية دستوريا  ؟

-وهل الريع / الإمتياز  غير المنضبط لقواعد العدالة الإقتصادية والإجتماعية  والذي هو وجه من أوجه ” الإحسان” السلبي الذي يمنح الثروة والصدقة في نفس المنظومة السياسية بما يضمن تقوية طبقة الأثرياء ، ويرسم طبقة الفقراء والكادحين ويوسعها  ويضعف قرارهم وإرادتهم ، ويقصيهم من الولوج في عوالم وآليات التنمية والتقدم …  ؟؟

-وهل الثروة الوطنية والمشتركة والخاصة ملزمة ومعنية بالتنمية العامة دون أنانية للتملك  أو تعصب طبقي مصلحي يمس بالعدالة الإجتماعية وذلك لتحقيق التداول والتشارك  للثروة وآثارها الإيجابية   ديموقراطيا  للحد من الفوارق الطبقية ولجعل المعيشة والعيش الكريم لجميع المواطنات والمواطنين أمرا ملزما وواجبا في كل السياسات ..-وهل التنمية بنموذج تقدمي مساير لتطور الناجح منها  عالميا مرتبطة بتحقيق عدالة شاملة  بمجالات الوطن الجهوية وفق سياسة وفلسفة لامركزية  تصبح للجهة  حكومة وبرلمانا ، وتمليكها من الثروة والإمكانيات المالية الضرورية ، والأطر والكفاءات المتخصصة المؤهلة ، لوضع وتنفيد مخططاتها التنموية هي والجماعات الترابية الأخرى بما يجعل الجهة تمتلك قراراتها فعليا وتنفذها بنجاعة وتدبير جيد للزمن والمال والجهد ، ومتحركة تنمويا بأقاليمها  وجماعاتها ومجالاتها المختلفة ..؟

-وهل يمكن تصور نموذج تنموي  دون أن يكون  الشعب متعلما ويملك رصيدا ثقافيا  ومعرفيا  يرقى به إلى مستوى  يؤهله للعطاء أكثر ،،،  ؟

إن القرار التنموي هو نتاج للقرار السياسي الإنساني العادل والمنصف  الذي يقوم عليه أي  نظام حاكم ، إنه   للمواطنين والمواطنات  الذين هم عماد وجود الأمة والوطن ، وسيصاب أي  نموذج تنموي بالفشل إن يكن في صالح العيش الكريم للجميع ،،

إن صناعة المستقبل تتطلب منا جميعا مؤسسات حكومة وشعبا أن نقرر ما الذي نريده ونعمل من أجله بوعي وديموقراطية وعدالة ترجح  مصلحة كفة الغالبية العظمى من الشعب وضمان نمو الثروات العامة والخاصة بما لايسلب الناس مكتسباتهم وحقهم المشروع في العيش الكريم والرفاهية ،،

إن اعتماد سياسات الإنتظار والتسويف حتى يحصل الحدث أو الأزمة  لنتسارع للبحث عن حل للمشاكل التي كان منتظرا  وقوعها  بناء على نتائج سياسات معتمدة هو من أسباب الفشل وتدهور الأوضاع فنكون بذلك قد ابتعدنا عن ركب من يتقدمون علينا بفرق مثير لإنتباه الأمي والعارف ، ولتكون تكلفة المعالجة وإيجاد الحل مرهقة وصعبة النجاح كما يجب …

تارودانت : مارس 2020.