في كانون الثاني (يناير) 2017 انتهز الرئيس الصيني شي جين بينغ انعقاد منتدى دافوس كي يعلن خطوات إضافية طموحة لدخول الصين في عباب العولمة الكونية، عبر المشروع الكوني العملاق «حزام واحد، طريق واحد»، أو «مبادرة الحزام والطريق» في التسمية الأخرى. كان عمر المشروع أربع سنوات، لكنه في تلك السنة اكتسب صفة «أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية»، كما يقول توصيفه في الموسوعات التبسيطية؛ وكان مسعاه المركزي هو إحياء طريق الحرير الشهير الذي شهدته عصور التحديث الأولى في القرن التاسع عشر، ثمّ التركيز على شقّ الطرق ومدّ السكك الحديدية وتشييد الجسور وإنشاء مصانع الحديد والصلب ومنشآت الطاقة. كلّ هذا على محاور تجارية ونقدية (تحتسب اليوان الصيني في المرتبة الثالثة بعد الدولار واليورو)، وجيو سياسية (تشمل أكثر من 68 دولة، و65٪ من سكان العالم).
لم تكن تلك أضغاث أحلام، بادئ ذي بدء، ولم يكن الرئيس الصيني يهرف بما لا يعرف لأنّ ما في حوزته من أرقام، يعرفها العالم بأسره فلا أسرار فيها بل العكس هو الصحيح لجهة معايشة البشرية لآثارها ومفاعيلها وعواقبها: الصين، خاصة بعد أن مضى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعيداً في انتهاج الاقتصاد القوموي والانعزالي، باتت مقام العولمة الأوّل والأكبر، وهي اليوم الصانع والصيرفي والمصدِّر والتاجر والمستثمر، العابر للقارات والحواجز والعوائق والأسوار (بما في ذلك سورها العظيم وريث تواريخها وحضاراتها). إنها كذلك، وهذا ما حرص بينغ على تنبيه آخر الغافلين إليه، اقتصاد هائل يجمع نقائض النظام الرأسمالي واقتصاد السوق، إلى اشتركية الدولة والسوق المركزية؛ وبين نقيض ونقيض ثمة منهجيات اقتصادية عليا، تعتمدها قطاعات الدولة والقطاعات الخاصة كلٌّ حسب حاجته، تستأنس بتشخيصات كارل ماركس وماو تسي تونغ لمعضلات الرأسمالية، وكذلك الحلول العلاجية التي اقترحها أمثال فردريش هايك وجون ماينر كينز على الصفّ المقابل.
ذلك لم ينقذ البلد من أوجاع الرأسمالية، أو بالأحرى التيارات النيو ليبرالية، التي امتلكت سريعاً مرونة عالية في الجمع بين النقائض لصالح مجموعات الضغط الممثلة لقطاعات التصدير؛ إلى درجة أنها استأثرت بحصّة الأسد في مبلغ الـ585 مليار دولار الذي أطلقته الدولة على سبيل إنعاش الاقتصاد بعد أزمة 2008 المالية التي هزت العالم. ليس هذا فحسب، بل إنّ تمييزاً جغرافياً في توزيع الحصص الإنقاذية جعل الحكومات المحلية والشركات الخاصة في شرق وجنوب شرق البلاد مركز ثقل لانقسام على صعيد اليد العاملة والصناعة والتصدير.
هذا رأي باحث اقتصادي بارز مثل والدين بيلو، فيليبيني، ناقد مرّ للرأسمالية المعاصرة، يساري التوجه وصاحب مؤلف شهير ذي نفوذ كبير عنوانه «قائم الرأسمالية الأخير: اللاعولمة في عصر التقشف»، ولا يُعرف عنه كره مسبق للتجربة الصينية على أسس عقائدية: «في سنة 2019، ورغم الحرب التجارية المتفاقمة بين الصين والولايات المتحدة، لاح أنّ العولمة لم تشفَ من الأزمة المالية التي وقعت قبل عشر سنوات فقط، بل إنّ الصين أصبحت ورشة العالم بلا منازع، بالنظر إلى تواصلها الهائل مع بقية العالم»، يكتب بيلو.

و«التواصل» كلمة مفتاحية في مناقشة بيلو لهيمنة الاقتصاد الصيني عالمياً، وكذلك مصدر حاسم لمعضلاته؛ فضلاً، بالطبع، عن كونه السبب المباشر لهذا الانتشار الخرافي غير المسبوق لفيروس كورونا المستجد. الأرقام، اللافتة حقاً، تقول إنّ العام 2018 شهد قيام الصين، والصينيين استطراداً، بـ149 رحلة خارج بلدهم، بما يتجاوز أيّ رقم آخر، حتى في الولايات المتحدة؛ وأنّ السياحة الصينية، خارج البلد دائماً، أنفقت 130 مليار دولار خلال العام ذاته. وليس مشروع «حزام واحد، طريق واحد» سوى خطوة كبرى على درب «التواصلية» الصينية، التي تطيّرت منها مراكز أبحاث معنية بمشكلات الجنوب، وأطلقت عليها الكاتبة الهندية أرونداتي روي تسمية «عَمْلَقة المرض». وكان الرئيس الصيني، في خطاب دافوس 2017، قد تفاخر بأنّ الصين «تعلمت السباحة في محيط الاقتصاد الكوني»، وحثّ قادة الدول ومدراء الشركات الكبرى على «التأقلم مع العولمة، وإخماد نتائجها السلبية، وإيصال منافعها إلى جميع البلدان والأمم».
ليس مستغرباً، والحال هذه، أن تتصاعد أصواتٌ محافظة ويمينية متطرفة، وتصاحبها تنظيرات ليبرالية هنا وهناك، تكيل الاتهامات إلى الصين في هذا الانتقال المذهل لفيروس كورونا المستجد؛ حيث تختلط كلمة حقّ يُراد منها الباطل، ويجري إحياء الآراء التي شيطنت الصين واقتصادها لأسباب شتى، معظمها سيء الطوية. ولعلّ بيتر نافارو، صاحب كتاب «الموت بيد الصين: مواجهة الصين»، الذي يحدث أيضاً أنه أحد أبرز المقرّبين من ترامب في ميادين الاقتصاد؛ هو الملهم الأوّل خلف التعبيرات العنصرية التي لجأ إليها الرئيس الأمريكي في الحديث عن «الفيروس الصيني»، وتصنيف الصين في مرتبة «المعتدي الاقتصادي»، بحيث علّق ترامب ميادين فشل السياسات الليبرالية الأمريكية على «مؤامرة صينية». كذلك فإنّ ركود الاقتصاد العالمي الراهن، في أعقاب تفشي فيروس كورونا، ليس ناجماً عن الحجر على الأشغال والأعمال والتصنيع والأنشطة المختلفة، فحسب؛ بل، أيضاً، لأنّ الكثير من الصناعات في الغرب، والإلكترونية منها تحديداً (أبل وفوكسكون خصوصاً) هاجرت إلى الصين عبر تعاقدات ثانوية من جهة أولى، كما اعتمدت على الموادّ وقطع الغيار والأجهزة الصينية من جهة ثانية.
لكن الصين، غنيّ عن القول، ليست مقرّ العولمة الأوحد كي تكون المسؤولة الأولى عن نزعة التواصل التي نقلت الفيروس إلى أربع رياح الأرض؛ وتسببت، استطراداً، في تفكيك التواصل بدل تعزيزه، وفي إشاعة الموت بدل توطيد مجتمع الرفاه والرخاء والأمان، الذي تنبأ فرنسيس فوكوياما بأنه مجتمعاته الغربية سجّلت نهاية التاريخ! ففي مقالة صاعقة، نشرتها مؤخراً مجلة «ذا نيشن» الأمريكية، ذكّرت سونيا شاه بأنّ الفيروسات (التي قفزت من أجساد ضيوفها الحيوانات، حيث لم تكن مؤذية؛ إلى أجساد الآدميين، حيث ألحقت الأذى القاتل)؛ باتت شائعة بصفة متزايدة لأنّ بني البشر يجتاحون الحياة البرية عن طريق قطع الأشجار وتدمير الغابات. 60٪ من الجينات الميكروبية المُمرضة التي ظهرت خلال العقود القليلة الأخيرة مصدرها الحيوانات، والثلث منها مصدره الحياة البرّية.
وتشير «رابطة العالم البرّي» العالمية إلى أنّ مشاريع تدمير الحياة الطبيعية سوف تؤثر على 1700 مكمن للتنوّع البيئي، وعلى حوالي 265 من الأنواع المهددة بالانقراض. في المقابل، تطوّر 800 نوع هجومي اجتياحي، بينها 98 من البرمائيات، و177 من الزواحف، بسبب الانقلابات القسرية في أعراف الحياة البيئية الطبيعية من جهة أولى؛ وكذلك، والحديث جادّ وعلمي هنا، لأنّ الطبيعة تميل إلى «الثأر» من منتهكي قوانينها وتوازناتها!
وكيف، على ضوء رأسمال الرخاء واقتصاد السوق والليبرالية الجديدة أو المتوحشة، يمكن للمرء أن يقرأ وفاة العشرات من المسنين في مراكز الإيواء، على أسرّتهم ومن دون حدّ أدنى من الرعاية أو العلاج، في دول مثل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا؟ الأيسر، بالطبع، ذهاب البعض إلى اتهام الحيوان بإيذاء الإنسان، ابتداءً من جنون البقر والخنازير والدجاج، وليس انتهاء بالخفافيش والأفاعي وآكلي النمل؛ وثمة كثر يواصلون استيهام مسؤولية كهذه وردّ عقابيلها إلى الحيوان، أو رفعها إلى السماء على سبيل التضرّع والدعاء. الأصعب، بالطبع، ولكن الأكثر صواباً ومنطقاً وانتهاجاً للعلم، أن يتوغل المرء عميقاً في أصول البلوى وجذورها التي تخصّ التعاقد التدميري الوحشي الرهيب بين العولمة والطبيعة، وبين ثقافة تتوخى اتصال الربح لكي تنتهي إلى تكريس عولمة الموت.

* صبحي حديدي كاتب وباحث سوري / باريس

المقال عن القدس العربي