تعتبر المساعدة الإنسانية التي تقدم في ظل هذه الظروف الصعبة، مساعدة ضرورية لمعالجة الآثار الإجتماعية السلبية لحالة الطوارئ الصحية، والتي لا يختلف حولها إثنان، لكن يجب أن تترجم حقيقة قيمة التضامن والتعاون والتآزر بين أفراد المجتمع، ويكون الباعث فيها إنسانيا وأخلاقيا، بهدف التخفيف من معاناة ومأساة العديد من الأسر ، والحفاظ على كرامتها الإنسانية، سواء كانت هذه المساعدة عينية أو نقدية، وسواء كانت من طرف الدولة أو الجماعات الترابية أو الخواص ، إلا أن تقديمها في ظروف آمنة وتفادي انتشار فيروس كورنا ـ كوفيد 19، تحتاج لزوما أن تمر عبر السلطات الإقليمية حتى تتمكن من توزيعها بشفافية على الفئة المستهدفة وتقييم الجدوى والفعالية بعد انتهاء العملية، في سياق توحيد طريقة التوزيع في مختلف العمالات والأقاليم.


وفي هذا المنوال، أورد الموقع الإلكتروني الوطني الأول، أن رئيس جماعة قال : “لا يعقل أن يقوم رؤساء جماعات أو برلمانيون بتوزيع القفة على الناس في هذه الظرفية التي تمر منها بلادنا”، معبرا عن انزعاجه من استغلال بعض المنتخبين لمسألة توزيع المساعدات على الأسر، مضيفا أن السلطات المحلية والإقليمية هي الجهة التي يجب أن تتكلف بتوزيع المساعدات المرتبطة بتبعات ” فيروس كورونا” لتفادي وقوع مشاكل أو استغلال سياسي.


وهذا التصريح يعود لرئيس جماعة بصفته رئيسا للشرطة الإدارية حسب مدلول المادة 100 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، ويتماشى تماما مع التوجه الرسمي للدولة ، لما دعا وزير الداخلية في اجتماع لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة يوم الإثنين 23 مارس 2020 المنعقد من أجل دراسة مشروع مرسوم بقانون رقم 2.20.292 يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، “أصحاب النوايا الحسنة” إلى التنسيق مع الولاة والعمال، مؤكداً أنه “لا يمكن لأي أحد أن يقوم بتوزيعها على المواطنين بالنظر إلى المخاطر المتعلقة بحالة الطوارئ الصحية”، وذلك بالطبع له ارتباط مباشر مع روح القانون، خاصة المادة الثالثة من المرسوم رقم 2.20.293 يتعلق بإعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا ـ كوفيد 19، الذي جعل من ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم، الكل في الكل، إذ لهم أن يتخذوا بموجب الصلاحيات المخولة لهم طبقا للنصوص التشريعية والتنظيمية، جميع التدابير التنفيذية التي يستلزمها حفظ النظام العام الصحي في ظل حالة الطوارئ المعلنة. وكذا التوجيهات الرسمية التي أعطيت لهم والرامية إلى إيلاء الإهتمام بالأسر المعوزة، والمتضررة من جراء التدابير الوقائية المتخذة من أجل الحد من تفشي فيروس كورنا ـ كوفيد 19، في احترام تام لقواعد الحكامة والشفافية.
هذه الأمور واضحة، ولا غبار عليها، وهو التوجه الرسمي للدولة، الذي يشاطره الجميع، وتحديدا من وصفهم وزير الداخلية بـ”أصحاب النوايا الحسنة”، لكن من هم عكس ذلك، فأهدافهم واضحة تماما، حيث الإستغلال يجري في عروقهم، بدءا من مصادر الأموال إلى توزيعها على شكل مساعدات، في ظروف وأوضاع تخالف كليا الأوامر والقرارات الصادرة عن السلطات العمومية في حالة الطوارئ الصحية، والتي تؤثر سلبا على سلامة وأمن الجميع، إضافة إلى العشوائية وترويج الإشاعات المغرضة لتأجيج الوضع، وإذكاء الصراع بين سكان نفس الحي/الدوار، كلها تندرج تحت عنوان الإستغلال السياسوي البشع لمآسي الفقراء في زمن كورونا، وهو ما حذر منه القائم على رأس قطاع الداخلية.
والكل يعرف، أن بلادنا، نظمت التماس الإحسان العمومي بموجب القانون رقم 004.71 بتاريخ 12 أكتوبر 1971، إلا أن عملية التوزيع عرفت فراغا قانونيا، إلا أنه وبتوجيهات ملكية، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية العاشرة يوم الجمعة 12 أكتوبر 2018، حيث دعا جلالة الملك إلى تبسيط المساطر لتشجيع مختلف أشكال التبرع والتطوع والأعمال الخيرية، ودعم المبادرات الإجتماعية، والمقاولات المواطنة في البلاد، على اعتبار أن المغرب كان وسيظل، أرض التضامن والتماسك الإجتماعي، داخل الأسرة الواحدة، والحي الواحد، بل وفي المجتمع بصفة عامة، مضيفا أن روابط الوحدة والتماسك بين المغاربة لا تقتصر فقط على المظاهر، وإنما تنبع من قيم الأخوة والوئام، المتجذرة في القلوب، والتضامن في الأحزان والمسرات، وأكد على حرص تعزيز هذه الروابط، التي تجمع المغاربة على الدوام، سواء من خلال اعتماد سياسات اجتماعية ناجعة، أو عبر تسهيل وتشجيع المساهمات التضامنية على مختلف المستويات. بعد وقوع الأحداث الأليمة بمنطقة سيدي بولعلام، قرب مدينة الصويرة يوم الأحد 19 نونبر 2017 لما كانت جمعية محلية لحفظ القرآن الكريم والأعمال الإجتماعية بصدد توزيع بعض المساعدات الغذائية، والتي أدت آنذاك إلى وفاة 15 شخصا، أغلبهم نساء، بسبب التدافع أثناء عملية التوزيع. فسارعت الحكومة إلى وضع مشروع قانون رقم 18.18 بتنظيم عمليات جمع التبرعات من العموم وتوزيع المساعدات لأغراض خيرية، وصادقت عليه خلال المجلس الحكومي المنعقد بتاريخ 01 نونبر 2018، والذي أحيل على لجنة الداخلية والجماعات الترابية والبنيات الأساسية بمجلس المستشارين بتاريخ 05 فبراير 2019، الهدف منه، وضع حد للفراغ التشريعي في هذا المجال، والتنصيص على إخضاع عملية توزيع المساعدات العينية لأغراض خيرية لتصريح مسبق لدى عامل العمالة أو الإقليم، وله أن يعترض عنها أو يؤجلها أو يوقفها إذا كان لها مساس بالنظام العام أو تتزامن مع الإنتخابات أو تخل بأحد القواعد والشروط المتعلقة بالتوزيع، وأن اللجنة الإستشارية بالعمالة هي التي تقترح نوعية الإحتياجات والمناطق الهشة وتعطي الرأي بشأن عملية التوزيع، ومما يقدمه للسلطة القيمة المالية للمساعدة الإنسانية ومصدرها، مع خضوعه لكل إجراء من إجراءات المراقبة. ويبقى العامل هو المسؤول عن اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحفظ النظام العام أثناء عملية توزيع المساعدات على العموم، وتؤهل الإدارة لجمع التبرعات من العموم وتوزيعها.


لكن في أفق أن يتحول هذا المشروع إلى قانون، ويخرج لحيز التنفيذ، على الجميع أن يحترم الضوابط المعمول بها، خاصة التوجيهات الصادرة عن وزارة الداخلية، باعتبارها أوامر صادرة عن سلطة عمومية خلال حالة الطوارئ الصحية، وأن لا يستغل هذه الظروف الاستثنائية، وإن كان من اللازم أن يتعامل معها المرء بنوع من المرونة، بشأن تقديم المساعدة والعون للساكنة في إطار البر والإحسان، ولمن يستحقها اجتماعيا وليس سياسيا، بعيدا عن استغلال ضعفها وعوزها في ظل هذه الظروف الحرجة، والتي من شأنها أن تمس بالسلم الإجتماعي والأمن والطمأنينة، سيما أمام صمت السلطات في بعض الأقاليم عن هذه الأفعال السياسوية الضيقة.


نعم للمساعدة الإنسانية في الوقت الراهن، لكن يبقى الحل الأنسب، هو توفير منظومة مجتمعية متماسكة أساسها المناصفة والمساواة والكرامة الإنسانية من أجل ضمان حق الجميع في تنمية المجتمع وأمنه واستقراره، من خلال الإشراك الفعلي لمختلف الفئات الإجتماعية، في الحياة السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية، والتأسيس لثقافة مجتمعية حداثية متعددة لا مجال فيها للإقصاء أو التهميش أو التعسف، عمادها المساواة بين جميع أفراد المجتمع في الشغل وتوزيع الثروات، والإمتيازات، والرعاية الصحية، وكل أوجه الحماية الإجتماعية، التي تتم ترجمتها عن طريق السياسات العمومية الهادفة، وهو ما أكد عليه جلالة الملك في الخطاب المشار إليها سلفا لما تحدث على الحرص على الروابط التي تجمع المغاربة من خلال اعتماد سياسات اجتماعية ناجعة.


وعلى هذا الأساس، أحدث بتعليمات ملكية، حساب مرصد لأمور خصوصية يحمل إسم “الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا ـ كوفيد 19″، خاصة المحور المتعلق في جانب المدين بالنفقات المتعلقة بالحفاظ على مناصب الشغل والتخفيف من التداعيات الإجتماعية لجائحة فيروس كورونا ـ كوفيد 19.
فالإنسان لا يريد قفة أو استغلال ضعفه في لحظة معينة، بقدر ما يريد حقه كاملا في المنظومة، من شغل قار وصحة وتعليم وسكن لائق…، لأن العمل الخيري ينتهي بانتهاء ظروف عابرة، وإرساء السياسات العمومية يساهم في خلق تنمية مستدامة ومندمجة.
وهذا لن يتم إلا بوقف جشع المضاربين والمحتكرين والمتهافتين وراء الربح غير المشروع، من قبيل عدم احترام الحد الأدنى للأجر والحرمان من التعويض على الساعات الإضافية وأيام العطل، والتملص من التصريح بالأجراء لدى الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي مستغلين في ذلك الوضعية الهشة للعديد من الأسر، واليوم، وبدوافع انتخابوية محضة، يوزعون عليهم قسطا من تلك الأرباح المتراكمة من عرق الأجراء والتهرب الضريبي وغيرها من التصرفات غير المسؤولة، تحت مظلة المساعدات الإنسانية، ويزكيهم في ذلك مجموع من الوسطاء والمتاجرين في مآسي الفقراء.


إن إرساء منظومة اقتصادية تدعم الآليات الاجتماعية الرامية إلى تعزيز القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين وإنصاف الفئات الفقيرة والمتوسطة، كفيلة بالحد ممن تعيشه البلاد في الوقت الراهن من معاناة تكاد لا تنتهي بسبب الإجراءات الوقائية المتخذة للحد من تفشي فيروس كورونا ـ كوفيد 19، والتي ساهمت في الكشف عن المسكوت عنه، حيث كان بالإمكان أن لا نتحدث عنها لو اعتمدت بلادنا منظومة الحماية الاجتماعية في شموليتها قبل هذا اليوم.
فلنصحح الأخطاء ولنتجه نحو المستقبل بحماية اجتماعية حقيقية، معتمدين على النهج الذي أسسه جلالة الملك لما جعل المواطن أولى الأولويات في ظل هذه الظروف الحرجة.

ذ.سعيد بعزيز / كرسيف

الإثنين 06 أبريل 2020.