لقد قطع المغرب أكثر من أربع عقود في مسار ترسيخه للامركزية الترابية، وشكل التعاطي مؤسساتيا مع  فيروس كورونا المستجد، المصحوب بالخوف المجتمعي من انتشار الإصابة بوباء كوفيد 19، حدثا بارزا يوحي بحاجتنا إلى استنباط الدروس والعبر الضرورية. لقد حان الوقت لتقييم حصيلة مجموعة من البرامج السياسية التي تم التركيز عليها كفضاءات للتكوين والتأهيل والتدريب في مجال تفعيل قيم  مبدأ المشاركة، مشاركة بآليات لا يمكن أن تهدف الدولة المغربية من ورائها إلا اكتشاف وتحديد حجم الطاقات المبادرة على المستويين الفردي والجماعي في مختلف المستويات الترابية بالمملكة.

على أي، كيف ما كان مستوى الحصيلة في هذا المجال، اتضح اليوم أن الأهم بالنسبة للوطن هو إقرار حاجة بلادنا إلى مجتمع واع وعارف، للاستعداد للطوارئ والمستجدات المستقبلية، ولرفع التحديات لربح رهان الاستفادة من التطورات المختلفة، ومواجهة الانتكاسات المفاجئة المحتملة. لقد أصبح واضحا أن عمق هذا الاستعداد يجب أن يتمحور موضوعيا حول الآليات السياسية والتقنية والثقافية والتدبيرية التي ستمكن مجتمعنا من تقوية سلطة مبادرات وقرارات ساكنته في وضع وتنفيذ وتقييم الأنشطة والبرامج المرتبطة بحماية حاضره وخدمة مستقبله. إنه رهان المرور إلى مرحلة جديدة أرقى قيمة، بفلسفتها العقلانية ومنظورها الواسع مقارنة مع المراحل السابقة، مرحلة يجب أن تعتبر الحاجة إلى تفعيل المقاربة “التشاركية بالقرار” من أولوية الأولويات. إن حاجة بلادنا إلى مجتمع متضامن ومؤهل ومسلح بالحكمة والروح الوطنية في تعاطيه مع المستجدات الوطنية والكونية، لا يمكن أن يكون إلا مرادفا للحاجة إلى حرق المراحل، بالنضج والسرعة المطلوبين، في أفق تجاوز، على المدى القريب، كل أنماط المشاركات المعروفة. وعند الحديث عن هذه الأنماط نعني بذلك المشاركة السلبية ذات الوقع الضعيف التي تعتبر الساكنة مجرد مستفيدة ومستهلكة (كتوزيع المساعدات الغذائية)، والمشاركة المادية التي تعتبر الساكنة مجرد وسيلة أو أداة للمساهمة في تحقيق نشاط تقرره وتحدد جدولته الدولة، والمشاركة الاستشارية التي تستند على فتح المجال للمواطنين لإبداء الرأي حول المشاكل التي يتخبطون فيها.

في نفس الوقت، لقد برز بالواضح أن طريقة التفاعل مع توجيهات الدولة لاعتماد التخطيط الإستراتيجي في بلورة وتفعيل وتقييم المشاريع التنموية لا زال بعيدا نسبيا عن المستوى المطلوب والمرغوب شعبيا. لقد برهنت التجارب وجود نوع من الانفصال بين التخطيطين الاستراتيجي والإجرائي. إن قيمة جهود القراءات المتعددة للمستقبل على مستوى الخطاب لا يقابلها الجهد المطلوب للتحضير لها. إن الدقة في بلورة المشاريع، خاصة الإصلاحية منها، لا يمكن أن ترقى إلى مستوى الرضا الشعبي المدعم ما لم تركز على تحديد الرؤى والأهداف الطموحة، وترجمتها إلى اختيارات ممكنة وقابلة للتحقق، اختيارات يحتل فيها هاجس تصحيح أخطاء الماضي وخلق الموانع الناجعة لتكرارها مكانة الصدارة في السياسات العمومية.

فاعتبارا لما أكدته مجموعة من التقارير الرسمية وغير الرسمية من تراكمات للأخطاء المعرقلة للإصلاح في إطار سياسات الإصلاح، أصبح واضحا أن نجاعة مشاريع الحاضر والمستقبل ستبقى إلى حد بعيد مرتبطة بمستوى التركيز على معرفة دوافع وأسباب ارتكابها في المشاريع السابقة، والعمل على تجاوزها بشكل نهائي، وتوفير شروط رفع نجاعة ومردودية المشاريع المستقبلية إلى أعلى المستويات. إن كل التقييمات تؤيد اليوم مطلب تجاوز آفة تضييع المال العمومي، وهدر الزمن التنموي، ومواجهة نوازع الاغتناء أو الاغتنام غير المشروع. إن الرهان في بلادنا لا يقتصر فقط على قابلية كل فرد منا أن يتهيأ للمستقبل، بل المطلوب هو إيجاد الأسس المتينة لتهييء المستقبل الحاضن للجميع على قدم المساواة والإنصاف، واعتباره  ليس كواقع محتوم، بل كوضع ممكن وقابل للتطوير والتشكل بمنطق وطني مغاير يضفي طابع الإتقان على بلورة وتنفيذ وتقييم كل المشاريع التنموية، ويضمن تحقيق أسمى درجات المردودية الممكنة.

إن التفكير الجدي في المستقبل لا يمكن أن يترجم إلى نتائج نافعة ما لم يعتمد على استكشاف البنيات والوسائل الضامنة للتنسيق والمردودية في العمل التنموي. إن التعبير عن الإرادة السياسية لقيادة المشاريع الإصلاحية والتنموية بالصرامة المطلوبة يجب أن يوازيه، على المستوى الإجرائي، تسريع تحقيق تراكمات كافية لبناء نسق مؤسساتي متطور، يتمتع بقوة فعل تقنية وعلمية وقانونية لا تتيح أي هامش للترقي الإداري والمجتمعي خارج الكفاءة والمردودية والنجاعة في الفعل والتفكير والاستباق. إن قوة فعل مراكز المسؤولية واللجن القيادية للمشاريع التنموية ستبقى غير مرضية شعبيا ما لم يتم الاحتكام في انتقائها إلى الشفافية ونقاوة اليد والكفاءة والمسؤولية، وإلى مدى التصاقها باستمرار بهاجس ترسيخ نوازع التنمية الذاتية وثقافة العمل التشاركي عند الأفراد والجماعات. إن الثقة في السياسة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال تقوية القدرة التدبيرية في الإدارة العمومية والخاصة بناء على الأسس السالفة الذكر، وملامستها على المستوى الشعبي، بمستويات تكون كافية لتسريع التراكمات في مجالات الديمقراطية واللامركزية والحكامة الجيدة، مستويات تقف حاجزا منيعا أمام محاولات طمس إمكانيات الأشخاص وطموحاتهم المشروعة.

خلاصة

في اعتقادي، في سياق ما يعيشه  مغرب اليوم، بشعبه ومؤسساته، وهو في مواجهة جائحة وباء كورونا المستجد، لا يمكن للمتبع إلا أن يستشف منه حاجة بلادنا إلى تجاوز منطق التدرج البطيء في الإصلاح الجاري به العمل. لقد برزت الحاجة إلى تطعيم التعاقد السياسي الحالي بمقومات جديدة تجعل المواطنين يلمسون بالقدر الكافي ارتباط القوة المؤسساتية لبلادهم بمستوى مردودية ووقع المشاريع التنموية، وبنجاعة منطق تدبير إمكانياتها البشرية والتقنية والمالية والتنظيمية والتواصلية، وبمدى ارتسامها بالواقعية البناءة، والفاعلية القصوى في إسهامها في تقييم قدراتها المختلفة والمتنوعة الحقيقية.