تأثرت معظم القطاعات الإنتاجية بتداعيات جائحة فيروس كورونا ـ كوفيد 19، مما أدى إلى الإغلاق الكلي أو الجزئي لمجموعة من الوحدات والأوراش، وتوقف الأجراء عن العمل، مما دفع بالدولة إلى اتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات ذات الحمولة الاجتماعية لمعالجة انعكاساتها على الأجير والمشغل، حيث أحدثت في هذا السياق لجنة اليقظة الاقتصادية من أجل تتبع وتقييم وضعية الاقتصاد الوطني ودراسة التدابير التي يتعين اتخاذها بهدف التخفيف من حدة هذه الأزمة.
فتوقف الأجير عن العمل، سواء في القطاع المهيكل أو غير المهيكل، يجعلنا أمام إشكالية قانونية، تفرض نفسها بقوة إلى جانب الإشكالية الاجتماعية المترتبة عن توقف الأجر، والتي حاولت لجنة اليقظة الاقتصادية التخفيف من حدتها عبر تخصيص الدعم من الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا “كوفيد ـ19”.
ومدونة الشغل نظمت أسباب التوقف المؤقت لعقد الشغل، وحددها في المادة 32، والتي غالبا ما ترتبط بالأجير، بسبب مرض، أو إصابة، يثبتهما طبيب إثباتا قانونيا، وفترة ما قبل وضع الحامل حملها، وما بعده، وفترة العجز المؤقت الناتج عن حادثة شغل أو مرض مهني، وبسبب أحداث عائلية، واجتياز امتحان أو قضاء تدريب رياضي وطني، أو المشاركة في مباراة رسمية دولية، أو وطنية، وحضور الجلسات العامة والاجتماعات الرسمية للمجالس المنتخبة، ثم مدة الإضراب، هذا بالإضافة إلى ما يرتبط بالمشغل أو لأسباب مهنية، من قبيل الإغلاق القانوني للمقاولة بصفة مؤقتة أو إصدار قرار تأديبي أو في إطار الرخص المخولة لمندوبي الأجراء والمستشارين لدى المحاكم.
ودون أن نسنى أن المشرع عمل على إلغاء السبب المتعلق بالخدمة العسكرية بموجب نسخ البند الأول من المادة 32 من مدونة الشغل بموجب المادة الفريدة من القانون رقم 48.06 بحذف الخدمة العسكرية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.06.233 بتاريخ 17 أبريل 2007، والذي تقدم بشأنه الفريق الاشتراكي بمقترح قانون يرمي إلى تغيير وتتميم المادتين 32 و256 من القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.03.194 بتاريخ 14 رجب 1424 (11 سبتمبر 2003) كما تم تغييره، حيث أحيل على مجلس النواب يوم الاثنين 4 فبراير 2019، وذلك بإعادة التنصيص على فترة أداء الخدمة العسكرية، باعتبارها سببا من أسباب التوقف المؤقت لعقد الشغل، وأداء المشغل للأجير الذي طلب للخدمة العسكرية، قبل أن يستفيد من العطلة السنوية المؤدى عنها، تعويضا عن عدم التمتع بهذه العطلة، وذلك عند مغادرته المقاولة، بعدما صدر من جديد قانون رقم 44.18 يتعلق بالخدمة العسكرية.
غير أن عقد الشغل محدد المدة، ينتهي بحلول الأجل المحدد له، بصرف النظر عن الأحكام الواردة بالمادة 32 من مدونة الشغل.
ومعلوم أن الأجير يلتزم ببذل نشاطه المهني والمشغل يستأجر خدماته، إذ بمقتضى إتفاق يقدم الأول لفائدة الثاني خدماته الشخصية لأجل محدد، أو من أجل أداء عمل معين، في نظير أجر يلتزم هذا الآخر بدفعه له، هذه الالتزامات المتفق عليها تضمن في عقد الشغل، سواء كان محررا أم لا، وفي القطاع المهيكل أو غير المهيكل، قد تتوقف بالتوقف المؤقت أو النهائي للمقاولة، أو تتغير أحد بنوده أكانت الطريقة أو صيغة أداء الشغل، منها اعتماد آلية رقمية من خلال الاتفاق على العمل عن بعد، والتي لا ترتبط تحديدا بفترة حالة الطوارئ الصحية، بل قد تقل عنها أو تتجاوزها لتشمل مدة انتشار الفيروس وتداعياته التي من المنتظر أن تمتد إلى ما بعد الأزمة الصحية.
اليوم، وفي ظل حالة الطوارئ الصحية بمفهومها الواسع المرتبط بظروف المقاولة، ما هو مصير العقد الذي يربط الأجير بالمشغل، أمام هذا التوقف الذي قد يكون اضطراريا بسبب غياب التسويق والتصدير، أو بسبب إصابة أجير بفيروس كورونا ـ كوفيد 19، أو تنفيذا للأوامر والقرارات الصادرة عن السلطات العمومية من أجل محاصرة تفشيه؟ فإذا اعتبرنا الإصابة بالفيروس تخول الأجير رخصة مرضية، بغض النظر عن طبيعتها القانونية إذا أصيب داخل مقر العمل أو في طريقه، فإن التوقف الاضطراري وفعل السلطة يندرجان في إطار القوة القاهرة بمفهومها المنصوص عليها في الفصل 269 من قانون الالتزامات والعقود، والتي اعتبرها كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه، كالظواهر الطبيعية (الفيضانات والجفاف، والعواصف والحرائق والجراد) وغارات العدو وفعل السلطة، ويكون من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا. إلا أنه لا يعتبر من قبيل القوة القاهرة الأمر الذي كان من الممكن دفعه، ما لم يقم المدين الدليل على أنه بذل كل العناية لدرئه عن نفسه. وكذلك لا يعتبر من قبيل القوة القاهرة السبب الذي ينتج عن خطأ سابق للمدين.
وفي إطار القوة القاهرة، لا محل للمسؤولية المدنية ، لأنه إذا كان الضرر قد نتج عن حادث فجائي أو قوة قاهرة لم يسبقها أو يصطحبها فعل يؤاخذ به المشغل، فلا مسؤولية عليه. وهذا ما أكده قضاء محكمة النقض بتاريخ 13/03/2018، حيث اعتبر حريق مقاولة للنجارة خارج أوقات العمل قوة قاهرة حالت دون استمرار العلاقة الشغلية “ذلك أنه طبقا للفصل 268 من قانون الالتزامات والعقود، لا يكون للتعويض أي محل، إذا كان سبب عدم الوفاء بالالتزام يعزى إلى القوة القاهرة، إذ اعتبرها المشرع من ضمن حالات استحالة التنفيذ بموجب الفقرة الثالثة من الفصل 745 من قانون الالتزامات والعقود، وأن الحريق يعد من قبيل القوة القاهرة، طبقا لما هو منصوص عليه بالفصل 269 من نفس القانون… ليس هناك أي خطأ يمكن أن ينسب للمشغل ولم يكن من الممكن مقاومة الحريق لنشوبه خارج أوقات العمل، وهو ما يضفي على الحريق طابع القوة القاهرة الذي أدى إلى استحالة الاستمرارية في علاقة الشغل”. ومن جهة أخرى اعتبرت ذات المحكمة بتاريخ 12/10/2016، أن “القرار الإداري الصادر عن الجماعة الحضرية بتطوان بإغلاق المقهى بسبب تعاطي المخدرات داخلها وإزعاج السكان هو من الأمور التي يكمن توقعها ولا يدخل ضمن حالات القوة القاهرة ولا في إطار الإغلاق القانوني المؤقت”.
هذا يعني أن جائحة فيروس كورونا ـ كوفيد 19، تشكل قوة قاهرة، إذ لم تكن متوقعة من قبل، ويصعب دفعها وتفادي وقوعها من طرف المشغل، كما أنه لا علاقة لها بإرادة طرفي عقد الشغل، مما يجعلنا أمام وسيلة من وسائل الإعفاء من المسؤولية، ولا مجال لوجوب استمرار المشغل، طيلة مدة الإغلاق المؤقت، في أداء ما يستحقه أجراؤه من أجور، وتعويضات، وفوائد مادية أو عينية كانوا يتقاضونها قبل تاريخ الإغلاق، والمرتبط بالتوقف الناتج عن غياب شروط حفظ صحة الأجراء وسلامتهم، إلا إذا كانت مبادرة إرادية، تندرج في إطار مبدأ التضامن والتآزر، وتقديم المساعدات الإنسانية للطرف الضعيف في العلاقة الشغلية.
وانطلاقا من هذا المعطى القانوني، واستنادا على خلاصات دراسة أصدرتها منظمة العمل الدولية بتاريخ في 18 مارس 2020، تحت عنوان “وباء COVID-19 وعالم العمل: آثار المرض وردود الأفعال عليه”، والتي أكدت فيها على اتخاذ تدابير عاجلة وواسعة النطاق ومنسقة في ثلاثة محاور: – حماية العمال في مكان العمل، – وتحفيز الاقتصاد والتوظيف ، – ودعم الوظائف والدخل. سارعت الدولة، عن طريق لجنة اليقظة الاقتصادية إلى إرساء نوع من الدعم للمأجورين المنخرطين بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في الدفعة الأولى، ثم المأجورين الذين يشتغلون في القطاع غير المهيكل، والمقاولات التي توجد في وضعية صعبة بسبب هذه الجائحة.
لذا فنحن اليوم، أمام عقد شغل في وضعية توقف، والذي تتوقف معه كل الالتزامات التي تخص كل من الأجير والمشغل، وبدون أية مسؤولية أو جزاء، بل وحتى دون أي استدراك.
والخطوة التي اتخذتها الحكومة في مجلسها الحكومي المنعقد يوم أمس الخميس 09 أبريل 2020، من خلال ما أعلنته في البلاغ الصحفي بشأن النقطة الثالثة من جدول أعمالها، عبر المصادقة، مع إدخال الملاحظات التي أبداها أعضاء الحكومة، على مشروع قانون رقم 25.20 بسن تدابير استثنائية لفائدة المشغلين المنخرطين بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والعاملين لديهم المصرح بهم، والمتضررين من تداعيات تفشي جائحة فيروس كورونا ـ كوفيد 19، والذي يتضمن تدبيرا في الفقرة الأولى من المادة الرابعة منه، مفاده أنه تعتبر الفترة المنصوص عليها في المادة الأولى (أي من 15 مارس 2020 إلى غاية 30 يونيو 2020)، بالنسبة للعاملين المشار إليهم في المادة المذكورة (أي المصرح بهم برسم شهر فبراير 2020 لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي)، في حكم فترة توقف مؤقت لعقد الشغل وفق أحكام المادة 32 من مدونة الشغل، مما يعني اعتبار الفترة المذكورة في حكم فترة توقف مؤقت عن العمل بالنسبة للمشمولين بهذا القانون، وبالتالي تظل العلاقة التعاقدية قائمة. تعتبر خطوة ايجابية، جاءت للتأكيد، إلا أنها تبقى خطوة قاصرة لعدم إدراجها بشكل شمولي، مما يتطلب معه استدراك الأمر في خطوة مماثلة حتى تشمل أيضا العاملين غير المصرح بهم خلال شهر فبراير 2020 لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وجميع الأجراء غير المنخرطين به، أي أن تستهدف القطاعين المهيكل وغير المهيكل، حتى لا يتم تأويل هذا النص تأويلا خاطئا يفهم منه حرمان الفئة الأخيرة من حقها في توقف عقد الشغل.
ومعلوم أنه وبحكم القانون، تدخل مدة توقف عقد الشغل بسبب إغلاق المقاولة مؤقتا بموجب قرار إداري، أو بفعل قوة قاهرة ضمن مدد الشغل الفعلي، كما تعتبر بمثابة فترات شغل فعلي عند احتساب مدة العطلة السنوية المؤدى عنها، ولا يمكن إسقاطها من مدة العطلة السنوية المؤدى عنها، كما لا يمكن إسقاطها من مدة الشغل المعتد بها، لتخويل علاوة الأقدمية.
فمبدأ التضامن والتآزر، ينبغي أن يترجم عمليا في استمرار أداء المشغل أجور المستخدمين، بدل ما نراه من استغلال بشع لمآسي الفئة الهشة والفقيرة عن طريق توزيع مساعدات سياسية راكمها أصحابها من مستحقات الأجراء.