ضمن مشروع تطوير مناهج البحث في التاريخ، يواصل الدكتور خالد طحطح أعماله المتميزة بإصدار سلسلة مهمة من الكتابات التاريخية، والتي في اعتقادي يحتاجها المدرس “ة”والباحث”ة”والفاعل”ة”التاريخي”ة” لتجويد البحث في النهج التاريخي الذي يعتمد التعريف التفسير والتمحيص والتركيب والتنقيب داخل كل مشروع يهم الكتابة التاريخية والإبداع المنهجي في الاسطوغرافيا التاريخية، ويتعلق الأمر تحديدا بأهم الكتابات التي اجتهد الدكتور خالد في إخراجها إلى حيز الوجود، إذ بدأ مسيرته بتأليف “في فلسفة التاريخ “سنة 2009 ليكون أول كتاب جعلتني اطلع واكتشف خلاصات هذه الرؤية التحليلية والتركيبية كما اكتشفتها عند الدكتور عبدالله العروي في كتابيه “مفهوم التاريخ” في جزأين،و”مجمل تاريخ المغرب”. وقد واصل الدكتور خالد طحطح مسيرته التاريخية ليفتح شهيتنا بكتاب ممتع وهو “الكتابة التاريخية” الصادر سنة 2012م عن دار توبقال للنشر والتوزيع، وبعدها بسنتين، كانت بالنسبة للمؤلف اجتهاد واعتكاف وشبه حجر ثقافي تاريخي، كانت كافية ليتحفنا مشكورا بمولود تاريخي جديد اختار له من الأسماء كما يبدو في الغلاف رفقته “عودة الحدث التاريخي”. هذا الكتاب الذي طرح فيه مجموعة من العناصر التي يمكن اعتبارها مشروعا تاريخيا قائما على عدة منهجية مهمة للمؤرخ”ة”، ففي عمله هذا استطاع إعادة تقييم ايجابيات وثغرات مدرسة الحوليات الفرنسية التي تأسست بفعل مجهودات المؤرخين الكبيرين “فرنان بروديل “ومارك بلوك” ولوسيان فيفر سنة1929، وهدفها “ليس دراسة تاريخ الأفراد ولكن الواقع الاجتماعي الكلي”(ص ): 19، فهيمنت بذلك هذه المدرسة التاريخية école des annales  على صفحات وأحداث التاريخ العلمي بفضل صدور أول عددمن مجلاتها وهي مجلة “التركيب التاريخي”، إذ استطاعت أن تنفتح على تخصصات علمية ادبية سوسيولسانية وفلسفية مكنتها من التقارب والتكامل بفضل العمل الجماعي ومحاربة الانغلاق التخصصي، مقتحمة بذلك مجالات تاريخية لم نكننسمعها من ذي قبل، تأسيسها لمفاهيم ومناهج الديمغرافيا التاريخية والجغرافيا التاريخيةوالتاريخ الكمي والتاريخ الاقتصادي والاجتماعي والتاريخ الأدبي، وهي تخصصات أبدع فيها كل من “مارك فيرو”و”جاك لوكوف” و”اندري بورغيار”و “جاك روفيل”، وآخرون”، ص 29.

ركز كذلك الدكتور خالد  الفصل الأول من كتابه على ما سماه”انبعاث الحدث” وربط ذلك بما أحدثه نشر أطروحة التاريخ المفتث من جدل، فخروج التاريخ من ازمته لن يتحقق إلا بالاعتراف مجددا بتاريخ الحدث، وبرع في هذاالجانب المؤرخ “فرانسوا دوس” مستدلا بالمنعرجات التي عرفها مفهوم الحدث في الكتابة التاريخية وذلك برصد مستويات الثابت والمتغير منذ العهد الاغريقي من خلال ماقدمه المؤرخ “توسيديد” وماقدمه المؤرخون: “سالوست”و”تيت ليف” وكاتب السير “بلوتارك” و”هيرودوت” و”ابن خلدون” بالنسبة للحضارة العربية الاسلامية، و”يوبا الثاني” بالنسبة للحضارة الامازيغية القديمة، واستمر المؤرخون المعاصرون في تحليل الحضارات الانسانية بناء على نظرية تجديد réforme بعث الحدث التاريخ.

توقف كذلك المؤلف على دور “المدرسة الوضعية” أوالوضعانية مع المؤرخ والفيلسوف المشهور “اوغيست كونط” خلال القرن التاسع عشر، وهي المدرسة التي فرضت مفهوما معينا، إذ: “التاريخ الذي لايستند ولايعتمد على المصادر الشفوية يعد في نظره تاريخا سطحيا،وأقل أهمية من التاريخ المعتمد على الوثائق “ومن أهم رواده: رانكه الذي دافع على كون “التاريخ مكدس في خزانة الأجداد”.
في مسالة أساسية تطرق إليها المؤلف تخص مسألة التواصل بين الأجيال بما يحفظ الذاكرة في الماضي القريب ومسألة الراهن بالعودة إلى المصالحة مع الذات، وخلالها وقف عند الميكرو تاريخ micro histoire أو التاريخ المجهري (ص 60)، وهو تاريخ ظهر في بداية الامر بايطاليا قبل أن يفرض نفسه في بقية المجتمعات العالمية، فالمؤرخة “خوليو انيودي” نشرت مجموعة من الأعمال تصب في هذا الجانب نشرتها عام 1980م،هذا النوع من التوجه يعمل على تأهيل عمل الفرد ليجعله عملا رائدا من خلال أعمال مميزة،يهتم هذا النوع من التاريخ بدراسة الحياة الخاصة للأفراد ويعطي الأولوية لهمباعتبارهم كائنات اجتماعية نشيطة (ص 71)، وترى المؤرخة”danielmadlinaدانييل مادلينا” أن: “التاريخ هي الأداة المفضلة للجينالوجيا” ؛هكذا توقفنا في مقرر السنة الأولى ثانوي إعدادي علي الميكرو تاريخ من خلال دراسة شخصية جوبا الأول في الدرس الخامس من سلسلة الدروس المقررة في مادة التاريخ، أي دراسة الحضارات القديمة،ونفس الشيء بالنسبة لمقرر الثانوي إعدادي من خلال دراسة شخصيات تاريخية في فترة ازدهار الدولة المغربية: فترة الدولة المرابطية والدولة الموحدية، وذلك في الدرس الثاني من المنهاج الدراسي، حيث الاعتماد على بيوغرافية شخصية يوسف بن تاشفين وبيوغرافية محمد بن تومرت (الأول من قبيلة صنهاجة والثاني من قبيلة مصمودة بجبل درن)، ونفس الشيء بالنسبة لمستوى الثالثة ثانوي إعدادي لكون “الميكوسطوريا حاضرة بقوة من خلال دراسات بيوغرافية لشخصيات تاريخية فرضت نفسها على مسار الأحداث التاريخية عبر العالم، نخص بالذكر أدولف هتلر (درس7)،ياسرعرفات (درس9) السلطان محمد الخامس (درس11).

في الفصل الثاني ركز المؤلف على أهمية البيوغرافيا في تطوير فلسفة التاريخ لكون “الماضي لايمضي والحاضر لايحضر لكون الحاضر والماضي يحدد كل منهما الاخر” (ص78) سيركز على تفسير الحدث التاريخي من خلال التوقف على السيبستانية، نسبة إلى الملك البرتغالي الذي تحالف مع محمد المتوكل لهزم عمه عبدالملك السعدي، لكن هذا الأخير كسب المعركة ليواصل أحمد المنصور استكمال مسيرة التطور الحضاري للمغرب،وبقيت الدول العالمية تخطب ود بلادنا المغرب قبل أن ينهزم السلطان عبدالرحمان بن هشام وابنه محمد في معركة ايسلي، وحرب تطوان( 1844م و 1859و1860م ) لأسباب فسرها المؤلف،الذي وقف كذلك على أحداث اخرى غيرت مجرى التاريخ المعاصر. أحداث الربيع الديمقراطي، أحداث حرب الخليج 1991، أحداث 11شتنبر، والهجوم على مبنى التجارة العالمي نيويورك، فالاهتمام “بالآثار التي يخلقها الحدث التاريخي مهم ولهذا فهو يجنب السقوط في تبخيس الحدث والتقليل منه. ومن هذا المنظور “فالحدث ليس معطى بسيطا يكفي التقاطه وإنما هو بناء يحيل على مكونات المجتمع”(ص 96).

بعد هذا الكتاب اطلعت على كتاب آخر للدكتور طحطح تحت عنوان “علي بن محمد السوسي السملالي توفي سنة 1311هـ/1893 عبارة عن بيوغرافية تاريخية حصل بها المؤلف على شهادة الدكتوراه سنة 2014م بجامعة محمد الخامس بالرباط، بميزة مشرف جدا، ثم ما لبث أن أتحفنا في شغف تاريخي بكتابه “البيوغرافيا والتاريخ”،وقد استمتعنا كذلك بكتاب “ضريبة الترتيب بين المعونة والمكس”، والصادر سنة 2016 ضمن سلسلة كتاب منشورات الزمن (سلسلة شرفات )، وهوكتاب مهم لأي مدرس”ة”، وباحث “ة”، وفاعل تاريخي “مهتم بتاريخ المغرب خلال القرن التاسع عشر، ومعلوم أن ضريبة الترتيب الفلاحية والمكس كانت ضمن المشروع الجبائي الذي فرضه المولى الحسن الأول،لكنها مصيرها انتهى إلى الفشل لأنها ضريبة غير شرعية في شقها المرتبط بالمكوس، ولذا اصطدمت بمعارضة التجار ورؤساء الزوايا وسكان الأرياف، فكان فشلها سببا في التدهور النقدي الذي عجل بعقد مؤتمر الجزيرة الخضراء (الخزيرات 1906م)، والذي سيؤدي في آخر المطاف إلى مبايعة المولى عبد الحفيظ مكان المولى عبد العزيز، وبالتالي فرض معاهدة الحماية على المغرب 30مارس 1912م.

لعل أهم التساؤلات التي كانت محور هذا الكتاب المتوسط الحجم (من 184ص) هوطرح المؤلف لإشكالية تاريخية كبرى تتعلق بسكوت المؤرخ أحمد بن خالد الناصري عن موضوع ضريبة الترتيب في الجزء الثامن من كتاب الاستقصاء وتحاشى كذلك الحديث وبشكل مستفيض عن مؤتمر مدريد 1880، فكيف استطاع تبيان هذا الغموض وتوضيح كنهه؟

وللمؤلف كتاب مهم حول “المؤرخون المغاربة في الفترة المعاصرة”، و”الكتابة التاريخية مناهج ونماذج” باشتراك،ومقال “الديبلوماسية في تاريخ المغرب” وكتاب “التاريخ من اسفل” وهي أعمال صدرت باشتراك، مشترك. كما أشرف على إعداد وتنسيق العدد الخمسين من مجلة “أمل”التاريخية التي تصدر من مدينة الدار البيضاء، وكان محور العدد منصبا على موضوع “البيوغرافيا والتاريخ”، وهو الموضوع الذي اقترن اسمه باسم هذا المؤرخ المغربي الذي لمع اسمه في سماء الكتابة التاريخية سواء بمقالاته التي يكتبها ورقيا أورقميا أوبالمشاركة الميدانية في ندوات علمية ودولية.وقبل الختام أزف للقراء الأعزاء والقارئات العزيرات خبر صدور كتاب جديد للمؤلف خالدطحطح موضوعه “التاريخ ومابعد الكولونيالية “
يقول الباحث الدكتور اسامة الزكاري في مقال له بجريدة الاتحادالاشتراكي تحت عنوان “نحو تطوير مناهج البحث التاريخي المعاصر: البيوغرافيا والتاريخ” والمنشور بتاريخ 15يونيو 2015 الموافق لـ 28 رمضان 1436، عدد1106: “ونتيجة لهذه الطفرة المنهجية الهائلة أصبح مجال البحث التاريخي منفتحا على عمق أرحب تقاطع مع مجالات واسعة ومجددة،مثل تاريخ الذهنيات، والتاريخ الثقافي، والانتروبولوجيا، والكتابات التخييلية الأدبية، وكان لابد أن يعود المؤرخ لمساءلة مكتسباته المتوارثة بحثا عن النموذج الأمثل القادر على استيعاب المنجزات المنهجية والابيستمولوجية التي راكمتها المدارس العالمية خلال القرون الماضية”. شكرا الاستاذ خالد طحطح على كتابتكم التاريخية وعلى شغفكم بالبحث وعلى منهجكم العلمي الرصين. بقلم الأستاذ محمد أمداح، باحث في التاريخ الجهوي والتراث الثقافي بالجنوب المغربي، كتب مساء الاثنين 13و14، أبريل 2020، والشكر لكم على القراءة والاعجاب والتتبع والنقد البناء والتعليق الجاد.