أصدر جلالة الملك، بصفته الناظر الأعلى للأوقاف، يوم الأربعاء 08 أبريل 2020، قراراه بإعفاء مكتري المحلات الحبسية المخصصة للتجارة والحرف والمهن والخدمات، والسكنى ما عدا للموظفين، من أداء الواجبات الكرائية، وهو القرار الذي يسري طيلة مدة الحجر الصحي.
مرة أخرى، وفي إطار المقاومة التي يقودها جلالة الملك ضد انتشار جائحة فيروس كورونا ـ كوفيد 19، وبهدف احتواء تداعياتها الاجتماعية والاقتصادية، بحكمة وتبصر، يصدر قراره المذكور.
هذا القرار، في هذا التوقيت بالذات، يؤكد من جديد أن الدولة بقيادة ممثلها الأسمى، تواصل بثبات معركتها ضد هذا العدوان والتهديد الوبائي، وتراعي الوضع الاجتماعي لكل أبناء هذا الوطن في ظل هذه الظروف الحرجة، وأنها وفية وحاضنة للجميع.
وفي إطار أخذ العبر والدروس، من التوجيهات والخطوات الملكية، أصبح من الضروري على مختلف المؤسسات والإدارات العمومية والجماعات الترابية أن تتخذ هذا المنهج في مختلف الإجراءات التي تقدم عليها، في سياق الاهتمام والرعاية الخاصة بالفئات الاجتماعية الأقل حظا.
فالحكومة في إطار تفعيل قرارات لجنة اليقظة الاقتصادية المحدثة خصيصا لتتبع وتقييم وضعية الاقتصاد الوطني ودراسة التدابير التي يتعين اتخاذها بهدف التخفيف من حدة هذه الأزمة، سيما التي تخص تعليق المساهمة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بالنسبة للمقاولات في وضعية صعبة، سارعت إلى صياغة مشروع قانون رقم 25.20 بسن تدابير استثنائية لفائدة المشغلين المنخرطين بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والعاملين لديهم المصرح بهم، المتضررين من تداعيات تفشي جائحة فيروس كورونا ـ كوفيد 19، ونصت في المادة الخامسة منه، على أنه يعلق خلال الفترة الممتدة من فاتح مارس 2020 إلى غاية 30 يونيو 2020، أداء الاشتراكات المستحقة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وجعلته شرطا لفتح الحق في التعويضات التي يصرفها هذا الصندوق برسم نظام الضمان الاجتماعي وكذا في الخدمات المضمونة بموجب نظام التأمين الاجباري الأساسي عن المرض.
خطوات أخرى ينتظرها المواطنات والمواطنون من الحكومة، للسير في نفس الاتجاه، في مقدمتها مديرية أملاك الدولة لدى وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، وقطاع المياه والغابات لدى وزارة الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات والتنمية القروية…إلخ، بخصوص السير في نفس التوجه الملكي من أجل إعفاء مكتري العقارات المخصصة للتجارة والحرف والمهن والخدمات، والسكنى، مع استهداف الفئات الهشة والفقيرة وممن لا دخل له، وكل الحالات التي تعيش ظروفا صعبة، وذلك طيلة فترة الحجر الصحي.
الجماعات الترابية أيضا، وفي مقدمتها الجماعات، تحتاج إلى وقفة في هذا المجال، اعتبارا لكونها تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، ولها في حدود الاختصاصات المخولة لها قانونا، بأن تتداول في إطار مبدأ التدبير الحر، داخل مجالسها بشأن العمل على اتخاذ مقررات ترمي إلى تعليق مجموعة من عمليات الاستخلاص المرتبطة بالفئات الأكثر تضررا خلال مدة الحجر الصحي.
الإجراءات التي سيقبل عليها رؤساء الجماعات ومجالسها، في هذه الظرفية، من شأنها أن تساهم في عودة ثقة المواطنات والمواطنين في المؤسسات المنتخبة، خاصة إذا سارت في نفس التوجه الملكي، وعملت على الاهتمام بكل من هو في وضعية صعبة، ممن لا دخل له من التجار والحرفيين والمهنيين وأسرهم والمكترين لمرافق ومحلات مملوكة للجماعة، والتي تشكل موردا مهما لعيش العديد من الأسر، أضف إلى ذلك الأسواق الجماعية والمرافق العمومية والمحلات التجارية المكتراة للمقاولين الشباب، الذين يوجدون حاليا في وضعية عطالة، إضافة إلى مجموعة من الحقوق التي تقبض لفائدتها في إطار تدبير أملاك الجماعة والمحافظة عليها، والمرافق العمومية التابعة لها، منها تعميم الإعفاء بشأن النقل بواسطة سيارات الإسعاف الجماعية، وتعليق استخلاص الرسم المفروض على شغل الأملاك الجماعية مؤقتا أو عقارات ترتبط بممارسة أعمال تجارية أو صناعية أو مهنية، بما في ذلك الرسوم والواجبات المفروضة شهريا على أرباب وسائقي سيارات الأجرة، والمسماة بالرسم المفروض على استغلال رخص سيارات الأجرة وحافلات النقل العام للمسافرين، وواجبات الوقوف المترتبة على السيارات المخصصة للنقل العمومي للمسافرين.
كما يمكن للجماعات على صعيد كل عمالة أو إقليم، وفي سياق مبدأ التعاون والتضامن، اللجوء في هذه الفترة بالذات إلى تأسيس مؤسسات التعاون بين الجماعات من أجل الوقاية وحفظ الصحة، خاصة فيما يتعلق بتوفير التجهيزات والمعدات الخاصة بالأشخاص الموجودين في المرحلة السابقة للتأكد من الإصابة، والموضوعين رهن إجراءات “التتبع الصحي للمخالطين”، سيما إذا تعذر تأمين عدم مخالطتهم لغيرهم قبل إعلان نتائج فحوصاتهم.
فمجالس الجماعات تنتخب بكيفية ديمقراطية، أي صنع محلي للمواطنات والمواطنين، عن وعي وإرادة، وحسب الاختصاصات المخولة لها بموجب القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، فقد أنيطت بها مهام تقديم خدمات القرب لفائدة الشريحة التي تنتخبها بمفهومها الواسع، أي الساكنة برمتها، داخل نفوذها الترابي، مما يعني أن كل مبادرة تقدم عليها الجماعات في هذا المجال، ستكون أكثر وقعا على الفئة المستهدفة وعلى الساكنة بأكملها، وستكون فعلا منها وإليها.
ومما لا شك فيه، أن اعتماد فكرة “من وإلى المواطن” ستمكن من تقوية دور الجماعات في الارتباط اليومي والوثيق بالمواطنات والمواطنين، باعتبارها مؤسسة منبثقة على الإرادة الشعبية، وستساهم في تعزيز وتكريس الحكامة المحلية، وإظهار مكانتها المتميزة في التقسيم الترابي للمملكة، عبر القيام بأدوار تعبوية كاملة ومؤثرة في مواكبة ودعم الجهود الوطنية المبذولة من أجل محاصرة تفشي جائحة فيروس كورنا ـ كوفيد 19، والتي ستكون لا محال منعطفا جوهريا في تغير النظرة الضيقة للجماعة، وتجاوز الأزمة المزمنة للمنظومة التمثيلية، المرتبطة بالعزوف السياسي وغياب الثقة، وبالتالي تشجيع النخب ذات المصداقية والكفاءة على ولوج العمل التمثيلي.
إن قيام الجماعات في الوقت الراهن، بأبسط خطوة إيجابية، في سياق مواكبة التطلعات المجتمعية الراهنة خدمة للمواطنات والمواطنين وتعزيزا لحقهم في العيش الكريم والمنصف، عبر إقرار إعفاءات معقولة تتماشى مع التوجه الملكي، وتوزيع مساعدات إنسانية في إطار التأهيل الاجتماعي لساكنتها، سيجعل منها مرفقا من وإلى المواطن.

فلنأخذ العبر والدروس من المبادرة الملكية، ولنساهم في معركة بلادنا ضد هذه الجائحة بإرادة قوية، وبعزيمة جماعية متضامنة صلبة.