سألني أحد الأصدقاء ما المقصود بـ ( ما بعد الحداثة), وهل هناك سياسة تدخل في هذا المفهوم؟.

     أقول: نعم يا صديقي إن ما بعد الحداثة, هي نظام اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي يسود العالم اليوم, أفرزته تلك التحولات غير العقلانية لما يسمى بالنظام العالمي الجديد.  

     ففي هذا النظام العالمي الجديد, فقد العالم توازنه المادي والروحي, واصبحت الشعوب فيه تعيش حالات من الضياع القومي والوطني والأخلاقي.. فكل شيء رُسمت له نهايات في هذا العالم., نهاية التاريخ … ونهاية الدولة … ونهاية المواطنة… ونهاية الدين. بل راحت سمات أخرى تلصق به, كالتفكيك والتذرير والموت.. فرحنا نسمع عن موت الفن, والأدب, والأخلاق والفضيلة, والدين, وعن تفكيك الدول المركزية وتذرير المجتمع… الخ.  والسبب هو سيطرة نمط اقتصاد السوق المتوحش الذي لا يعرف من التنمية إلا الربح, دون النظر إلى القيم الإنسانية في هذه التنمية ودورها. وهذا النمط من التنمية راحت تقوده مجموعة من الشركات المتعددة الجنسيات التي يتحكم في إدارتها وآلية عملها كباتنة الرأسمال العالمي على مستوى العالم, ومن هؤلاء يأتي الكثير من ساسة وحكام دول العالم الثالث الذين سرقوا أموال شعوبهم ودخلوا عبرها مساهمين وشركاء في هذه الشركات التي غالباً ما تنال نتائجها السيئة شعوبهم بالذات من خلال الفسح في المجال واسعاً لهذه الشركات للمساهمة في استثمارات اقتصادية واسعة في بلادهم. 

     في النظام العالمي الجديد هذا, تغيب السمات العامة للدولة لتتحول إلى وسيلة بيد من يتحكم فيها لحماية مصالحهم, وهذا ما يتجلى واضحاً اليوم في الدول الأوربية وأمريكا.. فالدولة وكل إمكانياتها هي في خدمة مصالح الطغمة الاقتصادية من جيشها وإعلامها, وصولاً إلى أموالها تحت ذريعة حماية الأمن القومي.

     إذن, إذا كانت هذه هي المعطيات العامة لما بعد الحداثة في الجانب الاقتصادي, وما يقوم على هذه المعطيات من نتائج أشرنا إليها أعلاه. فما هي النتائج السياسية التي يفرزها هذا النظام على المستوى العالمي  بشكل عام, وعلى المستوى الداخلي للدول بشكل خاص.؟. 

     إذا كان الخطاب السياسي على المستوى العام يتمثل في سيطرة الدول العظمى على السياسة الدولية وخاصة سيطرة  الدول القويّة منها كالولايات المتحدة, مستغلة قوتها المادية والعسكرية في تحقيق ما تريد على حساب بقية الدول, من خلال آلية عمل وسياسات قهرية ورضائية, كفرضها العقوبات, أو منحها المساعدات على هذه الدولة أو تلك, أي اتباع سياسة الترهيب والترغيب, موظفة في هذه السياسات المؤسسات الدولية تحت اسم العدالة والحرية والديمقراطية, ويأتي في مقدمة هذه المؤسسات مجلس الأمن, والوكالة الدولية للطاقة الذرية, ومحكمة العدل الدولية, ومجلس حقوق الإنسان.. وغيرها, وهذا ما يساعدها أيضاً على تثبيت الحكومات الموالية لها والمنفذة لمصالحها في دول العالم الثالث مهما تكن طبيعة هذه الأنظمة, جمهورية كانت أم ملكية, ذات توجه رأسمالي كانت أم اشتراكي, بغض النظر عن درجة عدالة هذه الحكومات اتجاه شعوبها. 

     عموماً. إن السياسة الداخلية في الدول العظمى تقوم على حزبين رئيسين غالباً ما يتداولان السلطة, وكلاهما يعملان بالضرورة لمصلحة القوى الطبقية المتحكمة باقتصاد هذه الدول, ويأتي على رأسها كبار أصحاب الشركات الكبرى.

     أما على مستوى سياسة دول العالم الثالث, فغالبا ما نجد أنظمةً أو حكوماتِ ملكية وراثية يسيطر فيها الملوك والأمراء وحاشيتهم على كل شيء في الدولة, يقابلها أنظمة جمهورية تدعمها أحزاب شعبوية, تفتقد بالأساس إلى مشاريع فكرية حقيقة ذات بنية طبقية وتنظيمه واضحة المعالم, فهي كـ (خرج العطار) تجد فيها كل ما تريد, فهناك في بنيتها التنظيمية تجد عمال وفلاحين وطلاب وعسكر وبرجوازية صغيرة وكبيرة غالباً ما تكون طفيلية, وبقايا من رجالات الاقطاع. يتبع هذه الأحزاب منظمات شعبية تفتقد أساساً لحريتها في التعبير عن مصالحها, فهي ليست أكثر من حزام ناقل للسلطة المركزية في الحزب والدولة. وعلى المستوى التعليمي, تجد في البنية التنظيمية لهذه الأحزاب,  من الأمي أو الذي فك الحرف, إلى من يحمل أعلى الدرجات العلمية. أما على المستوى الثقافي, فهناك غياب واضح ومخجل في معرفة البنية الفكرية عند الكثير من مكونات البنية التنظيمية لهذه الأحزاب, لذلك لا نستغرب أن نجد فيها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار, حيث تجد فيها المتدين الساذج, وفيها السلفي الأصولي والصوفي الذي يحارب العقل ويعتمد على النقل, وتجد فيها المسلم الاصلاحي, وتجد فيها اليساري والليبرالي والانتهازي والوصولي الذي لا ينتمي أصلاً لأي فكر عدا انتمائه لمصالحه وهم الأكثرية. هذا عدا عن القول, بان هذه الأحزاب كثيراً ما تطرح قضايا فكرية وتنظيمية واقتصادية تتناقض مع أهدافها أو الخطوط الاستراتيجية لبنيتها الفكرية وأهدافها عند الحاجة أو حسب الظروف الدولية والاقليمية.. فالتكتيك يتحول عندها إلى استراتيجية, هذا عدا التناقض الصارخ في شعاراتها, كأن تطرح الليبرالية في الوقت الذي ترفع فيه شعار الاشتراكية.. أو تطرح فيه اقتصاد السوق, في الوقت الذي تطرح شعارات الاقتصاد الصغير والمتوسط, أو تدعي العلمانية في الوقت الذي تحاصر فيه المفكرين العقلانيين العلمانيين وتفسح في المجال واسعاً لرجال الدين والمؤسسة الدينية أن تمارس نشاطها بكل حرية.

     عموماً هي تحمل أيضاً شعارات وأهداف ذات بعد وطني أو قومي أكبر من إمكانياتها التنظيمية والفكرية.. لذلك غالباً ما نجد بنيتها التنظيمية مهزومة ومنخورة بالفساد والخيانة لأهدافها من الداخل, وعاجزة عند الأزمات عن حماية نفسها هي بالذات, بل إن قسماً كبيراً جداً من بنيتها التنظيمية يتحول إلى تيار الثورات المضادة للحزب أو الدولة… إنها أحزاب ما بعد الحداثة.

عدنان عويد كاتب وباحث من دير الزور سورية.