يطرح تشومسكي أفكاره حول ورطة أمريكا في معضلة احتواء جائحة كورونا وسباق الانتخابات الأمريكية وقضايا أخرى في حوار أجرته معه إيمي غودمن في برنامجها التلفزيوني. وهذه ترجمة منقولة من موقع “ساسة بوست”، وليست ترجمتي الشخصية، مساهمة في تقريب القراء العرب من الجدل الراهن في الولايات المتحدة.

“أجرى موقع «ديموكراسي ناو» مقابلةً مع نعوم تشومسكي، عالم اللغويَّات الأمريكي، والمنظِّر السياسي الذي يُعد أحد أبرز الفلاسفة والمثقفين في العصر الحديث، للحديث عن الأوضاع غير المسبوقة التي تشهدها الولايات المتحدة في ظل تفشي فيروس كورونا المستجد، وماذا يمنحه الأمل برغم كل التهديدات المحدقة بالولايات المتحدة والعالم.
في مستهل المقابلة التلفزيونية،

تساءلت المحاورة (إيمي غودمن)، وهي كاتبة ومراسلة صحفية ومؤلفة أمريكية، كيف أصبحت الولايات المتحدة – أغنى دولة في العالم – بؤرة انتشار فيروس كورونا العالمي؛ حيث يموت شخص واحد كل 47 ثانية بسبب كوفيد-19؟ وخلال الساعة التي قضتها في محاورة نعوم تشومسكي، تطرقت إيمي إلى هذه اللحظة غير المسبوقة في التاريخ وآثارها السياسية، وإعلان السيناتور بيرني ساندرز تعليق حملته الرئاسية، وأخبرها تشومسكي كيف أن العاملين في المجال الطبي الذين يقفون في الخطوط الأمامية لمواجهة الفيروس يبثون في نفسه الأمل.
في البداية ذكرت (إيمي غودمن) أن هذه المقابلة تبث من مدينة نيويورك، بؤرة انتشار جائحة فيروس كورونا. إذ سُجِّل ما يقرب من 16.700 حالة وفاة بسببه في الولايات المتحدة، وأوشك عدد حالات الإصابة المؤكدة على الوصول إلى نصف مليون، ليتجاوز إجمالي عدد الإصابات في كل من إيطاليا، وإسبانيا، وفرنسا مجتمعة. وبطبيعة الحال، فإن المعدل الحقيقي للعدوى أعلى بكثير من ذلك، وذلك بسبب النقص الحاد في إجراء الاختبارات. وقالت وزارة العمل يوم الخميس إن أكثر من 6.6 مليون أمريكي قدَّموا طلبات للحصول على إعانة البطالة خلال الأسبوع الماضي، ومن المقرر أن ينافس فقدان الوظائف في الولايات المتحدة خلال الأزمة الراهنة من حيث السرعة والنطاق، ما شهدته البلاد خلال فترة الكساد الكبير.لمعرفة المزيد حول الآثار السياسية لهذه اللحظة غير المسبوقة، انتقلت إيمي إلى نعوم تشومسكي لإجراء حوار من منزله في مدينة توكسون بولاية أريزونا – حيث يعيش مع زوجته فاليريا – وكان هذا قبل أن يعلن السيناتور بيرني ساندرز نيته تعليق حملته للانتخابات الرئاسية، مما يجعل جو بايدن، نائب الرئيس السابق، مرشحًا مفترضًا لمواجهة دونالد ترامب في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني).
بدأت المحاورة بالسؤال حول ما يحدث الآن في سياق انتخابات 2020، وما يمكن أن يحدث في نوفمبر.

فرد تشومسكي قائلًا: إذا انتُخِب ترامب مرة أخرى، فسيكون نجاحه بمثابة كارثة يعجز اللسان عن وصفها. وسيعني هذا أن السياسات التي اتبعها خلال السنوات الأربع الماضية، والتي كانت هدَّامة للغاية بالنسبة للشعب الأمريكي والعالم، سوف تستمر، وربما تتسارع وتيرتها. وبالنسبة لمجال الصحة، فهذه السياسات سيئة بما فيه الكفاية. والأرقام التي أشارت إليها مجلة ذا لانسيت الطبية سوف تزداد سوءًا. وستكون هناك تداعيات خطيرة بالنسبة للبيئة، أو التهديد باندلاع حرب نووية. وأضاف تشومسكي يقول لنفترض أن بايدن هو الذي سينجح في الانتخابات. أتوقع أن يكون نجاحه استمرارًا لسياسات أوباما، وهي ليست عظيمة للغاية، ولكنها على الأقل ليست هدَّامة تمامًا، وستعطي الفرصة للجمهور المنظم لتغيير ما يجري وممارسة الضغوط. وبينما قد يكثر الحديث الآن حول فشل حملة ساندرز، يعتقد تشومسكي أن هذا خطأ، وأنه نجح نجاحًا غير عادي؛ إذ إن القضايا التي لم يكن من الممكن التفكير فيها قبل بضع سنوات، أصبحت الآن في بؤرة الاهتمام.
ويشدد تشومسكي على أن أسوأ جريمة ارتكبها ساندرز، من وجهة نظر مؤسسة الرئاسة، ليست السياسات التي يقترحها، ولكنها الحقيقة التي تشير إلى أنه كان قادرًا على إلهام الحركات الشعبية، التي كانت تتطور بالفعل – مثل: حركتي «احتلوا» و«حياة السود مهمة» وغيرهما – وتحويلها إلى حركات ناشطة، لا تظهر فقط كل عامين ثم تعود إلى سباتها، بل تمارس ضغوطًا مستمرة، وتبذل جهدًا متواصلًا. وهذا من الممكن أن يؤثر في إدارة بايدن، وربما يعني أن هناك وقتًا للتعامل مع الأزمات الكبرى.
يضرب تشومسكي على ذلك مثلًا: برنامج الرعاية الصحية للجميع، وهو البَنْد الرئيس في برنامج ساندرز، والتعليم الجامعي المجاني. إذ ينتقد الطيف السياسي الرئيس هذا بوصفه تطرفًا شديدًا بالنسبة للأمريكيين؛ فماذا يعني ذلك؟ إنه هجوم على الثقافة الأمريكية والمجتمع الأمريكي، وقد نتوقع مثل هذا الهجوم من عدو لدود. وكأنهم يقولون إنه ضرب من التطرف أن نسعى للوصول إلى مصاف نظيراتنا من الدول، التي لديها رعاية صحية وطنية، وتقدم التعليم العالي مجانًا. إن أفضل الدول أداءً على المستوى الوطني، مثل فنلندا، تقدم ذلك مجانًا، وكذلك ألمانيا والمكسيك. إنه تعليق مذهل؛ وكما أشرت إنه نقد لأمريكا يمكن أن نتوقعه من عدو لدود. هذا هو الطيف السياسي اليساري. يخبرك ذلك بأننا نعاني من مشكلات عميقة حقًّا، وأن الأمر لا يقف عند حدود ترامب فحسب. صحيح أن ترامب زاد الأمور سوءًا، لكن المشكلات أعمق من ذلك بكثير.
على سبيل المثال، كارثة أجهزة التنفس الصناعي أعمق بكثير من ترامب. وعلينا أن نواجه تلك الحقائق. وسبق أن واجهها البعض بالفعل، مثلما أشرتم إلى تقديم ساعة القيامة (ساعة رمزية تحذر البشرية من أنها تقترب من القضاء على نفسها) في شهر يناير (كانون الثاني). طوال فترة حكم ترامب، تحرك عقرب ساعة القيامة مقتربًا من منتصف الليل – نهاية العالم – حتى وصل إلى أعلى نقطة على الإطلاق. وقد تجاوز هذه النقطة في يناير. ولم يعد المحللون يحسبونها بالدقائق، بل انتقلوا إلى الثواني: مائة ثانية حتى الوصول إلى منتصف الليل، وكل ذلك بفضل دونالد ترامب.
ويضيف تشومسكي: لم يعد الحزب الجمهوري مؤهلًا بصفته حزبًا سياسيًّا؛ لأنه ببساطة يردد بكل حمق كل ما يقوله سيده؛ بلا أي نزاهة أو شرف. إن ترامب محاط بمجموعة من المتملقين الذين يرددون كل ما يقوله بكل تبجيل، وهذا هجوم حقيقي على الديمقراطية، فضلًا عن أنه هجوم على بقاء البشرية، على حد تعبير بنك (جيه بي مورجان تشيس). حرب نووية، وارتفاع مخاطر اندلاع حرب نووية، وتفكيك نظام الحد من التسلح. إنه لأمر مدهش أن نشاهد كل هذا. استشهد تشومسكي بمذكرة تشدد على أن البنوك يجب أن تقلل دعمها للوقود الأحفوري، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى العواقب المؤثرة في السمعة. وقال: إذ تتعرض سمعتهم للضرر؛ فماذا يعني ذلك؟ يعني ذلك أن النشطاء يضغطون عليهم، وعليهم أن يحافظوا على سمعتهم. وهذا درس جيد ومفيد.
يقدم تشومسكي بعض الأمثلة المدهشة على ذلك، مثل: التشريع المقترح «الصفقة الخضراء الجديدة»، الذي كان موضوعًا للسخرية قبل بضعة أعوام، وأصبح الآن ضروريًّا لبقاء البشرية وجزءًا من جدول الأعمال العام والأجندة التشريعية. لماذا؟ بسبب مشاركة الناشطين والحركات الشبابية. والخطوة التالية تتمثل في وضْع المقترح التشريعي موضع التنفيذ. هذه هي الطريقة التي يمكن أن تتغير بها الأشياء. وفي حال وصول بايدن لكرسي الرئاسة، ستكون هناك إدارة يمكن التعامل معها والضغط عليها، في حال لم تكن هذه الإدارة متعاطفة بشدة، وهذا مهم جدًّا. وكما ذكر المؤرخ إريك لوميس، الذي درس الجهود التي يبذلها العاملون لإحداث تغييرات في المجتمع، أحيانًا لصالح أنفسهم، وأحيانًا لصالح المجتمع ككل.
وأشار إلى نقطة مثيرة للاهتمام: نجحت هذه الجهود عندما كانت هناك إدارة متسامحة أو متعاطفة فحسب. وهذا واحد من العديد من الاختلافات الهائلة بين ترامب، صاحب الشخصية المعتلة نفسيًّا، وبايدن، الذي يمكن دفعه بطريقة أو بأخرى. إن هذه هي الانتخابات الأكثر أهمية في تاريخ البشرية، فأربع سنوات أخرى من حكم ترامب، ستضعنا حرفيًّا في مشكلة عويصة.
تسأل غودمن: كيف أصبحت الولايات المتحدة، أغنى دولة في العالم، بؤرة الجائحة؟ فيجيب تشومسكي بأن الدول استجابت للجائحة بطرق عديدة، بعضها ناجح جدًّا، وبعضها أقل نجاحًا، والبعض الآخر يقبع في الدرك الأسفل من الأداء المزري؛ ونحن الآن في هذا القاع. إن الولايات المتحدة هي الدولة الكبرى الوحيدة التي لا يمكنها حتى تقديم بيانات لمنظمة الصحة العالمية؛ لأنها تعاني من اختلال وظيفي شديد.
يقول تشومسكي إن هناك خلفية لذلك، ويمثل نظام الرعاية الصحية المخزي جزءًا من هذه الخلفية؛ لأنه ببساطة غير جاهز لمواجهة أي شيء غير طبيعي. إنه ببساطة نظام غير فعال. وخلال فترة ترامب، في السنوات الأربع الماضية، قلَّص ترامب من الإنفاق على جميع الجوانب المتعلقة بالصحة في الحكومة بشكل ممنهج. وزاد من الإنفاق على البنتاجون، وعلى مصالحه الشخصية.
في أكتوبر (تشرين الأول)، على سبيل المثال، وهو توقيت شديد الحساسية، ألغى تمامًا مشروع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، الذي كان يعمل في دول العالم الثالث، وكذلك في الصين، لمحاولة اكتشاف فيروسات جديدة قد تتحول إلى جائحة محتملة. والواقع أن ذلك كان متوقعًا منذ ذلك الحين، على الأقل منذ وباء سارس في عام 2003. وبهذا نجد أن لدينا مجموعة من العوامل؛ بعضها خاص بالولايات المتحدة.
يضيف تشومسكي إذا أردنا تجنب انتشار أوبئة جديدة، والتي من المحتمل جدًّا أن تظهر على نحو أكثر خطورة من هذه الجائحة، ويرجع هذا جزئيًّا إلى التهديد الهائل المتزايد للاحترار العالمي، علينا أن ننظر في مصادر هذه الجائحة، ومن المهم جدًّا التفكير بتأنٍ في عواقبها. لقد تنبأ العلماء بالأوبئة لسنوات. وكان وباء سارس خطيرًا جدًّا، ونجحنا في احتوائه، لكن اللقاحات كانت في بداية تطورها. وكان من الواضح في ذلك الوقت أن شيئًا آخر سيحدث، وظهر بالفعل عديد من الأوبئة. ولكن لا يكفي أن نعرف ذلك فحسب. يجب أن نفعل شيئًا، فمن يستطيع فعل ذلك؟ تُعد شركات الأدوية الجهة الواضحة أمامنا، ولكن ليس لديها مصلحة في ذلك، إنهم يتبعون المنطق الرأسمالي القائل: لا يمكن تحقيق ربح من الاستعداد لكارثة متوقعة. ولذلك لم يكونوا مهتمين بالأمر.
وتساءل تشومسكي هل يمكن أن تتدخل الحكومة؟ كما فعلت مع رعب شلل الأطفال، والذي انتهى بالفعل، وكذلك الحصبة وغيرها. لكن الحكومة لم تستطع التدخل، نظرًا إلى وجود الطاعون النيوليبرالي، ولأن الحكومة هي المشكلة وليست الحل، كما قال رونالد ريجان من قبل. ولذلك، لا يمكن للحكومة أن تتدخل.
واستدرك تشومسكي قائلًا: ومع ذلك، بُذِلت بعض الجهود لمحاولة الاستعداد لذلك. وفي الوقت الحالي، في نيويورك وأماكن أخرى، يضطر الأطباء والممرضات إلى اتخاذ قرارات مؤلمة بشأن من يموت أولًا؛ لأنهم ببساطة ليس لديهم معدات طبية. والنقص الرئيس يوجد في أجهزة التنفس.
وسبق أن بذلت إدارة أوباما جهدًا لمحاولة الاستعداد لذلك، حين تعاقدت مع شركة صغيرة كانت تنتج أجهزة تنفس عالية الجودة ومنخفضة التكلفة. ولكن هذه الشركة اشترتها شركة أخرى أكبر اسمها «كوفيديان» كانت تُصنِّع أجهزة تنفس صناعي فاخرة باهظة الثمن، وأوقفت المشروع. وبعد ذلك بقليل، لجأت الشركة إلى الحكومة لإنهاء العقد، والسبب هو أن المشروع لم يكن مربحًا، لذلك لم تتوفر أجهزة تنفس.
والأمر نفسه ينطبق على المستشفيات. ففي إطار البرامج النيوليبرالية، من المفترض أن تكون المستشفيات فعالة، ولكن حتى أفضل المستشفيات تسببت في آلام ومعاناة كبيرة للمرضى، حتى قبل تفشي الجائحة، بسبب نظام الرعاية الصحية الهادف للربح.
ولذلك، لدينا تركيبة من المنطق الرأسمالي، وهي مزيج مدمر ولكن يمكن السيطرة عليها، ولكن ليس في إطار البرامج النيوليبرالية، التي تقول أيضًا إن الحكومة لا يمكنها التدخل لفعل أي شيء عندما لا يفعل القطاع الخاص أي شيء. وعلاوةً على ذلك، أصبح الآن لدينا مشهد غريب في واشنطن؛ حكومة مختلة وظيفيًّا تمامًا، تسببت في مشكلات هائلة.
يتابع تشومسكي: كان من المتوقع حدوث جائحة طوال فترة حكم ترامب، وحتى قبل وصوله إلى الحكم. وكان رد فعله هو التوقف عن الاستعداد لذلك؛ حتى بعد تفشي الجائحة. وفي 10 فبراير (شبَّاط)، عندما كان الأمر خطيرًا بالفعل، أعلن ترامب ميزانيته للعام المقبل، والتي استمرت في عدم تمويل مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، والمؤسسات الحكومية الأخرى المسؤولة عن الصحة، وزيادة التمويل لإنتاج الوقود الأحفوري وصناعاته. يبدو الأمر وكأن البلاد تدار – أو هي بالفعل تدار- على يد أشخاص معتلين نفسيًّا. وبذلك، كانت النتيجة أننا قللنا من الجهود المبذولة للتعامل مع الجائحة التي تتشكَّل، وكثفنا من جهود تدمير البيئة في عهد ترامب، واحتلت الولايات المتحدة مقدمة السباق إلى الهاوية، وهذا يمثل تهديدًا أكثر خطورة من فيروس كورونا. هذا وضع سيئ وخطير، خاصة في الولايات المتحدة، لكننا سنتعافى بطريقة أو بأخرى، بعد دفع تكلفة باهظة. لكننا لن نتعافى من الاحترار الذي يؤدي إلى الدمار، ما لم نفعل شيئًا حياله.هذا ليس سرًّا؛ فمؤخرًا على سبيل المثال، أصدر بنك جيه بي مورجان تشيس مذكرة حذر فيها من أن «بقاء البشرية» معرض للخطر، إذا واصلنا المضي قدمًا في هذا الطريق. وهذا التحذير يشمل تمويل صناعات الوقود الأحفوري الذي يسهم فيه البنك نفسه.
علمت إدارة ترامب بذلك، ولكنها لم تحرك ساكنًا. بل يسعى ترامب جاهدًا لإيجاد كبش فداء يوجه إليه اللوم بعد إخفاقاته المذهلة وعدم كفاءته. والصين من جانبها تهاجم منظمة الصحة العالمية، وتسعى دول أخرى أيضًا لإيجاد من يتحمل المسؤولية عنها.
ولكن ببساطة الحقائق واضحة للغاية؛ إذ أبلغت الصين منظمة الصحة العالمية بسرعة كبيرة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي أنها وجدت مرضى يعانون من أعراض تشبه الالتهاب الرئوي والأسباب غير معروفة. وفي 7 يناير (كانون الثاني)، أعلنت الصين لمنظمة الصحة العالمية أن العلماء الصينيين اكتشفوا مصدر المرض: فيروس تاجي يشبه فيروس سارس، وقدموا المعلومات للعالم.
ولفت تشومسكي إلى أن المخابرات الأمريكية كانت على علم بذلك. وأمْضَت يناير وفبراير في محاولة إبلاغ شخص ما في البيت الأبيض للانتباه إلى حقيقة وجود جائحة كبيرة، ولكن لم يستمع أحد. وكان ترامب يمضي إجازته يلعب الجولف أو ربما يتحقق من تقييماته التلفزيونية. كما أن مسؤولًا كبيرًا رفيع المستوى ومقربًا جدًّا من الإدارة، هو بيتر نافارو، أرسل في أواخر يناير رسالة قوية جدًّا إلى البيت الأبيض أكد فيها أن هذا خطر حقيقي، ولكنه لم يجد آذانًا مصغية.
وجاء سؤال إيمي غودمن قائلة: ذكرتَ أن بيتر نافارو حذر من فيروس كورونا، الذي يمكن أن يقتل نحو مليون شخص. واستغل ترامب ذلك لفرض حظر على السفر إلى الصين، ولكن ذلك لم يؤدِ إلى النتيجة البديهية، والتي كانت تضمن أن تجري الولايات المتحدة الاختبارات المناسبة، وتوفر معدات الوقاية الشخصية، والأطباء والممرضات، وموظفي الرعاية في المستشفيات لعلاج المرضى ومساعدتهم على النجاة من الموت. وتبين أن وكالات المخابرات، حتى قبل نافارو، كانوا جميعًا يحذرون ترامب. هل بإمكانك التحدث عن هذه الإنذارات المبكرة، ولماذا يُعد إجراء الاختبارات وتجهيز معدات الوقاية الشخصية مهمة جدًّا؟
فأجابها تشومسكي: حسنًا، استمر ذلك حتى بعد انتشار الجائحة بالفعل. والآن، الميزانية المقترحة مذهلة؛ إذ خفَّض ترامب المخصصات الحكومية المتعلقة بالصحة. وفي الواقع، هناك استراتيجية ماهرة جدًّا. لا أعرف إذا كان مخططًا لها بوعي أم أنها مجرد رد فعل بديهي. لا أدري. لكن الإدلاء ببيان اليوم، ومناقضته غدًا، ثم الخروج بشيء آخر في اليوم التالي، أسلوب بارع حقًّا. هذا يعني أن ساحته ستُبَرَّأ مهما حدث. فإذا أطلقت سهامًا عشوائية، فإن بعضها سيصيب الهدف. إنهم يقولون: «انظروا إلى رئيسنا الرائع، أعظم رئيس عرفناه، إنه المُخلِّص…». وهذا أشبه ما يكون بأسلوب إطلاق أكاذيب مستمرة؛ فحينما تقول أكاذيب باستمرار، فإن ما يحدث هو أن مفهوم الحقيقة يختفي فحسب.
عرضت إيمي غودمن على ضيفها مقطع فيديو بعنوان «تحية إلى أبطال جائحة فيروس كورونا»، يسلط الضوء على وسائل إعلام يمينية، بالإضافة إلى أعضاء جمهوريين في الكونجرس وإدارة ترامب، كانوا يقللون من شأن جائحة فيروس كورونا أو يسخرون منها. وعلقت إيمي جودمان: هذا هو المذيع تريفور نواه يقدم «تحية إلى أبطال جائحة فيروس كورونا»، وهو الآن يقدم برنامجه «ذا ديلي شو» كل ليلة من المنزل، ليسهم في كبح جماح الجائحة. لذا، سيد تشومسكي، بينما تستمع إلى قناة فوكس نيوز وهؤلاء الأشخاص الذين ربما بعضهم من كبار مستشاري الرئيس، هل تُحمِّل ترامب المسؤولية؟ هل تقول إن يديه مخضبة بدماء الأمريكيين؟
فأجاب تشومسكي: ليس هناك أدنى شك في ذلك. يدلي ترامب ببعض تصريحات مجنونة، ومن ثم تُضخِّمها قناة فوكس نيوز. وفي اليوم التالي، يقول العكس في تصريحات أخرى، ومن ثم تُضخِّمها قناة فوكس نيوز. ودائمًا ما تكون لهجة التقارير مثيرة للاهتمام، وتصدر بثقة تامة. لا يوجد شيء من هذا القبيل: الثقة المطلقة. ويجب ألا ننسى أبدًا أن التهديد الأكبر يقترب أكثر فأكثر، بينما يقودنا ترامب إلى الدمار.
وأشار تشومسكي إلى الجزء الجنوبي من نصف الكرة الأرضية؛ حيث يوجد مجنون آخر، هو جايير بولسونارو، الذي يسعى لمنافسة ترامب على لقب أسوأ مجرم على سطح هذا الكوكب. يقول للبرازيليين: «هذا الفيروس لا شيء، إنه مجرد برد، ولا يصاب البرازيليون بالفيروسات، إننا محصنون ضدها». وبينما يحاول وزير صحته ومسؤولون آخرون أن يتدخلوا ويقولوا: «انتبهوا، هذا أمر خطير حقًّا»، فإن البرازيل تواجه أزمة رهيبة وصلت بالفعل إلى الأحياء الفقيرة البائسة في مدينة ريو دي جانيرو، حيث لا تفعل الحكومة شيئًا للناس. وتحركت عصابات المافيا لمحاولة فرض معايير صحية.
وفي الوقت الذي يواجه فيه السكان الأصليون إبادة جماعية افتراضية، لم ينزعج بولسونارو. وفي هذه الأثناء، تخرج دراسات علمية تحذر من أنه في غضون 15 عامًا، ستتحول غابات الأمازون من بقعة تمتص الكربون، إلى مصدر لإطلاق ثاني أكسيد الكربون. وهذا مدمر للبرازيل، وللعالم أجمع في واقع الأمر.
ولكن في الوقت نفسه، تتفاعل دول أخرى على نحو معقول مع الجائحة. وبمجرد أن بدأت الأخبار تخرج من الصين، بدأت الدول الواقعة على الأطراف الصينية في الاستجابة – تايوان وكوريا الجنوبية وسنغافورة – بفاعلية. ويبدو أن نيوزيلندا قَضَت على فيروس كورونا؛ ربما على نحو شبه كامل. ولكن عندما ننظر إلى أوروبا، نجد أن معظم أوروبا قد ترددت في المواجهة، لكن بعض الدول الأكثر تنظيمًا تصرفت على الفور. وسيكون من المفيد جدًّا للأمريكيين إجراء مقارنة بين هذيان ترامب وتصريحات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الرصينة والواقعية، وحديثها إلى الشعب الألماني ووصفها الدقيق لما يحدث وما يجب فعله.
في ختام الحوار، تسأل إيمي غودمنتشومسكي: ما الذي يمنحك الأمل؟ فيرد قائلًا: ينبغي أن أقول إنني أتبع نظامًا صارمًا؛ لأن زوجتي فاليريا تتولى المسؤولية، وأنا أتبع أوامرها. لذا أنا وفاليريا في عزلة. لكن ما يعطيني الأمل هو الإجراءات التي تتخذها المجموعات الشعبية في جميع أنحاء العالم. على سبيل المثال: هناك الأطباء والممرضات الذين يعملون لساعات إضافية في ظروف بالغة الخطورة، ويفتقرون، خاصة في الولايات المتحدة، إلى الحد الأدنى من الدعم، ويضطرون إلى اتخاذ مثل هذه القرارات المؤلمة حول مَن سيموت غدًا. إن الضريبة التي يدفعونها تعد نموذجًا لما يمكن فعله، إلى جانب الإجراءات الشعبية، هذه كلها مؤشرات إيجابية للغاية.
واستدرك تشومسكي قائلًا: لكن بالنظر إلى التاريخ الحديث، نجد أن هناك أوقات بدت فيها الأمور بائسة ويائسة. وبالعودة إلى طفولتي المبكرة، في أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات من القرن الماضي. بدا الأمر وكأنه لا مفر من الطاعون النازي الذي يحقق نصرًا تلو الآخر، وكان يبدو أنه عَصِي على الإيقاف. كان هذا هو التطور الأكثر رعبًا في تاريخ البشرية. لكن اتضح بعد ذلك – وهو ما لم أكن على دراية به في ذلك الوقت – أن المخططين الأمريكيين كانوا يتوقعون تقسيم عالم ما بعد الحرب بين عالم تسيطر عليه الولايات المتحدة، وآخر تسيطر عليه ألمانيا، بما في ذلك كل أوراسيا؛ إنها فكرة مرعبة. حسنًا، لقد تغلبنا عليها.
وكانت هناك حركات تدافع عن الحقوق المدنية، وحاولت تشجيع المزارعين السود في ألاباما على الذهاب للتصويت، على الرغم من التهديد الخطير بقتلهم. هذه كانت نماذج لما يمكن أن يفعله البشر وما فعلوه بالفعل. ونرى اليوم كثيرًا من المؤشرات على ذلك، وهذا هو أساس الأمل.” (ترجمة “ساسة بوست”)