غالبا ما لا تسمح الوقت في الجلسات العمومية لمجلس النواب بتبليغ جميع المطالب إلى الحكومة، في مدة وجيزة، عكس ما يقع داخل اللجان الدائمة، لذلك كتبت اليوم كلمة مقتضبة تتضمن أبرز اهتمامات المواطنات والمواطنين، وتعمدت الارتجال في المداخلة، وبعد انتهاء التوقيت المحدد لها، في حدود ست دقائق، وضعت النص الكامل للكلمة بين يدي رئيس جلسة الأسئلة الشفوية الأسبوعية ليومه الاثنين 27 أبريل 2020، بهدف إحالتها على الحكومة، وفيما يلي نصها الكامل:

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد وأشرف المرسلين؛
السيد الرئيس المحترم؛
السيد الوزير المحترم؛
السيدات والسادة النواب المحترمون؛
يشرفني أن اتناول الكلمة بإسم الفريق الإشتراكي، في إطار مناقشة استراتيجية وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة لمواجهة فيروس كورونا ـ كوفيد 19، خاصة مع تمديد حالة الطوارئ الصحية واستمرار تفشي الوباء عبر العالم، وما يفرضه من تحديات غير مسبوقة، دوليا ووطنيا، خاصة بعد استفحاله على مستوى البؤر المهنية.
السيد الوزير المحترم، أليس من العدل اليوم، في إطار ما يفرضه المنطق وقواعد العدالة، أن نعتبر الأجير المصاب بهذا المرض مصابا بمرض مهني؟
صحيح أنه يتعلق بخطر يهدد كل أفراد المجتمع، لكن الوضع الحالي ببلادنا بعد استفحاله في بؤر مهنية، تبين أنه يتعلق بغياب شروط الصحة والسلامة في أماكن العمل، والإصابات التي تسجل في الآونة الأخيرة كلها إصابات ذات طبيعة مهنية، حيث توجد العلاقة السببية بين الشغل والإصابة بالمرض.
فالمشرع بموجب الفصل 2 من ظهير 31 ماي 1943 الممتدة بموجبه إلى الأمراض المهنية مقتضيات القوانين التشريعية الصادرة بشأن التعويض عن الأضرار الناجمة عن حوادث الخدمة، لم يعقد الأمر بل جعله قرارا وزاريا فقط، لذا يتعين اليوم، أن يصدر وزير الشغل والإدماج المهني قرارا، يوسع بموجبه القرار الأخير رقم 160.14 الصادر بتاريخ 21 يناير 2014، ليضيف مرض كوفيد 19 إلى لائحة الأمراض المهنية، بعد استطلاع رأي وزير الصحة.
وعلى هذا الأخير، أي وزير الصحة، أن يحدو نهج نظيره الفرنسي الذي صرح يوم الثلاثاء 21 أبريل المنصرم بأن الحكومة الفرنسية ستعتبر الإصابة المهنية للأطر الطبية ومساعديهم بمثابة مرض مهني، وأن تعمل حكومة بلادنا على توسيعها لتشمل كل المهن المتواجدة في مجابهة ومواجهة هذا الوباء الفتاك، من عمال الإنعاش الوطني، أعوان السلطة، مستخدمين في النقل المهني ووكلاء الحسابات والأمن الخاص والنظافة والموزعين، والأطر الطبية من ممرضين وأطباء، وعناصر القوات المساعدة، وحراس السجون والعسكريين والوقاية المدنية والدرك الملكي والأمن الوطني ورجال السلطة…إلخ.
إن من بين أحسن ما يمكن تقديمها للشغيلة المغربية بمناسبة فاتح ماي لهذه السنة هو اعتبار الإصابة المهنية بكوفيد 19 مرضا مهنيا.
السيد الوزير المحترم، لقد أعطى جلالة الملك توجيهاته من أجل إحداث “الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا ـ كوفيد 19″، وعلى الحكومة أن تتحمل مسؤوليتها الكاملة، من أجل إيصال اعتماداته المالية للفئات المستهدفة والمستحقة، فالعديد من الأسر الفقيرة والهشة لم تستفد من هذه المبادرة المتواضعة والهزيلة، لكونها لا تتوفر على نظام التغطية الصحية ولا تشتغل في القطاع المهيكل، ولا في غير المهيكل، كما لا ترغب في تقديم تصريحات مغلوطة من أجل الحصول على الدعم، وفق ما قامت به العديد من المقاولات التي تقتنص الفرص.
أما فئة نظام التغطية الصحية “راميد” فقد أصبح الغني والفقير يستفيدان منه على حد سواء، بل في أحيان كثيرة، يحرم الفقير ويستفيد الغني، إذ العديد من الأسر الفقيرة والهشة ماتزال ملفاتها قيد المعالجة بسبب بطء إجراءات اللجان المحلية، واليوم تحرم من الدعم لهذا السبب، ناهيكم عن تعثر العملية على مستوى العديد من الجماعات ذات الطبيعة القروية. أما القطاع غير المهيكل فحدث ولا حرج، شباب يعيلون أسرهم، وأغلقوا محلاتهم، واليوم يفاجؤون باستفادة الأسر فقط.
إننا اليوم، أمام تحد اجتماعي حقيقي، للحفاظ على الانضباط للحجر الصحي، وتجاوزه رهين بتوفير مقومات العيش الكريم، لكل الفئات الفقيرة والمعوزة التي تخضع للحجر الصحي، وتكثيف المبادرات المؤسساتية الداعمة للتخفيف من حدة معاناتهم، ووقف كل أشكال العبث من قبيل تقديم المساعدات السياسية من طرف ذوي النوايا السيئة واستغلالهم البشع للفقر والهشاشة، وكل أنواع الاتجار في المآسي والاقتيات على الجنائز بمباركة بعض المسؤولين.
السيد الوزير المحترم؛
ومن خلال نظام الامتيازات الممنوح في المأذونيات، إن فئة كبيرة من سائقي ومهنيي سيارات الأجرة أصبحوا اليوم عرضة للضياع، فهم مطالبون بالبحث عن لقمة العيش من جهة، وعن أداء مستحقات كراء المأذونيات من جهة ثانية، وهم في وضعية عطالة قسرية، فما هو مصيرهم؟ وهل هذا يشكل تنزيلا لمبدأ التضامن والتآزر المجتمعي؟
فاليوم الحكومة مطالبة بأن تأخذ خطوة جريئة ومبادرة إيجابية من أجل مجتمع متضامن، وتقرر إعفاء هذه الفئة من أداء واجبات كراء المأذونيات وكل الرخص خلال مدة الحجر الصحي، كما يجب عليها أن تأخذ العبرة من قرار جلالة الملك الرامي إلى إعفاء مكتري المحلات الحبسية المخصصة للتجارة والحرف والمهن والخدمات، والسكنى ما عدا الموظفين، من أداء الواجبات الكرائية، وهو القرار الذي يسري طيلة مدة الحجر الصحي، وينبغي أن يسري على جميع المؤسسات العمومية والجماعات الترابية، وكذا دراسة الأزمة التي يعيشها مكترو المحلات التجارية العاطلة خلال مدة الحجر الصحي، وإيجاد حلول لها.
السيد الوزير المحترم؛
مطلبنا من أجل أداء مستحقات الماء والكهرباء، هو مطلب ملح، وهو أن تؤدى للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب من اعتمادات الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا ـ كوفيد 19، وتقتصر على الأقل، على الديون المترتبة بذمة الأسر التي يقف استهلاكها في حدود الأشطر الاجتماعية خلال مدة الحجر الصحي.
أما القروض المسلمة للفلاحين الصغار، وتحديدا “تمويل الفلاح”، فهي قروض تستهدف دعم صغار الفلاحين. ألم يحن الوقت بعد، مع توالي سنوات الجفاف إلى إصدار قرار الإعفاء منها؟ أو على الأقل إسقاط الفوائد المترتبة عليها؟ فالعديد منهم، خاصة مربو الماشية، بعد إغلاق الأسواق الأسبوعية لم يعد لديهم مكان لبيع مواشيهم، وبالتالي تعذر عليهم اقتناء حتى الأعلاف المدعمة، ألم يحن الوقت لتوزيع الأعلاف المدعمة مجانا على هذه الفئة باعتماد سجلات تلقيح المواشي؟
وقس على ذلك جشع الأبناك التي تقتطع اليوم للفقراء من الدعم الموجه إليهم، وتعمل على إعادة جدولة القروض والرفع من الفوائد بناء على قبولها تأجيل التسديد، فلا تضامن ولا تعاون في هذه التصرفات، بل هذا يسمى بالابتزاز ومص الدماء، أضف إلى ذلك تقاعس مقاولات التأمين وإعادة التأمين الرابح الأكبر من هذه الأزمة على الانخراط في التضامن والتلاحم الوطني.
السيد الوزير المحترم؛
لقد آن الآوان، لتصحيح المسار، والانتقال من حكومة في وضعية امتناع عن القيام بالواجب، إلى حكومة فاعلة، فيجب عليها أن تتحمل مسؤوليتها في وقف شجع المضاربين والمحتكرين والمتهافتين وراء الربح غير المشروع، فحماية المال العام، وضمان وصوله إلى الفئات المستحقة من فقراء ومقاولات في وضعية صعبة هي مسؤولية الحكومة، فلا نريد أن نسمع كثرة الكلام والانتقادات لهذا السلوك، في اللجان والاجتماعات من طرف الوزراء، بل نريد حكومة تفعل المتابعات القضائية من أجل عدم الإفلات من العقاب، وتلزم أرباب الوحدات المهنية بتوفير شروط الصحة والسلامة في أماكن العمل، تحت طائلة اللجوء إلى الإغلاق الفوري لوحداتهم.
فهل يقبل المنطق وجود مقاولات لا تتوفر على رصيد احتياطي لمدة ثلاثة أشهر خاصة بأجور المستخدمين؟ وهل يعقل لمؤسسات تعليمية تمتص دماء الآباء أن تصرح بتوقف أطرها التربوية، والحكومة ماتزال تعتبرها منخرطة في عملية التعليم عن بعد؟ ألا يكفي هذا للإعلان عن فشل التعليم عن بعد؟ ما دمتم لم تعترفوا بعد بتعثره، نتاج غياب تكافؤ الفرص بسبب الفقر والهشاشة وغياب البنيات التحتية من شبكات الكهرباء والأنترنيت في العديد من القرى والجبال.
السيد الوزير المحترم؛
إن استعمال الاحتيال لإيقاع الدولة في الغلط بتأكيدات خادعة أو إخفاء وقائع صحيحة، ودفعها بذلك إلى أعمال تمس مصالح الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا “كوفيد ـ19″، ومصالح الفئات الفقيرة والهشة التي أحدث هذا الصندوق من أجلها، بقصد الحصول على منفعة مالية، يعتبر جريمة نصب، وعليكم تفعيل القانون.
فلنساهم جميعا في العبور إلى بر الأمان بالتزام ومسؤولية.


والسلام عليكم.

الإثنين : 27 أبريل 2020.الموافق ل 03 رمضان 1441.هج