تظل التكنولوجيا تشكل الأطراف الاصطناعية للإنسان, وبالتالي فكل خطوة تخطوها البشرية في مجال تطور التكنولوجيا سينعكس بالضرورة على تطور طابع القوى المنتجة وملحقاتها الاجتماعية والفكرية، وما يرافقها من ملحقات أخرى في تطور المجال الروحي ـ السيكولوجي للبشرية. فالتطور الذي حدث في مجال المعرفة لأوروبا على سبيل المثال منذ قيام الثورة الصناعية، أثر تأثيراً شاملاً وقوياً في معظم جوانب نشاط الإنسان المادية والروحية لـ (الفرد والمجتمع)، ليس في أوربا فحسب، بل وفي عالم الأطراف، إن كان على مستوى الوعي الاجتماعي والفردي، أم على المستوى النفسي والسلوكي للفرد والمجتمع. بيد أن ما أحدثته الثورة العلمية / التكنولوجية في أوروبا، التي ابتدأت أسسها المنهجية مع قيام الثورة الصناعية من تغيير لوجه العالم الحديث والمعاصر، لم يكن تأثيرها المادي والروحي على كل مجتمعات أوروبا والأطراف واحداً عبر أوساطها الاجتماعية. ففي دول الأطراف عامة، ومنها وطننا العربي على وجه الخصوص، راحت نتائج هذه الثورة تسير سيراً بطيئاً ومتنوعاً ومعقداً للغاية. وكذلك على مستوى دول الأطراف عموماً مستويات متفاوتة، إن كان على المستوى الوطني أو الدولي أو المحلي، وأخيراً على المستوى الاجتماعي في اتجاهاته الأثنية والدينية…الخ.‏ 

     نعم إذا كانت الثورة العلمية / التكنولوجية الحديثة والمعاصرة تحمل في كل حالة من حالاتها التي تحدث في البلدان المنتجة لها ـ أي أوروبا هنا ـ طابعاً اجتماعياً منسجماً في مكوناته وما تفرزه من معاناة نجدها مثلاً في تسويق الإنسان وتذريره وتشيئه واستلابه وتغريبه، إلا أنها تحمل في البلدان النامية ـ الأطراف ـ طابعاً أكثر خصوصية، والسبب في ذلك يعود أساساً، لكون الذي يقوم بإنتاج المعرفة واستهلاكها، غير الذي يقوم باستهلاكها فقط. فمجتمعات الإنتاج والاستهلاك المعرفي (العلمي ـ التكنولوجي)، تمتاز عن غيرها بكونها عبر عملية الإنتاج والاستهلاك هذه، استطاعت أن تخلق مجتمعات أكثر انسجاماً مع الذات، هذا الانسجام الذي راح يتجلى بخاصة في القدرة على ردم الهوة ما بين الماضي والحاضر لشعوب تلك المجتمعات. فالتطور العلمي ومفرزاته، خلقا إنساناً جديداً منسجماً مع واقعه ـ على الأقل ـ الذي أنتجه هو بنفسه، بمعاناته، لذلك لم يعد هذا الواقع غريباً عنه كي يدفعه للبحث عن فردوسه المفقود، برغم كل ما يحمله هذا الواقع المعاش من ظلم وقهر ومآسٍ لـه. إضافة إلى ذلك، هناك مسألة هامة ساعدت على خلق ذاك الانسجام مع الذات، لابد من الإشارة إليها هنا، وهي إنه, كلما تطورت وسائل الإنتاج (التكنولوجيا)، كلما ولدت مع تطورها مجالات جديدة للإنتاج، وبالتالي، زج الإنسان المنتج نفسه لممارسة نشاطه عبر هذه المجالات التي ستخلق عنده بالضرورة مهارات وسلوكيات ووعياً جديداً يتناسب مع طابع الإنتاج الجديد. أي أن الإنسان يبدل ذاته دائماً مادياً وروحياً، في كل مرة يمارس فيها عملاً جديداً. ففي العمل حقاً يبدل الإنسان في الطبيعة ويبدل في نفسه أيضاً.‏ 

     أما في دول أو مجتمعات الأطراف، فحالة الانسجام مع الذات تُفتقد هنا، بسبب استمرارية تعايش وتفاعل عناصر التقليد المتجذرة في هذه المجتمعات وعدم قدرتها على الانسجام مع الصناعات المبكرة، وما يرافقها من علاقات اجتماعية وثقافية جديدين تفرضها التكنولوجيا المستوردة. 

     إن حالة التركيب الثقافي القائم ما بين القديم والجديد في مجتمعات الأطراف ومنها وطننا العربي على سبيل المثال، هي التي تحدد بدورها حالة الخلل والتمايز الثقافي بين هذه المجتمعات والمجتمعات الأوروبية المتقدمة أيضاً. وبالتالي فإن عملية كشف آلية التركيب القائم ما بين التطور العلمي / التكنولوجي، ومفرزاته المادية والاجتماعية والروحية في الغرب، مع الوضعية الثقافية لبلدان الأطراف يدفعنا للنظر في التالي:‏ 

     أولاً: إن غياب مسألة (إنتاج) العلم / التكنولوجيا المتطورة في هذه البلدان، لم يساعد على خلق علاقات إنتاج جديدة، وما يرافقها من علاقات اجتماعية وسياسية وفكرية تتناسب معها، الأمر الذي أبقى الهوة واسعة ما بين الماضي التقليدي بكل ثقله، والحاضر، فالماضي لا زال قوياً ومتماسكاً في بلدان الأطراف.‏ 

     ثانياً: إن سيادة الماضي بكل ثقله، يعني بقاء الوجود الاجتماعي محافظاً على طبيعته منذ مئات السنين، أي عدم وجود تطور في المجتمع بمفهومه الواسع، وبالتالي عدم خلق علاقات إنتاجية جديدة تولد بالضرورة قوى اجتماعية جديدة لها مصلحة حقيقية في تحقيق التطور. أي فقدان الحامل الاجتماعي المؤهل لقيادة عبء المشروع الثقافي / النهضوي القادر على تحقيق التوازن مع الذات الفردية والاجتماعية.‏

عدنان عويد كاتب وباحث من ديرالزور- سورية

 

ملاحظة: هذه المقالة أخذت فكرتها من دراسة نشرت لي عام 2014 بعنوان : (الثقافة والتطور العلمي التكنولوجي.).