مشروع قانون رقم 22.20 يتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة، أو ما يسمى بمشروع القانون المتعلق بترسيم الكمامات على طول، أحيل على أعضاء الحكومة بمراسلة الأمين لعام للحكومة عدد 0076/د بتاريخ 18 مارس 2020، بعد إضافته لجدول أعمال المجلس الحكومي بناء على مراسلة مماثلة تحت عدد 0077/ الديوان بتاريخ 18 مارس 2020، وهو نفس اليوم الذي صدر فيه بلاغ وزارتي الداخلية والصحة بشأن إعلان حالة الطوارئ الصحية، اعتبارا لما تقتضيه المصلحة الصحية العامة للبلاد.
وتداول المجلس الحكومي بشأنه في الاجتماع المنعقد يوم الخميس 19 مارس 2020، وتمت المصادقة عليه مع الأخذ بعين الاعتبار الملاحظات المثارة، التي سيتم دراستها من قبل اللجنة التقنية ثم اللجنة الوزارية المشكلتين لهذا الغرض، وأعلن أنه جاء في سياق التدابير القانونية والمؤسساتية التي تقوم بها المملكة لمكافحة الأنماط المستجدة من الجريمة الإلكترونية.
السؤال المطروح بحدة، لماذا لم يكشف بلاغ المجلس الحكومي تفاصيل مشروع القانون لحظة تدارسه؟ ومن وراء صياغة هذه الانتكاسة الحقوقية؟ ولماذا لم يتم التطرق إلى أسباب نزوله، المتعلقة أساسا بتقرير توصلت به رئاسة الحكومة مباشرة بعد رفع المقاطعة الاقتصادية، أي قبل التعديل الحكومي؟
نعم، كان هناك اعتراض في المجلس الحكومي على بعض مواد المشروع، وإنه لا زال على شكل مسودة عرضت لتدارسها، وأعدت للنقاش وإعادة الصياغة من قبل اللجنة التقنية ثم اللجنة الوزارية، وهذا المسار تمر عبره عدة مشاريع التي قد تصل مسودتها الأولية إلى أكثر من عشر نسخ، قبل أن يتخذ مساره التشريعي بتوقيع من طرف رئيس الحكومة وإحالته على البرلمان.
لكن، لماذا تطرق الإعلام بعد المجلس الحكومي إلى المصادقة على مشروع قانون ينظم التواصل عبر شبكات التواصل الاجتماعي وزجر المخالفين، دون أن يتناول باقي مضامينه؟ خاصة ما يرتبط بمحاولة الحكومة ترسيم الكمامات على طول، والتراجع عن الحقوق المكتسبة للمواطنات والمواطنين؟
ولماذا بالضبط في هذه اللحظة التاريخية، التي تعيش فيها بلادنا أزمة خانقة، يعمد مسؤول حكومي، صادق على مشروع قانون ترسيم الكمامات، ليناقش بعض مواده ويلعب فيها دور البطل في الفضاء الأزرق بدل الفضاء الحكومي الذي يتيح له دورا تقريريا؟
أسئلة وأخرى، يمكن الوصول إلى الإجابة عنها، بعد تحليل بسيط لمجريات الأحداث منذ إعلان حالة الطوارئ الصحية ببلادنا، وما حققته بلادنا من تلاحم وطني، مما مكن جهاز الدولة من قيادة التلاحم والتعاون بين مختلف السلط والمؤسسات من جهة والمواطنات والمواطنين من جهة ثانية، بمختلف المشارب والمستويات والتوجهات، في سياق كتلة وطنية جامعة وموحدة وراء القيادة الملكية، الأمر الذي ساهم في نجاح الدولة بجميع مؤسساتها، الملكية، التشريعية، التنفيذية والقضائية، في استعادة ثقة المواطنات والمواطنين، والتي اتخذت أبعادا إفريقية ثم عالمية، حيث إشادة المنتظم الدولي بالإجراءات والتدابير الاحترازية التي قامت بها الدولة المغربية بتوجيهات ملكية من أجل محاصرة انتشار جائحة فيروس كورونا.
نعم، هذا يستفز بعض العقول المتحجرة، التي تسبح ضد التيار لزعزعة التلاحم الوطني عبر قطع أوصال الثقة التي عادت إلى الواجهة في هذه الظرفية الحاسمة، من خلال تصرفات مختلفة انطلقت من خلال انتقاد قرار الحجر الصحي وفتوى إغلاق المساجد والخروج في مسيرات ضد فيروس كورونا، وفبركة أشرطة وصور الهدف منها المساس بالأمن والاستقرار في فترة حالة الطوارئ الصحية، …. وصولا إلى السكوت على مشروع القانون وإخراجه كورقة لإشعال الفتنة في عز أيام التضامن والتلاحم.
طبعا، ما حققته بلادنا من عودة تحكم جهاز الدولة في القيادة، يستفز العديد من العقول، التي تهدف اليوم إلى العودة بها إلى الوراء على جميع المستويات، وفي مقدمتها المجال الحقوقي.
فتسريب صيغة غير نهائية لا إشكال فيه، لأنه في الأصل ينبغي أن يتسم عمل الحكومة بالشفافية والوضوح منذ التفكير في القيام بهذه الخطوة الخطيرة، وهو ما لم نلمسه فيها على الدوام. لكن الإشكال الحقيقي اليوم، يكمن في تراجع الحكومة برئيسها الذي قدم البرنامج الحكومي والتزم من خلاله على تقوية منظومة الحقوق والحريات، وها هو اليوم يشن حملة شرسة ضد حرية الفكر والرأي والتعبير، ويحاول التطاول على مكتسبات البلاد.
وعودة إلى ما تطرقت إليه في المقالة السابقة، مهما سميت هل هي مسودة أم مشروع، لن تنال صوت الغيورين على هذا الوطن، بغض النظر على من أعد مشروع القانون، هل الوزير الحالي أم السابق؟ ومن طالب بإحالته على اللجنتين التقنية والوزارية المشكلتين لهذا الغرض، لإعادة صياغته ومراجعة حمولته، هل هو الوزير الاتحادي أم وزير أخر؟ خاصة أن مسؤولية رئيس الحكومة ثابتة في هذه الفبركة والكولسة والانتكاسة الحقوقية.
فنقاش اليوم، هو نقاش صحيح، ويدور حول منطوق المادة المتضمنة في المسودة الأولية، وهو في نفس الوقت رسالة واضحة موجهة إلى رئيس الحكومة من أجل مراجعة التوجه العام لحكومته بجميع أعضائها.
ولنذكر في السياق ذاته، بمشروع القانون رقم 10.16 يقضي بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، الذي صحح فيه الوزير الاتحادي مسطرة التشريع، بعدما أكد على ضرورة عودته إلى المجلس الحكومي، ليطلع عليه، لكونه مشروع حكومة سابقة، واصفا إياه بكونه يعيش غربة دستورية ومجتمعية قاتلة، مؤكدا أنه ليس من صلاحيته قبول تعديلات ورفض أخرى، دون الاطلاع عليه من طرف المجلس الحكومي، وهو ما لم ينل إعجاب الوزير السابق الذي أعده، ولا شك أن مصيره هو نفس مصير مشروع قانون رقم 22.20 يتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة، لأنه ببساطة المرجعية الحقوقية في الدفاع عن الحريات العامة والفردية لدى الاتحاديين، مرجعية ثابتة غير قابلة للتغيير.
لا لإقرار مشروع قانون ترسيم الكمامات وهدم الثقة في المؤسسات.