المغاربة والطب تاريخيا، علاقة معرفة أم علاقة جهل

تقديم

كيف دخل الطب الحديث إلى المغرب؟ وضمن أية ظروف، وفي أية سياقات؟ وأين بنيت أول مؤسسة استشفائية حديثة بالمغرب؟ من بناها وما هي الأدوار التي لعبتها؟. تلكم بعض من الأسئلة التي تحاول هذه الحلقات، ضمن فسحة رمضان 2020، أن تجيب عنها.

والغاية، ليست فقط تتبع خريطة ميلاد “خدمة الصحة العمومية” ببلادنا، وكيف تم رسمها منذ 1910 ميلادية، بل تقديم معلومات تفسر كيف أن صدمة الإستعمار التي جعلت المغربي (في النخبة وفي المجتمع) يصطدم مع الحداثة الصناعية والإقتصادية والسياسية، التي غيرت من وعيه لذاته وللآخرين وللعالم.. كيف أنها حققت ذلك ليس بالضرورة فقط عبر المدفع والرشاش والرصاص، بل أيضا من خلال نوعية الخدمات المدينية الجديدة التي جاءت مع المستعمر. وليس اعتباطا ما قاله في إحدى رسائله إلى قيادته العسكرية العامة بباريس، الماريشال ليوطي (أول مقيم عام فرنسي بالمنطقة التي احتلتها باريس من التراب المغربي)، حين خاطبها قائلا: “أرسلوا لي 4 أطباء، سأعيد إليكم 800 عسكري”.

إن ما سأحاول تتبعه معكم هنا، هو قصة ميلاد خدمة الطب الحديث بالمغرب، من خلال قصة ميلاد العديد من المؤسسات الطبية بمختلف المدن المغربية من الدار البيضاء حتى أكادير، مرورا بالرباط، فاس، مكناس، مراكش، ابن أحمد، سطات، خنيفرة، الخميسات، وجدة، قلعة السراغنة، الصويرة، آسفي، الجديدة، القنيطرة، سلا وغيرها كثير. معززا بصور نادرة تنشر لأول مرة بالصحافة الوطنية المغربية. وأيضا كيف ولدت الصيدلة بالمغرب ومعهد باستور وطب الأسنان والطب النفسي والعقلي والطب المدرسي… إلخ.

هي رحلة في جزء منسي من ذاكرتنا الجماعية، كما صنعها الإحتكاك مع الحداثة من خلال بوابة الطب والصحة العمومية. والمناسبة شرط كما يقال، ونحن نعيش عصر مواجهة جائحة عالمية مثل وباء كورونا.

لحسن العسبي

حين أصدر الطبيب الفرنسي لوسيان راينو، كتابه “دراسات حول النظافة والطب بالمغرب” سنة 1902، من موقعه كمسؤول طبي فرنسي بالجزائر (كان يشرف أساسا على إصدار مجلة “النشرة الصحية للجزائر”)، والذي توفي هناك سنة 1931، كانت أغلب الدراسات الطبية المنجزة بالمغرب، ينجزها أطباء أو باحثون في علوم الأمراض (التي كانت توصف إما ب “الأمراض المتوسطية” أو “الأمراض الإفريقية”)، جاؤوا إلى المغرب ضمن بعثات ديبلوماسية رسمية. من ضمنهم أطباء ألمان وإنجليز وفرنسيون، لعل أكثرهم شهرة الدكتور ليناريس (فيرناند جون)، الذي عاش سنوات طويلة بالمغرب، أولا كطبيب عسكري قادم من الجزائر، ثم كوسيط ديبلوماسي حاز ثقة كبيرة لدى السلطان مولاي الحسن الأول، وصار شبه طبيبه الخاص أيضا. تعلم العربية والدارجة المغربية، ما مكنه أن يكون الأجنبي الوحيد الذي لم يصنف ضمن ما كان يطلق عليه “الحرابة” (أي الأجنبي الذي تجب الحيطة منه)، وسمح له بمرافقة ذلك السلطان في رحلته الشهيرة إلى تافيلالت حيث ضريح الأب المؤسس للدولة العلوية، وكان ذلك أمرا غير مسبوق يقوم دليلا على المكانة التي بلغها ذلك الطبيب الفرنسي ببلاط السلطان وداخل مؤسسة المخزن المغربية (حتى وإن كان المؤرخ المغربي الناصري في كتابه الإستقصا يؤكد أنه كان مجرد جاسوس لبلاده فرنسا بالمغرب).

دون إغفال أيضا أدوار وكتابات الطبيب الفرنسي هنري بول جوزيف رينو (عاش ما بين 1881 و 1945)، الذي أصدر سنة 1934 كتابا هاما حول تاريخ الطب بالمغرب، أو على الأصح محاولات التحديث الطبية بالمغرب خلال القرن 19، أشار فيه إلى أنه اعتمد على كتابات ومؤلفات من يمكن أن يوصف بأنه أول طبيب مغربي، درس الطب الحديث أكاديميا وتطبيقيا، الطبيب عبد السلام بن محمد العلمي، خاصة كتابه “البدر المنير في علاج البواسير”. وكلاهما (أي الدكتور رينو والطبيب العلمي) أحال عليهما كثيرا المؤرخ المغربي عبد العزيز بنعبدالله الرباطي في كتابه القيم والنادر “الطب والأطباء بالمغرب”.

الحقيقة، إن قصة الطبيب المغربي، عبد السلام العلمي، تستحق دراسة مفصلة مستقلة، كون سيرته وقصة حياته تقدم واحدة من الأدلة على محاولات النخبة بالمغرب للإصلاح، من باب الحداثة والعلم، خلال القرن 19 (عاش ما بين 1830 و 1904). مثلما أن تجربته الطبية بالبلاط السلطاني بالمغرب جد هامة، كونه عاصر أربعة سلاطين مغاربة هم مولاي عبد الرحمان، محمد الرابع، الحسن الأول ومولاي عبد العزيز. ويعتبر من أوائل الطلبة المغاربة الذين هاجروا إلى مصر (القاهرة) لدراسة الطب الحديث على يد الطبيب الفرنسي الشهير أنطوان بارتيلومي كلو، وعمل معه بمستشفى القصر العيني بالقاهرة الذي كان يضم مدرسة الطب العصري بمصر ومنها تخرج طبيبا.

هكذا، فإنه بالعودة إلى المصادر الفرنسية التي دونت معلومات طبية حول المغرب (علما أن هناك مصادر أخرى إنجليزية وألمانية وإسبانية لم تجد طريقها للأسف أبدا إلى الترجمة باللغة العربية)، فإن كتاب “دراسات حول النظافة والطب بالمغرب” الصادر سنة 1902، لصاحبه الطبيب لوسيان راينو. وكتاب “حال معرفتنا حول الطب القديم بالمغرب” لصاحبه الطبيب هنري بول جوزيف رينو، الصادر سنة 1934. أقول إنها تقدم لنا ملامح لخريطة الواقع الصحي والطبي بالمغرب، قبل فرض الحماية عليه، وتقسيم أراضيه بين الحماية الفرنسية بالوسط (الغني فلاحيا وبالمعادن) والحماية الإسبانية في الشمال وفي صحرائه الغربية ، ثم المنطقة الدولية بطنجة ومحيطها عند مضيق جبل طارق.

هنا نود الإنطلاق من سؤال مركزي، سيكون مادة كتابتنا في كل ما سيلي من معلومات حول قصة الطب الحديث بالمغرب، هو:

ما هي خريطة الحالة الصحية للمغاربة قبل 1912 وأثناءها وبعدها؟ وكيف تم التأسيس والتقعيد للبنى الطبية الحديثة بالمغرب منذ بداية الحماية؟. أي ما هي خريطة تأسيس أول المؤسسات الطبية العصرية والحديثة بالمغرب، أين كانت وما هي أدوراها، وما هي الخريطة الصحية والطبية للمغرب وكيف ولدت، وما هي بنيتها الإدارية وإطارها التنظيمي والقانوني؟.

نعم، هي أسئلة كبيرة وكثيرة، لكن مادة الجواب متوفرة حولها لحسن الحظ، بسبب انتصار المرجعيات الغربية عموما لمكرمة التدوين (وبتدقيق علمي وأكاديمي كبير)، يسمح بالجواب عليها جميعا.

كل المراجع الطبية التي كان موضوعها قصة الصحة بالمغرب، توقفت مطولا عند معطيين مركزيين. الأول هو أن المغاربة عبر تاريخهم الطويل (كدولة وهوية مجتمعية وحضارية)، قد أنتجوا معرفة طبية مهمة وكبيرة منذ تأسيس الإمبراطوريات الكبرى بالمغرب، خاصة منذ العهد الموحدي. وأنهم من المجتمعات التي بلورت فكرة إنشاء مؤسسات وبنايات مخصصة فقط للتطبيب والعلاج، عرفت ب “المارستان”، أشهرها مارستان مراكش وهو الأقدم، بناه السلطان الموحدي أبويوسف يعقوب المنصور سنة 1184 ميلادية (ويعتبر أول مارستان ومستشفى من نوعه تأسس في العالم، بأقسام طبية تخصصية متعددة وبقسم خاص بالطب العقلي)، ثم مارستان فاس، المعروف بمارستان سيدي فرج والذي بني في العهد المريني سنة 1286 ميلادية، وبقي يعمل حتى سنة 1944 ميلادية، ومنه اقتبس الإسبان فكرة بناء مستشفى فلانسيا سنة 1410 ميلادية، الذي يعتبر أول مستشفى للأمراض العقلية بأروبا، كما تؤكد ذلك الجمعية المغربية لتاريخ الطب. وأخيرا مارستان سلا، الشهير بمارستان سيدي بنعاشر في القرن 14 الميلادي. وأنها مؤسسات كانت تمنح شهادات علمية لممارسة مهنة الطب، لا يسمح للطبيب المعالج بمزاولة مهنته تلك سوى بورقة موقعة من لجنة علمية تضم أيضا ممثلا عن السلطة المركزية للدولة. مما يعني أن سؤال الطب وإنتاج المعرفة الطبية، بشروط العصر، قد كانت متوفرة عند المغاربة من القرن 11 إلى حدود القرن 17. وبعد قرنين ونصف من ما يمكن وصفه ب “البيات الطبي” معرفيا، المندرج ضمن انكفاء على الذات سلبي جدا في تاريخ المغرب، بسبب عدم القدرة على مجاراة التطور الحاصل ضمن منظومة السوق العالمية الدولية الجديدة منذ نهاية القرن 16 وبداية القرن 17، وصولا حتى إلى أواسط القرن 19 (مع تسجيل المحاولة الكبيرة لتغيير منظومة التدبير المغربية على مستوى الدولة في عهد السلطان مولاي اسماعيل بمقاييس متصالحة مع منظومة العلاقات الدولية حينها في القرن 17. ومحاولة السلطان سيدي محمد بن عبد الله التطويرية للإنفتاح على البحر وعلى التجارة الدولية في القرن 18. وكلاهما محاولات هامة يطفؤها الصراع على العرش بعد وفاة قائدي المشروعين).

ثاني المعطيين المركزيين، هو توالي أوبئة ومجاعات على المغرب والمغاربة، منذ الطاعون الأسود لسنوات 1347 و 1352 ميلادية. التي جعلت المعرفة الطبية للمغاربة تتوزع بين الطب الشعبي وبين التفسير الخرافي والدجل في الغالب الأعم، مع بداية امتلاك ذاكرة للجوائح طبعت الذهنية المغربية بطابعها الخاص، الذي رسخ سلوكيات في حياتهم اليومية، صنعت مخيالهم العام وأطرت سلوكاتهم اليومية، عبر منظومة قيم لا تزال آثارها متواصلة إلى اليوم. ولعل من أهم الدراسات الأكاديمية الهامة في هذا الباب المؤلف العلمي الدقيق الذي خلفه لنا الباحث المغربي المرحوم محمد الأمين البزاز “تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين 18 و 19” الصادر سنة 1992، وكذا الكتاب المشترك الذي أصدرته كل من مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود بالدار البيضاء وكلية الآداب بالرباط، تحت إشراف الأستاذة آسية بنعدادة، المعنون ب “المعرفة الطبية وتاريخ الأمراض في المغارب”.

تأسيسا على ذلك كله، لننطلق من هذا السؤال المركزي: ما هي الأمراض التي كانت متفشية بالمغرب في العقود الثلاثة الأولى للقرن 20؟