لننطلق، اليوم، من هذا السؤال المركزي:

ما هي الأمراض التي كانت متفشية بالمغرب في العقود الثلاثة الأولى للقرن 20؟.

كل المصادر التي اشتغلت عليها، والتي سبقت الإشارة إليها من قبل، تتضمن تفصيلا مبوبا لما يمكن وصفه ب “شجرة الأمراض المتفشية بالمغرب وفروعها”، مع نهاية القرن 19 وبداية القرن 20. لكن أكثرها دقة، هي التقارير المنجزة من قبل مصالح حفظ الصحة التابعة للإقامة العامة الفرنسية بالرباط (بعضها يوجد في مكتبات وأرشيفات غرف الصناعة والتجارة خاصة بالرباط والدار البيضاء. وهي كنز وثائقي قليلا ما ينتبه إليه وبعضه طاله التلف للأسف). ومن ضمن تلك التقارير تقرير مطول صادر سنة 1937 من قبل “إدارة الصحة العمومية بالمغرب” التابعة للإقامة العامة الفرنسية بالرباط، الذي أصدرته مؤسسة “إفريقيا الشمالية” بالدار البيضاء، في مجلد ضخم من 270 صفحة. فهو تقرير تفصيلي، تقني، بخلفية سياسية أكيد، تتغيى تمجيد الدور الفرنسي في تطوير البنية التحتية للمغرب وتحسين ظروف حياة المغاربة، لكنه غني جدا على مستوى ما يتضمنه من معلومات وبيانات ورسوم توضيحية.

كانت الخطة التوسعية للإحتلال الفرنسي لوسط المغرب، ابتداء من قصف الدار البيضاء واحتلالها سنة 1907، ثم قصف مدينة وجدة واحتلالها سنة 1908، قبل فرض الحماية على كامل التراب المغربي بعد توقيع اتفاقية الحماية يوم 30 مارس 1912 بفاس بين السفير الفرنسي رينو والسلطان المغربي مولاي حفيظ (باختلاف كبير عن الخطة الإسبانية في شمال المغرب وجنوبه)، تستند إلى استراتيجية مزدوجة فعالة، تعتمد الإشتغال بذراعين كبيرين، واحد عسكري عنيف ومباشر وآني، والآخر تنموي سلمي بناء ويشتغل على المدى المتوسط والبعيد (يتضمن الشق الإقتصادي والصحي والتعليمي). أي أن تطويع المغاربة كان يستهدف كسر شوكتهم المقاومة الشعبية المسلحة، وفي الآن نفسه تقديم خدمات عمومية مدينية جديدة غايتها ترسيم الحاجة إلى المساعدة الفرنسية في تحقيق أسباب التنمية. وكان في القلب من ذلك تطوير مجال الصحة العمومية. أليس يقول الماريشال هوبير ليوطي، أول مقيم عام فرنسي بالمغرب (وأكثر المقيمين العامين الذي قضى فترة طويلة بالمغرب بلغت 14 سنة)، في إحدى خطبه العمومية أمام “الأيام الطبية ببروكسيل” ببلجيكا سنة 1926، ما يلي:

“لقد أرسلت تلغرافا سريعا إلى الجنرال غالييني (وهو يتحدث عن مرحلة إشرافه على تنفيذ احتلال جزيرة مدغشقر في أول القرن 20)، أقول له فيه: إذا ما أرسلتم لي أربعة أطباء إضافيين، فإنني سأعيد إليكم أربع وحدات عسكرية” (أي ما مجموعه 800 عسكري). هذا معناه أن الصحة والطب سلاح أشد فعالية من الرشاش والدبابة.

بالعودة، إذن، إلى السؤال أعلاه، فإن شجرة الأمراض التي كانت متفشية في المغرب في العقود الثلاثة الأولى للقرن العشرين، خارج دورات الجوائح والأوبئة، التي ظلت تتوزع بين الكوليرا والتيفوس والطاعون، تتحدد في أربعة فروع كبرى: الأمراض الصدرية (خاصة السل)، الأمراض الجنسية (خاصة الزهري)، الأمراض المناعية (خاصة الملاريا)، ثم الأمراض المعدية (خاصة الجدري).

1 الملاريا:

يعتبر هذا المرض واحدا من أكثر الأمراض الفتاكة التي كانت منتشرة ليس فقط بالمغرب، بل بكامل شمال إفريقيا. وكل المصادر الطبية تجمع على أن هناك “ملاريا مغاربية”، ظلت تسجل بكل من المغرب والجزائر وتونس، كلما كانت المواسم ماطرة فيها بغزارة. وهي مختلفة عن الملاريا الإستوائية أو ملاريا خط نهر النيل. ووسيلة تفشيها الكبرى في البلدان المغاربية هي حشرة الناموس والبعوض الناقلة لها على نطاق واسع، بسبب ما يتشكل في الأودية والبحيرات الصغيرة بالمغرب من نباتات طحلبية تولد بغزارة الناموس، الذي يصبح العدو الأول ضد الصحة العامة بشمال إفريقيا. ولعل من المفارقات في هذا الباب، أن الناموس في سنوات الجفاف ببلداننا المغاربية لا يكون معديا، كما في السنوات المطيرة، وأن منحنى العدوى في سنوات الجفاف ينزل كثيرا في شهري يناير وفبراير، بينما يرتفع في شهور الصيف، لكن بدرجات عدوى لا تقارن خطورتها أبدا بالسنوات المطيرة، التي ترتفع فيها العدوى في شهور دجنبر ويناير وفبراير، وكذا في شهور ماي ويونيو ويوليوز. وحسب الإحصائيات الرسمية لإدارة الصحة العامة الفرنسية بالمغرب، لسنة 1936، فإن أصعب سنوات انتشار الملاريا بالمغرب كانت هي  مواسم 1921/ 1922، ثم 1927/ 1928. وهي السنوات التي سجلت فيها نسبة مرتفعة للوفيات ببلادنا بسبب درجة انتشار عدوى الملاريا، خاصة بالمناطق الشمالية، بلغت في المعدل 38 بالمئة من مجموع حالات الإصابة.

وتبعا للخريطة الوبائية التي رسمتها مصالح حفظ الصحة التابعة للإقامة العامة بالرباط، فإن الرسم البياني لانتشار العدوى خلال عقد العشرينات، قد أظهر ارتفاعا كبيرا لحالات الإصابة بمرض الملاريا في منطقة سهل الغرب (خاصة بسيدي سليمان وسوق الأربعاء الغرب ومدينة  بوتي جون / سيدي قاسم اليوم، ثم بمدينة بور ليوطي / القنيطرة حاليا، وكذا بتخوم وزان). مثلما سجلت إصابات كبيرة بسهل سايس وبمحيط مدينتي فاس ومكناس، وبكل المسار الذي يقطعه نهر سبو، وبهضاب ورغة. فيما تتضاءل الإصابات كلما اتجهنا جنوبا، حيث سجلت إصابات مهمة بسهل الشاوية وسهل دكالة، بينما كانت شبه منعدمة في المناطق الجبلية للأطلسين الكبير والمتوسط وفي سهل الحوز وسهل عبدة. ما جعل إدارة الحماية تركز جهودها على تلك المناطق الشمالية، التي خصصت لها 3 أطنان من الأدوية  المقاومة لطفيل الملاريا. وأن تلك المقاومة قد توازت مع عمليات تنظيف دورية لمجاري المياه بالمدن، والبحيرات المطرية بالبوادي، وكذا كل الشعاب والأودية المحيطة بالقرى، وهي العملية التي بفضلها سيتم إنشاء مصلحة حفظ الصحة بالمغرب، لأول مرة في بداية العشرينات وصدر قانونها التنظيمي سنة 1926.

2 مرض الجدري

كان الجدري، دوما، واحدا من أخطر الأمراض الفتاكة بالمغرب قبل الحماية سنة 1912، وفي العشر سنوات بعدها حتى سنوات 1922 و 1924. وهو مرض فيروسي يؤدي إلى الوفاة، وفي حالات كثيرة إلى تشوهات جلدية وإلى نسب عالية من العمى (المثال الأشهر في تاريخ الأدب العربي هو الأديب الفيلسوف أبو العلاء المعري، الذي أصيب به وهو في الرابعة من عمره وتسبب له في العمى طيلة حياته).

كانت القارة الأروبية، بسبب طبيعة مناخها البارد، من بين أكثر مناطق العالم التي تفشى فيها الجدري، بسبب نسبة التلوث العالية في كبريات مدنها، خاصة لندن وباريس وبرلين وروما وجنوة وفيينا. وهناك العديد من الكتابات الأدبية والمسرحيات والكتب التاريخية التي كان موضوعها هو الجدري. ولن تبدأ المجتمعات الأروبية في التخلص منه، سوى في نهاية القرن 18 وبداية القرن 19، بعد اكتشاف الطبيب الإنجليزي إدوارد غينر للقاح ضد الجدري، انطلاقا من فيروس آخر هو “جدري البقر”. وبالعودة إلى العديد من الكتب التاريخية المغربية، مثل كتاب البيدق وكتاب الضعيف وكتاب الإستقصا، نجد إشارات لهذا المرض الذي كان يصنف ضمن الأمراض الخطيرة (الملعونة)، وأن شكل مواجهته في كبيرات المدن المغربية مثل فاس ومراكش، هو في عزل المصاب في حي خاص معزول على أطراف المدينة عليه حراسة مشددة، ويترك المصاب هناك حتى ينتصر لوحده على الفيروس بما يحمله معه من عاهات جلدية أو بصرية (لكنها لم تعد معدية)، أو يتوفى.

لكن، لم يبدأ فعليا القضاء على مرض الجدري في المغرب، سوى في أواسط العشرينات حتى أواسط الثلاثينات من القرن 20، حين خصصت مصالح “حفظ الصحة الفرنسية” ميزانية خاصة ضمن الميزانية السنوية ل “إدارة الصحة العمومية بالمغرب” لمحاربته. مما كانت نتيجته تراجع كبير لهذا المرض الخطير في الغالبية الكبرى من المناطق المغربية الواقعة تحت الإحتلال الفرنسي (عكس المناطق التي كانت تحت الإحتلال الإسباني التي تأخر فيها النجاح في القضاء عليه حتى بداية الخمسينات من القرن الماضي).

وكانت طرق المواجهة مزدوجة، تنبني على تعميم التلقيح بالنسبة للساكنة (خاصة بالمدن الكبرى في البداية)، وعلى الرعاية الطبية للمصابين من خلال برنامج أدوية ذات فعالية. مما كانت نتيجته صدى إيجابيا لدى المغاربة، الذين أصبحوا هم من يطالبون السلطات الطبية والإدارية الفرنسية بتطعيمهم من خلال بروز عبارة “بغينا ليبرة” (أي الشوكة)، والمقصود بها هو اللقاح ضد الجدري، وأيضا ضد مرض الزهري الجنسي كما سنرى لاحقا.

وبالأرقام، فإنه ما بين 1925 و 1935، انتقل عدد الملقحين بالمغرب ضد الجدري من 480 ألف ملقح، إلى 854 ألق ملقح. وكانت بلدان شمال إفريقيا ومن ضمنها المغرب، من أول البلاد الإفريقية (إلى جانب مصر) التي اختفى فيها الجدري في نهاية الأربعينات، بينما لم يختفي نهائيا من العالم سوى سنة 1977، وكانت آخر الحالات بالصومال.