بعد حديثنا عن مرض الملاريا ومرض الجدري، ضمن الأمراض الأربعة الأكثر انتشارا بالمغرب في السنوات الثلاثين الأولى للقرن العشرين، قبل فرض الحماية الفرنسية والإسبانية والدولية عليه، ابتداء من سنة 1912 وبعدها. ننتقل اليوم إلى الحديث عن باقي تلك الأمراض المتفشية والفتاكة به.

3 مرض السل

كان الإعتقاد السائد، لدى الأوربيين، وضمنهم الفرنسيون، أن مرض السل هو مرض شمالي أروبي بامتياز، بسبب برودة الطقس الشديدة. إلى أن احتلت فرنسا الشواطى الشمالية للجزائر سنة 1830 ميلادية، ثم احتلت تونس سنة 1882 ميلادية، فبدأت تكتشف أن مرض السل واحد من أكثر الأمراض الصدرية التي تنتشر في شمال إفريقيا، فغيرت من قناعاتها الطبية السابقة بخصوص هذا الداء الفتاك. وحين فرضت الحماية على المغرب، ستجد أنه من أكثر البلدان المغاربية التي تسجل فيها نسب عالية جدا من مرض السل بمختلف أنواعه، بل ستكتشف على أن هناك نوعا منه تكاد تختص به مدينة مراكش لوحدها في كل الشمال الإفريقي.

أكثر من ذلك، لم تستطع فرنسا أصلا القضاء نهائيا على مرض السل، سوى بعد الحرب العالمية الأولى، حيث إنها لم تقرر تلقيح مواطنيها ضد داء السل حتى سنة 1921، وهو التلقيح الشهير الذي لا يزال معمولا به إلى اليوم (الشهير ب “البيسيجي”). والذي لم يكتشف سوى سنة 1906 من قبل العالمين ألبير كالميت وكاميل غيران. ولم يصبح لقاحا عالميا سوى بعد الحرب العالمية الثانية سنة 1945، بعد أن تبنت ذلك اللقاح باقي الدول الكبرى، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفياتي وألمانيا.

بالتالي، فإن الفضاء المغربي، في ما يرتبط بمواجهة داء السل، كان مختبرا مثاليا لتجريب ذلك اللقاح وتجريب مختلف الأدوية المنتجة بأروبا لمواجهته، بالنسبة لباريس. فكانت الخريطة الطبية للحماية الفرنسية الخاصة بداء السل، من أكثر الخرائط الطبية تدقيقا وفعالية. كونها تتضمن بتفصيل مختلف أنواع السل المتفشية ببلادنا، ومجالات بروزه حسب المناطق والجغرافيات، وأيضا حسب شرائح الساكنة بالمغرب، بين المسلمين واليهود والأروبيين. بدليل أنه في 10 سنوات فقط (أي عند حدود سنة 1922)، أصبحت بالمغرب خمس مستوصفات متخصصة في محاربة داء السل، مثلما تم إنشاء مستوصفات متنقلة في المناطق القروية المحيطة بالمدن الكبرى.

مما تسجله ذاكرة المغاربة إلى اليوم، خاصة من الجيل البالغ الآن ما فوق السبعين سنة، أن عدد قتلى مرض السل بمختلف مناطق المغرب كان كبيرا إلى حدود الستينات من القرن الماضي. وهو الواقع الذي تؤكده أيضا الإحصائيات الرسمية لمصالح إدارة الصحة العمومية بالمغرب في العشرينات والثلاثينات، التي تعترف أن النسب الحقيقية لمدى انتشار المرض أكبر من ما تمكنت من الوصول إليه من تحديد للحالات المصابة والمعالجة. مثلا، في سنوات 1928 و 1929 و 1930 و 1931 و 1932، تم تسجيل حالات إصابة جديدة بالتوالي كالآتي، في مجموع المنطقة التي بلغها الإحتلال العسكري الفرنسي (لأن هناك مناطق أخرى من المغرب لم يصلها التواجد الفرنسي حتى سنوات 1934 و 1936): 998/ 1002/ 1226/ 1524/ 1705). وأن نسبة المتوفين بسبب داء السل ضمن مجموع الوفيات لأسباب مرضية مختلفة بالمغرب، وصلت في المعدل ما بين 1925 و 1932، نسبة 7.67 بالمئة.

فيما تؤكد ذات الإحصائيات المسجلة، أن نسبة الوفيات ضمن مجموع المصابين بداء السل بالمغرب، كانت تترواح حسب المدن والمناطق بين 69 بالمئة و 35 بالمئة. مما يعني أنه مرض كان يجرف الكثيرين من المغاربة، خاصة من الشريحة العمرية ما بين 18 و 35 سنة، التي هي الشريحة الشابة المؤهلة للعمل والعطاء. مثلا في مراكش سجلت سنة 1930، وفيات تصل إلى 33 وفاة من مجموع 59 إصابة. وفي فاس 100 حالة وفاة من مجموع 189 إصابة. و في مكناس 32 حالة وفاة من مجموع 55 إصابة. وأن مجموع الوفيات في المدن التي يتجاوز عدد سكانها 100 ألف نسمة، قد بلغ 1042 حالة وفاة، يشكل المغاربة المسلمون من مجموع عدد الوفيات بكل الأمراض، نسبة 8.81 بالمئة، ثم الأروبيون بنسبة 5.5 بالمئة، ثم المغاربة اليهود بنسبة 3.81 بالمئة.

دائما بلغة الأرقام، نجد أنه من مجموع 15 ألف استشارة طبية، سجلت 7 آلاف حالة إصابة بمرض السل، مما يترجم الدرجة العالية لتفشي هذا المرض بالمغرب حينها. وأن أنواع الإصابات تتوزع بين الإصابة بالسل الرئوي بنسبة 79 بالمئة، ثم سل العظام بنسبة 6 بالمئة، ثم سل العقد اللمفاوية بنسبة 14 بالمئة، ثم سل الدماغ بنسبة 1 بالمئة. لتبقى مدينة مراكش وحدها في كامل المغرب التي تتميز بضعف واضح في الإصابة بالسل الرئوي في مقابل ارتفاع كبير جدا لسل العظام وسل العقد اللمفاوية.

أخيرا، لا بد من تسجيل معطى طبي جديد بالمغرب في العشرينات، هو دخول التقنيات الصناعية الطبية إلى المغرب، حيث تم إدخال تقنية الفحص بالصدى وبالأشعة، مما مكن من إنجاز 4109 فحص بالصدى بمدن الدار البيضاء والرباط ومراكش وفاس ومكناس في سنة 1930، و تم إنجاز 5075 فحص بالأشعة في ذات السنة. وهو تطور تقني جديد آنذاك بالمغرب، غير من رؤية المغربي للطب وأيضا من رؤيته للمحتل الأجنبي وللعالم ولمفاهيمه الطبية الكلاسيكية والقديمة، سواء بالمدن أو بالمناطق القروية التي بلغها الطب الحديث.

4 مرض الزهري (الجنسي)

كان هذا المرض الجنسي، بمراحله الثلاثة، حسب التقارير الرسمية لمصالح حفظ الصحة الفرنسية، من أكثر الأمراض تفشيا بين المغاربة (ما بين 20 و 60 سنة). حيث تذهب أرقامها إلى التأكيد على أن ما بين 75 و 85 بالمئة من المغاربة البالغين مصابون على الأقل بنوع من أنواع مرض الزهري الجنسي. حيث سجلت مصالح الحماية منذ 1912 انتشار الطفح الجلدي والتقرحات بكثرة بسبب ارتفاع نسب الإصابة عند المغاربة الذكور بالمدن. ومما تؤكد عليه تلك التقارير الطبية، أن من أكبر المعارك الصحية التي دخلتها مصالح الحماية هي محاصرة تفشي هذا المرض، حيث بادرت أولا إلى محاولة تنظيم حملة فحص شاملة، مكنت من تحديد خريطة انتشار المرض في مدن فاس والرباط والدار البيضاء ومكناس في ما بين 1913 و 1915، ثم في مدينة مراكش سنة 1916. وباشرت إجراءات التطبيب ضد تفشي هذا المرض المعدي، من خلال برنامج أدوية صارم ومدقق، يتوزع بين تعميم الأدوية بالإبر عبر مستوصفات متنقلة، وعبر أمصال خاصة بمحاربة الجرثومة المتسببة في ذلك المرض. حيث شرعت في إعطاء الأدوية المتوفرة حينها، المتمثلة في دواء “السالفرسان” (المتضمن للزرنيخ)، المكتشف في سنة 1908.

كان مرض الزهري واحدا من أهم الأسباب التي جعلت المغاربة بالمدن الكبرى، يثقون في الطب الحديث عبر بوابة الإحتلال الفرنسي، وأصبح المطلب الشعبي العمومي هو “بغينا ليبرة”، أي طلب الشوكة التي أظهرت فعالية في التقليص من المرض ومقاومته والشفاء منه. وهذا تحول غير مسبوق في الذهنية المغربية حينذاك. خاصة وأن سلطات الحماية، قد بادرت ضمن خطتها الصحية إلى إنشاء سبعة مراكز للعلاج بخمسة مدن كبرى، وكذا تنظيم دوري لزيارات ميدانية متنقلة لعدد من المناطق القروية، مكنت إحصائيا، في سنة 1929 لوحدها، من تسجيل 200 ألف حالة إصابة. وأنها تمكنت من رسم خريطة للحالات المرضية التي بلغت درجة التوتر الذهني والعصبي، بكل ما كان ينتج عنها من ردود فعل عنيفة ضد الأغيار والأقارب. فباشرت إلى توزيع مكثف للأدوية، خاصة دواء “نوفاغزينبنزول” (وزعت منه 136 كلغراما، وهو حجم طبي كبير)، و121 ألف أنبوب زجاجي صغير من مادة ملح الميركور، وأكثر من طن من البوتاسيوم، و 67 ألف أنبوب زجاجي صغير من ملح البيسموت. وغيرها من المواد الطبية المصاحبة للعلاج. مما كانت نتيجته إيجابية وفعالة، لكنها خلقت مشكلا آخر هو عدم مواظبة المصابين على إكمال العلاج، بمجرد بداية تشافيهم، مما كان يضاعف من حالات الإصابة، أسابيع وشهورا بعد ذلك. وكان من القرارات التنظيمية الحاسمة التي نفذتها إدارة الحماية الفرنسية، هي إنشاء أحياء خاصة للدعارة (بوسبير بالدار البيضاء كمثال)، مراقبة طبيا بصرامة بمختلف المدن المغربية، للتحكم في انتشار وتفشي مرض الزهري.