[عن صفحة عبد الرحيم التوراني بالفيس بوك /ماي 2020]

تحدث محمد عابد الجابري (1935- 2010) عن سيرته الأولى ونشأته في كتاب حمل عنوان “حفريات” (دار النشر المغربية، 2004)، كتاب عرض فيه ذكرياته الشخصية، وغرف من معين مخزونه الثقافي والحياتي، موظفا الصورة والإشارة والتلميح والرمز، بتدفق لا يخلو من عفوية ومن إبداع.
كما نجد صفحات ضافية من حياة محمد عابد الجابري ونضاله السياسي والفكري، ضمن المنجز الثوثيقي الذي أشرف هو بنفسه على جمع وترتيب مقالاته والاستجوابات التي أجريت معه ونشرت في الصحف والمجلات المختلفة في العالم العربي، وأضاف إليها هوامش وملحوظات وتعليقات خاصة بآرائه، في سلسلة شهرية، تضمنتها كتيبات شعبية لا يتجاوز سعرها العشرة دراهم والخمسة عشر درهما، وحملت عنوان: “أضواء ومواقف”.
اشتهر عابد، أو عابد الجابري، (هذا هو الاسم المشهور به بين رفاقه وأصدقائه، من دون لفظ محمد)، بصفته مفكرا بارزا من أعلام الفكر العربي الذين ظهروا في نهاية القرن العشرين، وذاع صيت أطروحته حول نقد العقل العربي، كما ذاعت دعوته إلى ما يسمى ب”الكتلة التاريخية”، وكان هو مترجم فكرة رفيقه الفقيه محمد البصري بهذا الشأن، إذ ربطت الرجلين عروة وثقى لم تنفك حتى الممات.
(***)
لكن الناس يجهلون محمد عابد الجابري الآخر، الجابري الصحفي، وهو موضوع ما يليق بإنجاز أكثر من دراسة وبحث رصين بصدده.
إن الإعلام الاتحادي مدين لهذا الرجل بالكثير، منذ تأسيس جريدة “التحرير” إلى جريدة “المحرر”، قبل منعها بسنة، إثر انتفاضة 20 جوان 1981.
شغل الجابري مهمة سكرتارية التحرير، وكان الحزب يعتمد عليه أكثر من غيره في تحرير البلاغات والبيانات والتقارير والنشرات الداخلية الصادرة عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، واستمر الجابري في القيام بهذا الدور بعد منع “التحرير” واستبدال ترويستها بترويسة “الرأي العام” لصاحبها أحمد بنسودة، لما اندمج بنسودة داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، هو وصديقه الدكتور عبد الهادي بوطالب، قادمين من حزب الشورى والاستقلال، وقبل عودتهما سريعا إلى أحضان النظام بتعيينهما في مهام سامية ووزارية، وقد أصبحا مستشارين للملك الراحل الحسن الثاني.
(***)
في صحيفة “المحرر”، التي تولى مديريتها بالتتالي كل من الشاعر والمناضل محمد الحبيب الفرقاني، والمحامي ابراهيم العمراني، الذي كنت ألتقي به في مقهى الساتيام في آخر حياته، لما كان يجيء إلى الدار البيضاء من مدينة بني ملال، ، كان يعاني من جحود الإخوة والرفاق وتقلبات الأيام، كان يشكو بألم وحزن شديدين لم يعرف وسيلة لمداراتهما إلا بدفنهما في الشرب والإدمان.
(***)
في صيف سنة 1974، تم رفع الحظر عن نشاط الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، (جناح الرباط بقيادة عبد الرحيم بوعبيد)، وتقرر استئناف صحيفة “المحرر” في إصدارها اليومي بإدارة عمر بنجلون. استأنف عابد الجابري مهمته: المحرر الرئيسي للافتتاحيات والمقالات، ومحرك البوليميك الذي كان يحصل مع حزب الاستقلال ومع المخزن. كان عابد الجابري في الدار البيضاء، حيث مكاتب الجريدة، على اتصال دائم بعبد الرحيم بوعبيد في الرباط عبر الهاتف الثابث، للتشاور معه حول فكرة أو مقال، وكان أحيانا يقرأ عليه نص افتتاحية أو موقف سيصدر في عدد الغد.
(***)
عند إعداد وثيقة التقرير الإيديولوجي التي ستقدم في المؤتمر الاستثنائي بالدار البيضاء (10، 11، 12 يناير 1975) تكلف عابد الجابري بصياغة التقرير، الذي تشكلت لجنة إعداده أساسا من عمر بنجلون وأحمد الحليمي وعابد الجابري ومحمد الناصري (الجغرافي). وكان أحمد الحليمي هو من ترأس لجنة التقرير الإيديولوجي في المؤتمر.
الجابري لم يحرر فقط التقرير الايديولوجي بلغته العلمية وأسلوبه الصقيل فقط، بل هو من كتب التمهيد التاريخي للتقرير، وانبرى للدفاع عن أطروحة المؤتمر بكتابة مجموعة من المقالات التي كانت تصدر يوميا ب”المحرر” تحت عنوان: “حقائق أكدها المؤتمر”، كان يوقعها باسم (أبو عصام)، في حين اختار الشهيد عمر بنجلون توقيع مقالاته في نفس الزاوية باسم (أبو سهام)، كما شارك المرحوم مصطفى القرشاوي برأيه في بسط حقائق المؤتمر واختار التوقيع باسم (أبوغادة).

بعد احتدام الصراع الداخلي داخل الحزب، وارتفاع منسوب الدسائس والانزلاقات، سيضطر عابد الجابري إلى الاستقالة، لقد هزمه الثعلب محمد اليازغي. اليازغي الذي لا يكتب، ولا يملك مستوى عاليا في فن الخطابة، لكنه يستعيض عنها بموهبته ودهائه في فن التنظيم والتواصل السري، هو من قدم التقرير التنظيمي في المؤتمر الاستثنائي عام 1975. وحرص على بناء تنظيم داخل التنظيم، مشكل من أتباعه ومن مريديه، وجلهم من الطامعين في “كعكعة المخزن”، أو بالتعبير البهجاوي المراكشي في شدق من”خبزة سيدي بلعباس”.
اضطر الجابري إلى رفع الراية البيضاء، وعاد في سيارته “البوجو” الزرقاء إلى بيته في حي بولو الهادئ، حيث حول مرأب السيارة الفسيح إلى مكتب ضاقت به خزانة كبيرة من الكتب وصناديق المطبوعات والوثائق والأوراق، ليعتكف على ما سعى دائما إلى تأجيله وإهماله دون استكمال، وليؤلف وينجز مشروعه الكبير، الذي “ساهم في صدوره”، إذا شئنا أو أبينا محمد اليازغي من خلال دفعه “ناقد العقل العربي” إلى الاستقالة وإلى الابتعاد.
(***)
بعد نيله شهادة البكالوريا، مرشحا حرا، دون أن يمر بسنوات الدراسة الثانوية كلها، سافر عابد الجابري إلى دمشق، حيث تسجل لمتابعة دراسته الجامعية في شعبة الرياضيات، لكنه سيعود في السنة الموالية إلى المغرب، بإلحاح من الحزب، من المهدي بنبركة والفقيه محمد البصري تحديدا، للاستعانة بمواهبه في الكتابة والتحرير الصحفي.
(***)
كان عابد الجابري ينشر مقالات فكرية وسجالية بمجلة “أقلام”، التي أشرف عليها أستاذا الفلسفة ابراهيم بوعلو وأحمد السطاتي، وتولى المحامي عبد الرحمان بنعمرو مهمة مديرية النشر.
وقد جمع محمد عابد الجابري مقالاته المنشورة ب”أقلام” حول التعليم في كتاب بعنوان: “أضواء على مشكل التعليم في المغرب”. وقد استهل الجابري هذا الكتاب الذي يعد أول كتاب بالعربية يعالج قضايا التعليم في المغرب (دار النشر المغربية -1973)، كما اختتمه بنفس العبارة: “ثمة، في المغرب الراهن، مشكل مزمن؛ مشكل يحتل الصدارة ضمن مجموعة المشاكل الأخرى التي لم تعرف بعد طريقها نحو المعالجة الجدية، والحل الصحيح.. إنه، بلا نزاع، مشكل التعليم “.

أما أول كتاب صدر للجابري فكان أطروحته لنيل الدكتوراه في الفلسفة حول ابن خلدون، وكان عابد الجابري أول مغربي يناقش دكتوراه الدولة بالجامعة المغربية في كلية الآداب بالرباط سنة 1970، وظهرت الأطروحة ضمن كتاب في طبعتها الأولى 1971، تحت عنوان: “فكر ابن خلدون، العصبية والدولة، معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي” (دار النشر المغربية- الدار البيضاء).
انطلق الباحث محمد عابد الجابري من فكرة دراسته هذه حول معالم نظرية ابن خلدون في العصبية والدولة من منظور إسلامي، متوخياً “تقديم آراء ابن خلدون كما هي، وكما فكر فيها هو، انطلاقاً من نظرة شمولية، ترص على أن تجد للأجزاء مكانها في الكل، حرصها على النظر إليها على ضوء مشاغله الشخصية وتجربته الاجتماعية، وعلى اعتبار أنها امتداد وتطور لمنازع الفكر العربي السياسي والاجتماعي من خاصة”. مؤكدا على أن التراث الخلدوني لربما يشكل “بنفس الدرجة من القوة والعمق، جانباً مهماً من جوانب واقعنا العربي الراهن، هذا الواقع نتواجد فيه جنباً إلى جنب بنيات القرون الوسطى، والبنيات الجديدة التي خلقها عالم اليوم”.
(***)
حرص عابد الجابري دائما على طباعة كتبه في المغرب في مؤسسة الحزب “دار النشر المغربية” التي أصبح أخوه الأصغر عمر الجابري مديرا لها، قبل إفلاسها وتفويتها بالبيع (!) في بداية الألفية الحالية.
كما كلف عابد الجابرى أحد قدماء عمال دار النشر المغربية صار صاحب مطبعة هو بوعزة بنشرة المتحدر من المغرب الشرقي، بطباعة أحد كتبه.
وغالبا ما كان الجابري يحتفظ بحقوق كتبه، حتى تلك التي نشرها له مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، حيث كان الجابري عضوا بارزا في المؤتمر القومي العربي. وعضواً بمجلس أمناء المؤسسة العربية للديمقراطية.
(***)
ظل عابد الجابري يمارس التعليم بثانوية لارميطاج (الأزهر) وتولى مهمة تسييرها، لما كانت تابعة لحزب الاستقلال، قبل إدماجها في مؤسسات وزارة التربية الوطنية، هناك سيقترن بإحدى تلميذاته، السيدة مليكة زكري أم أولاده.

عمل معلما بالابتدائي، وأستاذا وناظرا وموجها بالتعليم الثانوي، ثم أستاذا للفلسفة والفكر العربي الإسلامي في كلية الآداب بالرباط. وخلال فترة عمله بالثانوي ألف كتابا موجها لتلاميذ الفلسفة بعنوان: “دروس في الفلسفة”، شاركه في إعداده كل من المرحوم أحمد السطاتي ومصطفى العمري الأزموري، ولهواة الكرة، فالأستاذ مصطفى العمري الأزموري هو شقيق نجم نادي الرجاء الرياضي البيضاوي ولاعب المنتخب الوطني في سبعينيات القرن الماضي، الموهوب “بوتي عمر”.

وخلال عمله بالتعليم الثانوي تولى عابد الجابري مهمة الكتابة العامة لمنظمة التضامن الجامعي المغربي (؟)، وكان معه بمكتب “التضامن” المرحوم عبد الله الولادي، الذي اشتغل بالتعليم في مدينتي أسفي والدار البيضاء، قبل مزاولته مهنة المحاماة ورئاسته للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان.
(***)
يتحدر الجابري من إقليم فكيك بالمغرب الشرقي، وقد حكى طفولته الفقيرة، وكيف كانت لغته الأم هي الأمازيغية، إذ لم يتعلم النطق باللغة العربية إلا بعد تجاوزه سن السابعة من عمره، فإذا به يصبح من كبار المفكرين القوميين العرب، شأنه في ذلك شأن المختار السوسي الأمازيغي، والفقيه محمد البصري، ومغاربة آخرين من أصل أمازيغي.

في الدار البيضاء سيتحول عابد الجابري إلى عراب ل”الجالية” الفكيكية المقيمة بالمدينة، من تجار وأصحاب مقاهي ومخبزات، وهذه القطاعات بالدار البيضاء كان يسطر عليها الفيكيكيون.

لم أكن أتصور أن القبلية تسبق الانتماء السياسي ولو كان يميل جهة اليسار، فواحد مثل محمد كمو، قيادي في الاتحاد الدستوري وبرلماني عن نفس الحزب المخزني ورئيس جماعة بالحي الحسني بالدار البيضاء، كان عابد الجابري هو رئيسه في التجمع القبلي، الذي يلتئم بشكل دوري في منزل عابد الجابري، يجلس كمو مع الجابري ويتشاور معه وينفذ القرارات التي يقرها التجمع القبلي في العاصمة الاقتصادية.

عن تضامن الفكيكيين بالدار البيضاء، يقول لي دائما صديق عاشرهم وخالطهم أكثر مني: “هؤلا لا تجمعهم المنطقة والانتماء القبلي فقط، هؤلاء يرتقون في تضامنهم إلى مستوى الطائفة الدينية”.

في فكيك تأسست جمعية باسم “النهضة”، كانت تدبر كل ما يتعلق بحاجيات التلاميذ من دفاتر وكتب وأدوات مدرسية، وتحرص على المساواة ما بين ابن الفقير المحتاج وابن الغني والمستور. في عيد الأضحى لما تحين مناسبة عيد الأضحى، يقتنون الأضحية من عند كساب فكيكي، يجلسون في مقاهي مالكوها فكيكيون، إذا سألت فكيكيا عن مصلح كهرباء أو رصاص أو نجار سيأخذك إلى حرفي من أصل فكيكي.

عرف حزب الاتحاد عددا من المناضلين الصامدين، أصولهم من فكيك. كما انخرط عدد آخر من أبناء المغرب الشرقي في أجهزة القمع، أغلبهم من مدينة وجدة، وأولهم محمد العشعاشي رئيس الجهاز المخابراتي السري الخطير “الكاب وان”.
(***)
لما تم اعتقال عبد الرحيم بوعبيد ومحمد اليازغي والحبيب الفرقاني ومحمد الحبابي، (1981)، وتم اقتيادهم إلى المحكمة بالرباط، أتذكر مجيء عابد الجابري إلى باب المحكمة، رغم كونه لم يعد عضوا في القيادة، لكنه لم يبتعد، كان يقف أمام باب المحكمة الابتدائية المحاصرة والمطوقة بقوات القمع، وشاهدت الجابري واقفا بين جموع المناضلين، كأني به يتمنى لو كان مع بوعبيد ورفاقه في الاعتقال والمحاكمة، هو من مر بالاعتقال في “مؤامرة يوليوز 1963 ” ضمن قيادات وقواعد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كما اعتقل سنة 1965 إثر اضطرابات وسط قطاع التعليم.

خلال أحداث 20 جوان 1981 عاد الجابري للتحرك، أتذكر أني قضيت جل ساعات ذلك النهار بمقر الجريدة، وخرجت فترة قصيرة برفقة الأخ أحمد صبري لنستطلع ما يجري، ثم وجدتني مرة أخرى في المساء بزنقة الأمير عبد القادر، كان قد تم حظر التجول ونزل الجيش بالدبابات إلى شوارع المدينة، عندما رن هاتف مكتب الجريدة فإذا بالمتصل هو عابد الجابري، سألني عما يتوفر لدي من أخبار، فأجبته، ثم عدت لأسأله عما علي أن أفعله، فطلب مني البقاء مرابطا في مقر الجريدة. كان الظلام قد ساد، وغطى سماء المدينة دخان كثيف غير عاد، لكن ما أن ظهر المرحوم “بوحكية”، سائق الجريدة، حتى طلبت منه أن يوصلني إلى البيت. لم أمتثل يومها لأمر الجابري، قلت مع نفسي هو يهنأ في فيلته بالحي الراقي “بولو”، وأنا أصمد في الجريدة وحيدا.

في صباح اليوم الموالي، 21 جوان 1981، قصدت الجريدة كعادتي، ففوجئت بالبوليس يقتحم مكاتبها، فتشوا المكاتب وأخذوا معهم المقالات التي كانت مهيأة للنشر، والأوراق التي تتضمن تقارير وأخبار الإضراب العام. من حسن حظي أن البوليسي الذي أوقفني داخل الجريدة ألقى علي سؤالا حول هويتي وعنوان سكني، ثم تفحص هيأتي ومظهري البريء وصغر سني، وبعد تردد أمرني بإخلاء المكان فورا.

(***)
كان بعض العاملين في “المحرر”، وضمن إطار الصراع الحزبي الخفي- الظاهر، لا يبادلون عابد الجابري الاحترام اللازم، أذكر أن بعضهم كان يهزأ من هيأته، وسماه واحد ب”بوصندالة”، لأنه كان يأتي غالبا منتعلا “صندالة” جلدية غليضة.
ومعروف عن أهل المغرب الشرقي بعض الفظاظة والصرامة التي تصل حد العبوس وعدم التبسم أو الضحك لنكتة ساخرة.
(***)
مرة وجدت عابد الجابري في بيت عبد الرحمان اليوسفي بزنقة “بوان دو جور” بحي بوركون، في صيف 1995 بعد عودة الفقيه البصري من منفى حوالي ثلاثين سنة، التفت إلي عابد الجابري ولامني على نشر صورته ضمن الملف الذي أصدرته بالمناسبة حول رجوع الفقيه، في مجلة “السؤال- الملف”، ظهر الجابري في ملحق الصور وهو واقف في صالة الانتظار بمطار محمد الخامس، ينتظر هبوط طائرة الفقيه، يومها تم إغلاق مدرجات المطار في وجه التحليق الجوي، باستثناء طائرة واحدة قادمة من مطار أورلي بباريس. غص المطار بأعداد غفيرة من المستقبلين للعائد. والتقط المصور صورة لعابد الجابري واقفا جنب عبد الرحمان اليوسفي، وسعاد غزالة زوجة الفقيه البصري، وبدا صاحب “نقد العقل العربي” في تلك الصورة يتفقد الوقت بساعة معصمه.
لما سألني عن نشر صورته، أجبته على الفور:
– هل ترغب في حذفها.. سأحرص على ذلك عند نشر طبعة ثانية من العدد. هي قيد الطبع. هنا سارع الجابري راجيا مني ألا أفعل، حتى لا يتم تأويل الحذف، كما قال. نظر إلي اليوسفي وهو يبتسم تلك الابتسامة التي عرف بها، ابتسامة خالية من الحرارة الإنسانية ومليئة بالمكر.

أتذكر أيضا لما كنت مع الصديق حسن عمر العلوي (1982) برفقة الأديب والمفكر السوري مطاع صفدي نجلس بصالون فندق الدار البيضاء، وكان صديقنا محمد برادة مدير شركة التوزيع “سبريس” قد أوكل لنا معا مهمة مرافقة ضيفه الكبير مطاع صفدي، الذي جاء مع زوجته لزيارة المغرب ولتفقد سير توزيع مجلته “الفكر العربي المعاصر”، أخذ له محمد برادة غرفة في فندق الدار البيضاء بساحة محمد الخامس (الأمم المتحدة حاليا)، واستأجر له سيارة فارهة بسائق، من نوع فولفو، لا زلت أتذكر لونها الأحمر. ووصل محمد عابد الجابري للسلام على صديقه السوري بالفندق، فإذا بالمرحوم محمد امجيد (رئيس جامعة التنس) يظهر بمدخل الصالون، فاتجه للسلام علينا، وعندما أراد المصور عبد السلام الزهوي تخليد اللقاء بعدسة كاميرته رفض محمد عابد الجابري الظهور في اللقطة، لم يكن يرغب في صورة تجمعه مع امجيد، قال لمطاع صفدي عن امجيد أنه كان معنا وذهب. في بداية الستينيات انتمى محمد امجيد إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

(***)
في المؤتمر الوطني الثالث للاتحاد الاشتراكي، لعب الجابري دورا توفيقيا خطيرا لصالح جماعة بوعبيد وتيار اليازغي، كاد المؤتمر أن ينفجر، فمتزعمو التيار الراديكالي (من سيسمون لاحقا بجماعة بنعمرو وأحمد بنجلون، من سيشكلوا حزب الطليعة) سيطروا على المؤتمر الذي انعقد في آخر أيام شهر ديسمبر من سنة 1978 بالقصر الصغير للمعرض الدولي بالدار البيضاء. ومما يجب ذكره أن هذا المؤتمر شهد في جلسته الافتتاحية هتافات قوية من المحسوبين على المغترب الفقيه محمد البصري اللاجيء السياسي بفرنسا منذ 1967. شعارات أربكت الحاضرين، منها: (اليوسفي ها هو.. و الفقيه فين هو)، مع شعارات أخرى عن المعتقلين السياسيين. وكان من بين المدعوين في افتتاح المؤتمر ميشيل روكار عن الحزب الاشتراكي الفرنسي، وماريو سواريس عن الحزب الاشتراكي البرتغالي، قبل توليه رئاسة الدولة، ومن الجزائر محمد محساس من قادة جبهة التحرير الجزائرية، ومن لبنان وفد عن الحزب الناصري، ومن العراق وفد مهم عن حزب البعث العربي الاشتركي الحاكم، وقد نقلت الصحافة الدولية أصداء تلك الجلسة الصاخبة، وأشارت إلى الهتافات المذكورة، أذكر أني كنت واحدا من الشباب الرافضين، وأن إدريس لشكر تطوع لقمع التكتل المعارض، وهي مهمته الحقيقية التي سيتولاها أيضا خلال المؤتمر السادس للحزب، المنعقد في مكتب الصرف بالدار البيضاء، إثر الخلاف مع رفاق محمد نوبير الأموي، الذين سينسحبون ويذهبون لتاسيس حزب جديد باسم “حزب المؤتمر الوطني الاتحادي.

في المؤتمر الوطني السادس نجح محمد اليازغي في إبعاد أحمد الحليمي، الذي كان يحلم بلعب أدوار ما في الحزب، وهو الذي عمل، قبيل موعد المؤتمر، على نشر كتابين حول تجربته السياسية الحزبية، الأول عبارة عن حوار مطول أجراه معه عبد القادر الشاوي، أما الثاني فجمع فيه مقالات وآراء سبق له نشرها في الصحافة، وحرص الحليمي على أن يكون غلافا الكتابين معا باللون البنفسجي، اللون الانتخابي للاتحاد. ولم يكن يدري أن اليازغي خطط له ما خططه، حين دفع بالمرحوم الحبيب الشرقاوي ليفجر في وجه الحليمي لغما موقوتا.
(***)
في منتصف السبعينيات تابع المناضلون والمثقفون ذلك السجال المحتدم بين محمد عابد الجابري وعبد الله العروي، سجال ملأ صفحات الملحق الثقافي ليومية “المحرر”، وكان يصدر كل يوم أحد.
تفرق المتابعون ما بين المفكرين، كما يتوزع اليوم مناصرو كرة القدم ما بين نادي الرجاء والوداد، أو ريال مدريد وبرشلونة. ولم ينته الصراع الفكري بنتيجة غالب ومغلوب، لكن ما وصلنا أن عبد الله العروي هو من أوقف في لحظة هذا النقاش الذي امتد لأسابيع، وقيل أن صاحب “الإيديولوجية العربية المعاصرة” لم يكن يكن الاحترام لعابد الجابري، بل اعتبره مجرد فقيه. بل إن العروي لم يكلف نفسه نعي محمد عابد الجابري بعد وفاته في الثالث من ماي سنة 2010.

ومن تداعيات إطلاق المشاريع الفكرية لعابد الجابري، ذلك النقاش والجدل الذي خلفه نشر مشروعه حول “نقد العقل العربي”، المترجم إلى عدة لغات. وقد انخرط فيه السوري جورج طرابيشي الذي اشتهر بحواره الفكري مع عابد الجابري، وقد قضى طرابيشي نحو ربع قرن في الرد على الجابري ومشروعه الفكري حول تكوين ونقد العقل العربي.
كما أتذكر انحياز خصوم الجابري في الحزب، وأغلبهم من تيار اليازغي، ممن لم يقرأوا للجابري غير العناوين، كان بعضهم يسميه ب”بائع الحروف”. ومن ضمن هؤلاء أتذكر صديقنا المرحوم محمد بنيحيى الذي عمل على ترويج كتاب جورج طرابيشي منتصرا لهذا الأخير.
(***)
لما كلف عبد الرحمان اليوسفي الصحفي البارز محمد الباهي بالإشراف على جريدة “الاتحاد الاشتراكي”، واستقدمه من باريس، نزل الباهي بدار عابد الجابري، إذ جمعتهما صداقة متينة من قديم. ولم يغادر الباهي منزل الجابري إلا إلى مصحة “الحكيم”، حيث توفي بعد الغدر به. وقد طالب الجابري من الحزب بتشكيل لجنة تقصي الحقيقة في موت الباهي، وتشكلت اللجنة بالفعل من عبد الواحد الراضي وفتح الله ولعلو ومحمد الحبابي، لكن نتائج التحقيق لم تنشر. وسأعمل على ذلك إذ أتوفر على نسختي التقريرين، إذ انفرد الحبابي بكتابة تقرير مضاد لتقرير الراضي وولعلو..

(***)
حاز محمد عابد الجابري على عدد من الجوائز العالمية، وكرّمته اليونسكو لكونه “أحد أكبر المتخصصين في ابن رشد”. كما رفض جوائز أخرى رغم مبالغها المالية، منها اعتذاره مرات عن جائزة المغرب، واعتذاره عن قبول جائزة الشارقة التي تمنحها اليونسكو (25 ألف دولار). وجائزة العقيد القذافـي لحقوق الإنسان (32 ألف دولار).
واعتذر الجابري أيضاعن قبول العضوية في أكاديمية المملكة المغربية مرتين مع تأكيده على تفضيله البقاء ضمن موقعه في المعارضة، وككاتب بهذه الصفة.