رحل عبد الرحمن اليوسفي في زمن كورونا. وبسبب إجراءات الحجر الصحي، لم يحظ بجنازة تليق به كأحد أبرز زعماء الحركة الوطنية المغربية، ورئيس حكومة (1998 – 2002) في أهم مرحلة سياسية عرفها البلد، تتمثل في فترة الانتقال من عهد الملك الراحل الحسن الثاني إلى تولي نجله الملك الحالي محمد السادس الحكم. ومع وفاة اليوسفي، تكون سلالة الزعماء التاريخيين التي طبعت حقبة تاريخية قد رحلت كليا. ويرتبط اليوسفي بتاريخ حافل امتد أكثر من سبعين عاما، كان حزب الاتحاد الاشتراكي في صدارة الأحداث في المغرب العربي الكبير، من الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، وثورة الجزائر، والمعارضة الوطنية والحكم، واتحاد المغرب العربي.

كان اليوسفي دينامو حزب الاتحاد الاشتراكي منذ بداية التسعينيات، قبل أن ينسحب من الحياة السياسية في العقد الأخير. وبعد ذلك، عرف الحزب تراجعا كبيرا. وما يشهده حاليا من نزاع داخلي هو بمثابة جرس الإنذار الأخير لإنقاذ الحزب من الحال الذي وصل إليه، من حزب جماهيري له شعبية واسعة وحضور في المجالات كافة إلى حزب صغير بدأ ينكفئ على نفسه، ويقتات على ماضيه. لقد أخذ الحزب مسيرة الهبوط، بعد أن انسحب اليوسفي من العمل الحزبي عقب مغادرة الحكومة عام 2002، وصعدت إلى القيادة شخصياتٌ لم تتمكّن من الحفاظ على رصيد الحزب ووحدته، ما أثر على صورته، وأدّى إلى انسحاب كثيرين من القيادات الحزبية والنقابية والنسائية والشبيبية والثقافية المؤثرة. وتراجع الحزب بسرعة قياسية من حزب كان يمتلك الأكثرية البرلمانية ويقود الحكومة إلى حزب لا يمتلك اليوم بالكاد سوى 21 نائبا ووزير واحد (العدل). كما بات الاتحاد الاشتراكي بلا دور سياسي أساسٍ، بعد أن ظل يؤثر في القرار السياسي حوالي نصف قرن، حتى حين كان في المعارضة، وفي أوج الخلافات مع القصر الملكي، مثال ذلك التحركات والإضرابات في أوائل الثمانينيات. ولا يقف التراجع عند هذا الحد، بل لم يعد للحزب حضوره الثقافي والإعلامي الذي ظل يمثله حتى وقت قريب.


يشكل الاتحاد الاشتراكي، إلى جانب حزب الاستقلال، نوعا من الرأسمال الرمزي في هذه الأوقات الصعبة. ويبقى أنه حزب الحركة الوطنية المغربية منذ تأسيسه عام 1959، والذي شكل ساحة رحبة لحراك المجتمع المغربي، سياسيا ونقابيا وثقافيا. ومن علامات التميز أن غالبية المثقفين المغاربة سبق لهم الانتساب إلى هذا الحزب، والنضال في صفوفه، مثل المفكريْن عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري، وعدد من كبار الباحثين في الفكر الاقتصادي والاجتماعي والحقوقي والأدباء والمبدعين، بينهم أغلب رؤساء اتحاد كتّاب المغرب البارزين. وتبدو الحاجة إلى إصلاح هذا الحزب قضية وطنية ملحّة جدا، كي يسير في الاتجاه الصحيح. وهي ليست لمصلحة الحزب والحياة السياسية فقط، وإنما الدولة المغربية ذاتها التي بقيت راسخة على الرغم من العواصف، وحظيت بقدر من الاستقرار بفضل التوافق الذي كانت النخب المغربية تجنح إليه كلما تأزمت الأوضاع. وتبدو في محلها الملاحظات، على صفحات الصحف المغربية، التي وجهها عضو المكتب السياسي للحزب، الشاعر حسن نجمي، والذي دعا إلى وقف حالة التدهور التي يعيشها الحزب، وكان أحد تجلياتها مشروع القانون الذي تقدّم به وزير العدل المغربي، وهو في الحكومة ممثلا للاتحاد الاشتراكي. القانون الذي لقي معارضة من المغاربة على وسائل التواصل وفي الصحف، بسبب طابعه الضار بالحريات وحقوق الإنسان، وهو أمر ينعكس سلبا على الحزب ومكانته لدى الشارع المغربي الذي كان في يوم من الأيام يصوّت للاتحاد الاشتراكي بثقة، وعلى بياض تقريبا.

نشر بموقع صحيفة ” التجديد العربي ” الجمعة 12 يونيو 2020.