اليوسفي يمثل بالنسبة لأجيال المغاربة المتعاقبة منذ الاستقلال رمزا استثنائيا في التاريخ السياسي المغربي، تمكن بجدارة واستحقاق من قيادة الجهاز التنفيذي لفترة انتدابية كاملة، ومن إشعال ثورة مؤسساتية سلمية وهادئة وبناءة بالبلاد، الثورة التي خلقت رجة قوية في منطق ممارسة السلطة في كل أنحاء المملكة. إنها ثورة إصلاحية استندت على تشخيص أوضاع كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بدقة، واعتمدت على المناهج العصرية للتدبير، لتتفوق في خلق التحولات الأساسية في الدولة والمجتمع على السواء، تحولات مكنت البلاد من النجاح في تجاوز أخطر منعطف في تاريخها، لتعبد لنفسها طريقا جديدا وضع أعيان وأعوان الدولة ورواد وفاعلي المنطق السابق (منطق الصراع السياسي) أمام امتحان الاندماج في بناء مشروع الدولة المؤسساتية بسلطها الأربع المميزة للنظام الديمقراطي المتعارف عليه دوليا: التشريعية والتنفيذية والقضائية والإعلامية. إن المنطق الوطني التي قاد به عبد الرحمان طيب الله ثراه “قطار” حكومته، بدعم ملكي واضح المعالم، لم يترك أي فرصة لنخب المخزن القديم سوى الركوب في إحدى القاطرات متفاعلين إيجابيا مع التجربة بدون قيد أو شرط أو التموقع المفضوح في خانة جيوب المقاومة المناوئة للتغيير والتطور الذي أصبح شعارا رسميا للدولة بكل مؤسساتها.

إن حرصه الشديد بالتقيد الصارم بمقومات وقيم المنهجية الديمقراطية جعله أكثر تشبثا بتفعيل دوره كاملا، كمؤسسة ثانية في هرم سلطات الدولة، خاصة ما يتعلق بربط المسؤولية (في تنفيذ البرامج التنموية واعتماد الأنماط التدبيرية) بالمحاسبة (الإدارية والقضائية والسياسية). لقد حول برنامجه السياسي إلى إشارات بارزة ميزت سنوات ولايته التنفيذية بالكامل، ليجعل منها تعبيرا ملموسا على أرض الواقع عن الوعي العميق لوزيرها الأول بحجم الانتظارات والحاجيات الشعبية، والسعي المتواصل للاستجابة الإيجابية لها.

في هذا الصدد، صرح اليوسفي في نهاية ولايته، أن التحديات والرهانات الرئيسية التي تواجهها البلاد أصبحت اليوم واضحة ومحددة، وأضاف أن الإصلاحات الأساسية التي تشكل أسس المغرب الديمقراطي والعصري والمتضامن للقرن الحادي والعشرين، في مجالات الحريات العامة واللامركزية والجهوية، والتربية والتكوين والتكنولوجيات الحديثة والإعلام، والحماية الاجتماعية، قد تم الشروع في تنفيذها بالقوة اللازمة، ويتعين مواصلتها إلى النهاية وإنجاحها وترسيخها كثقافة في التدبير الديمقراطي لشؤون البلاد المختلفة.

لقد نزل صانع التحولات المحورية والجوهرية في منطق ممارسة السلطة بالمغرب بكل ثقل تاريخه النضالي، إلى جانب إخوانه في حزب الوردة، ليوضح للمغاربة السبيل الوحيد الذي وجب النضال والدفاع عنه بسلمية وهدوء واستماتة لبناء مستقبل في خدمة الشعب المغربي برمته. إنه التصريح، المصحوب بنجاعة وقوة التفعيل الميداني، الذي راهن من خلاله زعيمنا الصادق إلى تحويل الاستحقاقات 2002 إلى عرس وطني لتثبيت التناوب الديمقراطي على الحكم، عرس احتفالي يثبت مسار وطني جديد للتقدم في تحقيق وإتمام الإصلاحات.

إن الطموح الكبير الذي تملك جوارح الزعيم التاريخي للعمل الحزبي خلق فيه يقظة دائمة ونباهة شديدة في الاقتراح والتوجيه والتحكيم إلى درجة مكنته من تنزيل مطالب حزبه النضالية على أرض الواقع. لقد ثابر بدون انقطاع، بالرغم من كبر سنه ووضعه الصحي، إلى أن لامس نوع من الرضا المجتمعي على خططه وواقعيتها ووقعها على حياة الشعب أفرادا وجماعات. لقد لامس المغاربة كيف نجح عبد الرحمان في تجاوز المرحلة الحرجة التي وصفها المرحوم الحسن الثاني “البلاد مهددة بالسكتة القلبية، وتابعوا كيف تشبث في كل لحظات فترة تحمله مسؤولية الوزارة الأولى بتحقيق رهان الرفع من الوعي السياسي بالبلاد وربطه بإتمام التطبيق التدريجي للإصلاح الشامل.

إن استهدافه للمستقبل، عبر إصلاح الحاضر وتجاوز معيقات الماضي، جعله يولي لنظام التربية والتكوين أهمية قصوى في انشغالاته اليومية. إنه القطاع الذي يعد بالنسبة له أحد مفاتيح المستقبل، لأن لا مستقبل إلا عن طريق تربية وتكوين الأجيال الصاعدة.

إن حرصه على النجاح في الصمود أمام قوة أمواج المقاومة العاتية، حول دعواته المتكررة لمحاربة البطء في تنفيذ البرامج الحكومية إلى سلاح للتذكير بحق المغاربة في تذوق حلاوة التنفيذ القوي لأسس التوافق السياسي بآفاقه البارزة الضامنة لتيسير المرور إلى مراحل متقدمة، تمكن من تفعيل مبدأ تساوي وتكافؤ الفرص وإعطائه مدلولا أشمل وأكمل، وجعل تكريس الحق في الشغل على أوسع نطاق مفتاحا لحماية كرامة الإنسان وأمله في العيش الرغيد، وربط مواصلة العمل الجاد بتحقيق هدف تقليص الفوارق الاجتماعية وتقوية شبكات الحماية الاجتماعية وآليات التضامن داخل الأمة المغربية.

إن شعار إنجاح التوافق السياسي كان بالنسبة لليوسفي تعاقدا سياسيا صعبا نظرا لما يتطلبه من عناء في التفكير والتفعيل، ومن صراع مع الزمن من أجل تحويل ارتقاء فضيلة ثقافة التوافق إلى آلية تقود البلاد إلى التناوب الديمقراطي المستند على التعبير السياسي العقلاني والواعي للكتلة الناخبة، تعبير تتمخض عنه القيم المغلبة للمصلحة العليا للوطن على الحسابات الذاتية أو الحزبية. وفعلا كان، لقد كانت نتائج استحقاقات 2002 اعترافا شعبيا لما أسداه هذا الزعيم من خدمات لوطنه، خدمات جليلة أنقذت البلاد من الإفلاس، وأعادت الحياة للمجال السياسي، وأنعشت الاقتصاد الوطني، وأعادت الأمل في إمكانية تقوية وتوطيد الثقة بين المؤسسات والمواطنين.

هذا، فبالرغم من قصر مدة تحمله مسؤولية الوزير الأول (1998 ـ 2002)، يحس الناس اليوم أنهم مدينون لهذا الرمز لما أسداه من خدمات صادقة للوطن. لقد نجح من خلال قيادته لهذه التجربة من إزالة حالة التوتر الحاد الذي شعر به الناس طوال عقود عجاف، ومكنهم من الوعي بقيمة الرصيد السياسي لحزب القوات الشعبية الذي عبر عن القدرة السياسية الفائقة على تحويل المطالب النضالية إلى إنجازات ملموسة في الواقع، وإلى مرتكزات أخلاقية حملت في طياتها تحديات، وأبرزت في بلورتها وتنفيذها رؤية جديدة خلقت طموحا مجتمعيا غير مألوف في السابق. لقد تحولت التجربة إلى حوارات وطنية دائمة فتحت الباب لطيف واسع من أبناء هذا البلد للتعبير على طموحاتهم وحقهم في استغلال معارفهم في خدمة بلدهم.

إن ما أسداه اليوسفي (يوسوفي) من خدمات قيمة وثمينة جعلت أذهان المغاربة واعين تمام الوعي بالجانب الإنساني المميز لمجريات الأحداث في الدول الديمقراطية، مستحضرين العلاقة الوطيدة بين التجارب السياسية الجادة وإنتاج الرموز التاريخية المحدثة للتغيير والمنعطفات الإيجابية في اللحظات المناسبة. لقد اعتبر المغاربة عبد الرحمان نجما سياسيا في تقوية وعيهم بالمستقل، وبإمكانيات كسب معارك المنافسة المجتمعية حاضرا ومستقبلا. إنه الرمز الذي ارتبط تاريخ حياته بخلق التحول في منطق تعامل الدولة مع السياسة بإرادة حماية المكتسبات، وتقوية الأمل في المستقبل، وإعادة الثقة في العقيدة السياسية الديمقراطية، وارتقاء مفهوم الشعبية بشكلها الأنقى والأكثر أصالة.