عندما يقوم الباحث أو المفكر في التعامل مع الظواهر الاجتماعية بكل أنساقها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية بحيادية, من أجل إظهار مالها وما عليها, على اعتبارها منتجاً إنسانياً, فهذا أمر إيجابي يقره العقل والمنطق. 

ولكن عند يحاول الباحث أو المفكر أن يحيّد الإنسان نفسه أو يبعده عن تشكل وآلية عمل هذه الظاهرة أو تلك, فهنا تكمن الخطورة في الوصول إلى الحقيقة, على اعتبار الظاهرة هنا وكأنها فرخت بشكل مجرد ولا مكان للإنسان ومصالحه وتناقضاته وصراعاته في تشكلها. وهذا ديدن كل النظريات الفكرية الما بعد حداثية التي تعمل على إقصاء الجوهر الحقيقي لنشاط الإنسان. 

في المفهوم :

     حتى القرن السابع عشر ظلت مفردة الـ (بنية) محصورة على ما يبدو في استعمالات الإطار المعماري, وفي أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين, رحت المفردة تستخدم من قبل المفكر “هربرت اسبنسر” على المستوى الاجتماعي, أما مع ” دور كهايم” وماكس فيبر” وغيرهما من علماء الاجتماع التقليديين, فقد استخدمت المفردة في تعيين الخصائص الاجتماعية, ثم راحت فيما بعد تتطور دلالات المفردة مع “ليفي شتراوس” و” ألتوسير” وميشيل فوكو” ولويسيان رولان” , لتدخل نطاق المفهوم , أي أصبحت (البنيوية) تشكل هنا نظرية لها تياراتها واتجاهاتها الاجتماعية والفلسفية والنقدية في مجال الأدب والفن ومعظم العلوم الإنسانية. وبذلك اكتسبت إرثاً جديداً أصبح له حضوره الفاعل في عالم الفكر والأدب بشكل خاص, والمعرفة بشكل عام. (1) 

     على العموم إن البنية» في سياقها العام, هي شبكة العلاقات الإنسانية التي يكونها الإنسان ويتعامل معها عقلانياً بعد تجريدها مما هو خارج عن نطاق تكوينها وآلية عملها الحقيقيين.

     أما من الناحية المنهجية, فالبنيوية تشكل منهجاً فكرياً وأداة تحليل تقوم على فكرة الكلية أو المجموع المنتظم . 

     إذن, إن البنيوية في المحصلة هي منهج فكري نقدي يقر بأن كل ظاهرة إنسانية, ( فكرية أو أدبية, أو اجتماعية ), تشكل بنية قائمة بذاتها, لا يمكن دراستها وفق هذا المنهج إلا بعد أن تقوم بتفكيكها إلى عناصرها المكونة لها, وذلك دون تدخل فكر ورغبات واهتمامات الدارس لهذه الظاهرة أو تلك. أما نقطة الارتكاز الأساس في هذا المنهج النقدي البنيوي, فهي (الوثيقة), حيث أن البنية لا الإطار هي محل الدراسة, فالبنية تكفي بذاتها ولا يتطلب إدراكها اللجوء إلى إي عنصر من العناصر الغريبة عنها, لذلك نجد أن الانفعال والأوهام الوجدانية عاجزة عن تحقيق ما تنجزه دراسة العناصر الأساسية المكونة لدراسة الظاهرة أو الأثر.  

أسس البنيوية:

     ينطلق المنهج البنيوي للظاهرة من ضرورة أن ينصب التحليل البنيوي على الجانب ألتزامني وليس التعاقبي, أي على الجانب التاريخي لا التطوري. وكذلك التعامل مع القطيعة المعرفية لا الإستمرارية, على اعتبار أن كل تحول تاريخي للظاهرة يعكس نماذج من القطائع المعرفية واللااستمرارية. هذا في الوقت الذي لا تعطي فيه البنيوية للإنسان مكانة خاصة في العالم الاجتماعي, فهو في معطياته العامة ظاهرة ( شيئاً), ولا معنى له خارج نطاق البنية والتفاعل البنيوي.

      كما تربط البنيوية الظاهرة الثقافية أو الاجتماعية في السلطة, حيث تعتبر أنه من غير الممكن ملاحظة بنية أو دراستها خارج نطاق السلطة, وذلك إذا ما أخذ بعين الاعتبار أن الانضباط والعقاب والخطاب الأيديولوجي.. إلخ, موجودة أصلاً ضمن نطاق ممارسة السلطة. يضاف إلى ذلك أن البنيوية تنظر إلى عالمية المعايير, أي وحدتها التي تتحكم في دراسة الظاهرة , فتنوع الثقافات يؤدي بالضرورة إلى تنوع التعابير عنها, بيد أن البنى التي تتحكم في هذه المعايير متماثلة وفقاً لرؤية البنيوية . 

     أما على المستوى اللغوي , فترى البنيوية أن الظاهرة الثقافية تشكل أنظمة لغوية لابد أن تحلل باتساق بواسطة تقنيات مستقاة ومشتقة من الألسنية, كالتراكيب اللغوية, والصور اللفظية, ووحدة الأصوات, والتضاد والثنائي, والاستعارة والكناية .. الخ. ثم أن كل ظاهرة ثقافية يجب أن يتم التعامل معها كما يتم التعامل مع اللغة, أي لها دالها ومدلولها. هذا وتستند البنيوية إلى مجموعة من المصطلحات والمفاهيم الإجرائية في عملية الوصف والملاحظة والتحليل, غالباً ما تشير في دلالاتها إلى التحديد والعزل والفصل وتفكيك الظاهرة المدروسة, كالنسق والنظام والبنية والبنية الداخلية والعناصر وشبكة العلاقات, كذلك الثنائيات وبنية التعارض والاختلاف والدال والمدلول, والمجاورة والاستبدال والتقرير والإيحاء والتمفصل المزدوج .. الخ . (2)

البنيوية التوليدية / التكوينية:

     أمام حالات الضياع التي حلت على العالم بشكل عام وعلى أوربا بشكل خاص بسبب النتائج المدمرة للحرب العالمية الأولى والثانية فيما بعد, كان للحركة الفكرية الفلسفية منها والأدبية والفنية نصيب واضح من هذا الضياع أو التشظي الذي تجلى في ظهور الكثير من النظريات والمدارس الفكرية والفنية والنقدية الأدبية التي راحت تبحث في واقع إنسان تلك المرحلة وتوصيفها, وبالتالي وضع الحلول لخلاص الإنسان من معاناته, فكان من بين تلك النظريات والمدارس إضافة إلى الوجودية والعبثية والمذهب الذري, ( من الذرة وهي أصغر جزء من المادة), النظرية (البنيوية) كمنهج ومذهب فكري شكل ردة فعل على الوضع الذري الذي ساد العالم الغربي في بداية القرن العشرين كما اشرنا سابقاً, وهو وضع تغذى وانعكس أيضاً على تشظي المعرفة وتفرعها إلى تخصصات دقيقة متعددة تم عزل بعضها عن بعض, مجسدة في الوقت نفسه مقولة عزل الإنسان ذاته وانفصاله عن واقعه والعالم المحيط به (تذريره), وتكريس شعوره بالإحباط والضياع والعبثية.

     أمام حالات الضياع المادي والفكري هذه, ظهرت أصوات تطالب بضرورة العودة إلى النظام الكلي والتكافلي والمتناسق الذي يوحد العلوم بعضها ببعض, ومن ثمة يعمل على تفسير العالم والوجود, وبالتالي جعله مرة أخرى بيئة مناسبة للإنسان. هذا وقد كانت البنيوية التوليدية / التكوينية, أحد هذه الأصوات التي جاءت استجابة  لبعض المفكرين والنقاد اليساريين, بغية التوفيق بين أطروحات البنيوية في صيغتها الشكلانية /التفكيكية التي جئنا على عرض أهم مقوماتها وأسسها سابقاً, وأسس التفكير المادي الواقعي للفكر والثقافة عموماً .

     لقد أسهم في تكوين هذا الاتجاه البنيوي التوليدي, عدد من المفكرين اليساريين أمثال ( المفكر المجري جورج لوكاش, والفرنسي بيير بوردو, والروماني الأصل لوسيان غولدمان ).

     هذا ويعتبر الناقد ” لوسيان غولدمان”, من أهم الذين نظروا في البنيوية التكوينية / التوليدية, فهو في تطويره للبنيوية الشكلية ومحاولة ربطها بالواقع, اهتم بدراسة بنية النص الأدبي دراسة تكشف عن الدرجة التي يجسد بها النص ( رؤية العالم) عند طبقة اجتماعية محددة, أو مجموعة اجتماعية محددة, ينتمي إليها الكاتب, على أساس أنه كلما اقترب النص اقتراباً دقيقاً من التعبير الكامل المتجانس عن رؤية العالم عند هذه الطبقة الاجتماعية أو تلك, كان أعظم تلاحماً في صفاته الفنية.    

      أما الأعمال الفنية عند ” غولدمان” لا ينظر إليها على أنها خلق فردي خالص, بل هي خلق يتجاوز الفرد… هي نتاج بنية الأفكار والمطامح التي تشترك فيه مجموعة اجتماعية (طبقة), غير أنها تصل إلى أرقى تعبيراتها عند الشاعر والمفكر.

     إن الكتاب والمفكرين عند “غولدمان” هم الأفراد المتميزون الذين ينقلون فنياً رؤية العالم عند طبقة اجتماعية أو مجموعة بشرية ينتمون إليها ويصوغونها بطريقة كاشفة , وإن لم تكن واعية بالضرورة . بيد أن التكوين أو التوليد عنده لا يتضمن أي بعد زمني يعيد الشيء المدروس ( الظاهرة) إلى تاريخ ولادته ونشأته, فالبعد الزمني في هذا الشأن يعتبر ثانوياً جداً. 

     إن البنية التي يأخذ بها ” غولدمان” ترتبط بأعمال وتصرفات الإنسانية, وإن فهمها ليس أكثر من محاولة لإعطاء جواب بليغ عن وضع إنساني معين في زمان ومكان محددين دون النظر إلى النشأة والتطور التاريخي لها بالضرورة .

     أما الناقد ” بيير بورديو” فهو إضافة إلى الرؤى السابقة التي طرحها “غولدمان” في سياق عرضه للبنيوية التوليدية, نراه يعتبر أن المدى الاجتماعي هو المدى الحيوي الذي تكمن فيه الصراعات الطبقية والتي ينبغي علينا النظر إليها, أي حالات الصراع الطبقية, بمحتواها الثقافي, حيث يقدم لنا هذا المحتوى هنا, كرأسمال ( رمزي) مقابل الرأسمال الاقتصادي. وهذا الرأسمال الرمزي يكرس وفق رؤية ” بيير بورديو” التمايزات بين الطبقات الاجتماعية, بل ويعيد إنتاجها لاشعورياً . وللرأسمال الثقافي عنده عنف شأن الرأسمال الاقتصادي, إلا أنه لا يخلق صراعاً ظاهرياً بين الطبقات .

      هذا وأن الرأسمال الرمزي يقسم المجتمع بدوره إلى طبقات منها على سبيل المثال :

1 – برجوازية صغيرة ومتوسطة, ذات رأسمال ثقافي أعلى من الرأسمال الاقتصادي للطبقات الرأسمالي الصغيرة والمتوسطة , يمثلها شرائح الأنتلجينيسيا, مثل الأطباء والمهندسين والمحامين.

2- رأسمال اجتماعي ناجم عن قوة العلاقات الاجتماعية المستندة إلى أصول اجتماعية تقليدية ( شيوخ العشائر والقبائل والطوائف) .

3- رأسمال الجسد, كالجمال والجاذبية.

     إن هذا الرأسمال بأنواعه له قوة جبارة تستخدم وتنتج بناء المدى الاجتماعي وتشكله, وتعيد إنتاجه من جديد .

     ختاماً نقول : إن النظرية البنيوية في اتجاهيها الشكلاني والتوليدي ليست أكثر من رؤى ومفاهيم أريد من خلال طرحها التعمية على العوامل الحقيقة التي تشكل العلاقات الاجتماعية والفكرية وآلية عملها, وبالتالي دفع المجتمع ( أفراد وكتل) للبحث عن خلاصهم ومعاناتهم التي خلفتها لهم طبيعة العلاقات الرأسمالية الاستغلالية, هذه العلاقات التي كانت وراء ليس ما خلفته الحربين العالميتين من دمار للمجتمعات البشرية فحسب, وإنما هي وحدها تتحمل القسم الأكبر من حالات معاناة هذه المجتمعات وما لحق أفرادها من ضياع وتشيء واستلاب (3).

عدنان عويد كاتب وباحث من سورية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (2) – للاستزادة في مفهوم البنيوية ونشأتها راجع : موقع سموس نيوز – في تاريخ البنيوية وتطورها. عبد الله جاد كريم.

(2) – للاستزادة في معرفة أسس النظرية البنيوية. يراجع رسالة أسس النظرية البنيوية في النقد العربي الحديث رسالة مقدمة لنيل شهادة دكتوراه علوم في الأدب العربي (نقد معاصر).إعداد الطالب – حكيم دهيمي. 

(3) – راجع موقع الحوار المتمدن – ابراهيم حجاج – منهج البنيوية التوليدية في النقد الأدبي.

يراجع أيضاً – موقع الحداثة وما بعد الحداثة – البنيوية التوليدية او البنيوية التكوينية – سليم ساعد السلمي.