دولة الحزب الواحد في سياقها العام, هي الدولة التي يقرر سياستها الداخلية والخارجية حزب واحد يعتبر القائد للدولة والمجتمع, حتى ولو وجد إلى جانبه أحزاب أخرى تلتقي معه في المواقف الفكرية أو الأيديولوجي بحطوطها الاستراتيجية. 

     إن الدولة ذات الحزب الواحد, تعني الاسم الذي يطلق عليها, بحيث تصبح سلطة الدولة ومؤسساتها في جميع أغراضها الفعالة جهازاً للحزب. وبذلك يستطيع الحزب استخدام سلطته العليا ليعطي إرادته صفة قانونية. وبهذا يستطيع ليس فرض الوحدة الشكلية على المجتمع فحسب, وإنما قمع أولئك الذين يعارضون سياسة الحزب أيضاً, أو الخروج عن نهجه العام, وفي مثل هذه الأجواء يمكن اعتبار الانتقاد لسياسة الحزب مؤامرة, وأي محاولة لتصحيح وضع ما في هذه السياسة خيانة. وهذا يعني أن سلطة الدولة (الحزب) تشعر دائماً أنها تواجه خطراً خفياً من الداخل وحتى الخارج, ولكي تحمي نفسها من هذا الخطر تقوم الحكومة أو السلطة دائماً بفرض مراقبة صارمة على من هم داخل تنظيمها أو خارج هذا التنظيم, وذلك باعتمادها وبدرجة عالية على الأجهزة البوليسية السرية أو الأمنية, ومن يوظف لصالح هذه الأجهزة من أعضاء الحزب أو الكوادر الإدارية أو المواطنين, الأمر الذي يخلق جواً من الشك وعدم الثقة ما بين طرفي المعادلة الحزب والدولة من جهة,  والشعب من حهة ثانية. فممارسة القمع والوصاية على الشعب يجعلان كل مواطن على درجة عالية من الحذر أمام أهله وجيرانه وأصدقائه وكل ما يحيط به, هذا في الوقت الذي يُعطى الكثير من العناصر الحسودة والغيورة والأنانية وحتى المدانة سلوكيا الفرص في قيادة الدولة والمجتمع, بغية استخدام مهارتهم المشبعة بالأنانية والحقد والكراهية ضد الشعب وضد من يضنون أنهم أساؤوا لهم أو ينافسونهم في مراكزهم خدمة للدولة والمجتمع من الأفراد الطامحين او حتى الغيورين على مصلة البلد.

     والدولة ذات الحزب الواحد, ينتهب قادتها إغراء مستمر لاجتياز حدود حرية الآخرين أو إقصائه, الأمر الذي سيدفع الدولة إلى الدكتاتورية أو الشمولية. والحكام في مثل هذه الحالة كي يغطوا شهوة السلطة لديهم واستمراريتها, كثيراً ما يركزون على الخطابات المشبعة بالقيم الايجابية مثل حرية الشعب وعدالته وسعادته وتنميته ومصالحه وأمنه, وغير ذلك من شعارات بعيدة كثيراً عن ممارسة معانيها الجوهرية. وهذه السلوكية للدولة الشمولية وحزبها, غالباً ما تفرض الطاعة العمياء على أعضاء الحزب نفسه, وحتى على أفراد المجتمع لقبول سياسات الحكومة أو الحزب, ويأتي في مقدمتها تمجيد سياسة التسويات الاجتماعية التي يريدها الحزب بين مكونات المجتمع وكأنها تمجيداً للوحدة الوطنية والديمقراطية. والخطر في مثل هذه الحالة, هو أن العادات والقيم والسلوكيات تنموا بما تتغذى عليه, فضلاً عن أنها معدية, وخطورتها عندما تتحول هذه السلوكيات المشينة إلى نمط حياة, يمثلها شلة, أو شلل من الانتهازيين والوصوليين والفاسدين, ولكننا لا نعدم في المقابل أثناء الأزمات وجود رجال شرفاء يدافعون عن قيم ومبادئ الحزب والدولة الحقيقية التي أوصلته إلى السلطة, أما في غياب الأزمات فالسلطة تتحول كما قلنا إلى مرتع يستغله الوصوليون والمنافقون الذين يشتهون قوة السلطة لذاتها خدمة لمصالحهم الأنانية, بعد أن يتخلى الكثير من أعضاء الحزب عنه عند أول أزمة يتعرض لها الحزب والدولة, وغالباً ما يتحول الكثير من أعضاء هذا الحزب الشمولي إلى مضاد لسياسته. أو ما يعرف سياسياً بمضاد للثورة.

     أما أكبر عيوب نظام الحزب الواحد, هو أن الناس الذين هم من خارج تنظيم الحزب القائد (المستقلين), إذا ما أرادوا أن يمارسوا نشاطاً في الحياة السياسية لهذا الحزب الشمولي, فيجب عليهم أن يتنازلوا عن ضمائرهم إلى هذا الحزب الحاكم, أي يمارسون دوراً سياسيا بعيداً إلى حد ما عن قناعاتهم, وهذا أقرب إلى خيانة ضمائرهم وما يعرفون من حقائق كثيرة قد غيبها أو زيفها نظام الحزب الواحد ورضوا السير في ركاب هذا الزيف, لخدمة لمصالح أنانية ضيقة.

     إن من أكبر عيوب نظام الحزب الواحد, هو الاقصاء الدائم لحملة العقل الناقد والتنويري والعلماني  داخل تنظيم هذا الحزب الواحد أو خارجه, والفسح في المجال واسعاً لمثقفي السلطة, من أصحاب التفكير الوضعي او الديني معا. علماً أن نظام الحزب الواحد كثيراً ما يدون في أدبياته ودساتير الدول التي يحكمها قيم التقدمية, والعلمانية, والعقلانية, ودولة المؤسسات, وحرية الشعوب, واحترام الرأي والرأي الآخر, وتأمين رفاهية المواطنين. ولكن المشكلة هنا, أن ما يقوم الحزب بتطبيقه عبر مسيرته في قيادة الدولة والمجتمع من سياسات غالباً ما تكون بعيدة عما يطرحه في هذا الاتجاه, وغالباً ما تفرض سياساته كما أشرنا في موقع سابق عن طريق الإكراه وليس الإقناع, أي التطبيق يأتي بصيغة أوامرية من الأعلى وفقاً لما تراه القيادة المتحكمة بالقرار السياسي والاقتصادي والثقافي. أي أن القرار غالباً ما يتمركز إقراره برجل جماعي هو الحزب من جهة, ومن جهة أخرى, أن هذا الرجل الجماعي ذاته يعود ليتمركز في رجل فرد هو قائد هذا الحزب الذي تصبح بيديه عملياً كل السلطات على مبدا مقولة لويس الرابع عشر : (أنا الدولة والدولة أنا). وهذا ما يحد من ممارسة الحرية والديمقراطية إن كان على مستوى الحزب أم على مستوى الشارع السياسي الشعبي, ويشكل بالتالي عامل إرباك لعمل الدولة والحزب معاً, وهذا الإرباك يتجلى واضحاً في كثرة التغيير على مستوى كوادر الدولة والحزب بسبب سيادة الأوامرية في التطبيق أولاً, ثم فقدان المبادرة لدى هذه الكوادر وخوفها من وقوعها في الأخطاء أثناء عملها ثانياً, والأهم من الجهة الثالثة سيادة وانتشار الفساد بكل أشكاله لانعدام المراقبة والقدرة على المحاسبة من قبل الجهات المختصة, التي غالباً ما يخترقها الفساد هي ذاتها. 

     وبناءً على كل ذلك فعند أول حراك اجتماعي ضد نظام الحزب الواحد, نجد الهتافات والشعارات التي تطالب برحيل القائد الكاريزما, قبل أي شيء آخر لأنهم يعرفون بأنه عندما ركز السلطات الأساسية في يده أصبح هو وحده المسؤول عن كل الأخطاء الواردة أو الحاصلة في الدولة والحزب والمجتمع, وبالتالي فرحيله يعني رحيل النظام السياسي القائم كله, وهذا ما تجلى واضحاً في العراق صدام, وليبيا القذافي, وتونس زين العابدين, ومصر حسني مبارك, والجزائر بوتفليقة, والسودان البشير. والشيئ المحزن أنه مع رحيل هؤلاء القادة دخلت البلاد في مآزق سياسية واجتماعية وأيديولوجية واقتصادية, حولت الدولة ذاتها إلى دولة فاشلة, والسبب هو غياب روح وتجذير دولة المؤسسات تحت مظلة قيادة الدولة الشمولية سابقاً.  

د.عدنان عويد كاتب وباحث من سورية