رؤية:

     لو فكرنا ملياً وبعمق, لوجدنا أن معظم, إن لم نقل كل العلاقات الاجتماعية القائمة بيننا, هي شكل  من أشكال حركة الرأسمال.

في المفهوم:

     السياسة: هي فن وعلم حكم المجتمعات. أي فن وعلم إدارة شؤن الدولة والمجتمع. 

     والاقتصاد: هو علم وفن حركة السلعة, أي البضاعة. 

في المضمون:

     إن الإنسان ذاته في المجتمعات الاستغلالية والاستبدادية يتحول إلى سلعة. وهي مجتمعات لم تزل قائمة وستبقى لسنين طويلة في مضمار عالم مليء بالقهر والغربة والاستلاب والتشيئ. أي عالم التسليع. وستظل القواسم المشتركة بين السياسة والاقتصاد برأيي تتعلق بكيفية إدارة السلع. 

    في الاقتصاد السياسي, تعلمنا قانوني (القيمة وفضل القيمة.). فإذا كانت (قيمة السلعة) تقاس بالجهد الاجتماعي المختزل في هذه السلعة. أي جهد كل الناس الذين يشاركون بإنتاج هذه السلعة أو تلك منذ أن كانت مادة أولية حتى وصولها إلى مرحلة الاستهلاك.

      فإن (فضل القيمة): هو ذاك الجهد المسروق من تعب المنتج لمصلحة مالك وسائل الإنتاج. وبالتالي فهذا الجهد المسروق يُراكم الثروات ويُمركزها ويُركزها بيد المالك لوسائل الانتاج الذي ترتفع قيمته الاجتماعية من خلال ازدياد ملكيته, (عندك فرنك تساوي فرنك). فارتفاع قيمته الاجتماعية بسبب ملكيته يساهم في رفع مكانته الوجاهية, التي تدفعه للوصل إلى السلطة عبر السياسة, من أجل الحفاظ على ملكيته والتشريع لتنميتها. أي الحفاظ على نفسه أمام من سرقهم وراكم ثرواته وركزها ومركزها على حساب تسليعهم, وتحويلهم إلى وسائل إنتاج من لحم ودم, تبيع جهدها (نفسها) للمالك من أجل الحفاظ على حياتها.

     هنا يتضح لنا وبشكل جلي, أن معظم – ولا اقول كل – العلاقات الاجتماعية المادية والروحية تقوم في هذه المجتمعات على حركة الرأسمال. بل هي ذاتها حركة رأسمال بهذا الشكل أو ذاك.

     لاحظ: عندما يكون الاقتصاد قويا في دولةً من الدول, يكون هناك قوة وحضور للفرد والمجتمع في هذه الدولة وسياستها. (أمريكا أنموذجا)… اقتصاد قوي… دولار تقاس عليه كل عملات العالم… حصانة دولية عالية للمواطن الأمريكي… ورغبة جامحة لدى الاخرين بالحصول على الجنسية الأمريكية. والعكس صحيح عندما يكون اقتصاد الدولة والمجتمع ضعيفاً, تكون الدولة تابعةً لغيرها أو بحكم التابعة, مع ضعف في البنية الاجتماعية وعلاقاتها السياسية والاجتماعية والثقافية, ورغبة جامحة لدى مواطنيها بالهجرة وترك الوطن بحثاً عن تغيير الأحوال الاقتصادية بشكل أساس, وما يقوم عليه من تغيير في الوضعية الاجتماعية. 

     إذن الاقتصاد هو القاعدة التي تقوم عليها العلاقات الاجتماعية والسياسية داخل الدولة وخارجها. فكلما كان اقتصاد الدولة قوياً كانت سياستها الداخلية والخارجية قوية, والعكس صحيح. فالسياسة وفق هذا المعطى هي تعبير هادئ عن الاقتصاد.

     أخيراً: إذا كان الاقتصاد لدى الدولة ضعيفاً, فستكون عملتها ضعيفة, أي رديئة, والعملة الرديئة ستطرد العملة الجيدة. لذلك سينعكس هذا القانون على بنية العلاقات الاجتماعية والسياسية أيضاً داخل هذه الدولة, حيث يطفوا سياسيا واجتماعيا على الساحة كل المرجعيات التقليدية المتخلفة, مع سيطرة غير محدودة لسفلة المجتمع وشرائحه الطفيلية, الذين نهبوا أموال الدولة والمجتمع, وأصبحوا أصحاب مال وجاه وسلطان. وفي المقابل تجد الاقصاء بعيداً لمن هم أهل لقيادة الدولة والمجتمع الذين يمثلون الرأسمال الرمزي لهذه الدولة وهذا المجتمع. والنتيجة وفق هذه المعادلة, هي انهيار للقيم النبيلة والحق والعدل وتكافئ الفرص, وانتشار لكل ما هو فاسد ورديء. 

ملاحظة: هناك من يعطي الاقتصاد العامل المطلق في حركة الفرد والمجتمع والدولة, متجاهلاً دور الفكر والعوامل الروحية في تحريك هؤلاء, وهنا تكمن النزعة (الاقتصادوية), وهي نزعة ميكانيكية بالنسبة لتحديد علاقة الفكر بالواقع والممارسة, وكأن الواقع يفرز الفكر كما يفرز الجلد مادة الملاح… هذه هي المادية الساذجة أو المبتذلة.

د.عدنان ابراهيم كاتب وباحث من سورية