أهداني – قبل أيّام – الصديق المناضل والضابط السابق في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين محمد لومة كتابه الجديد الموسوم بـ “جورج حبش : في مواجهة معسكر الخصم”، وهو كما جاء في العنوان الفرعي : رصد ميداني من داخل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بين 1971 و1973 على لسان قائد عسكري مغربي سابق من خلال وثائق سرية تنشر لأول مرة.
ويعتبر الأستاذ محمد لومة – مواليد منطقة سوس المغربية 1947 – مقاتلا وضابطا في صفوف الثورة الفلسطينية منذ انضم إليها في 1968 حتى 1976، حيث تخرج من الكلية الحربية السورية كمهندس عسكري. وكما جاء في تقديم الأستاذ صلاح صلاح – رئيس لجنة اللاجئين الفلسطينيين بلبنان والعضو السابق في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين :

“إن الرفيق محمد لومة عاش مع الثورة الفلسطينية في جميع مراحلها وله فيها من خلال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إسهامات مهمة ليس فقط في مجال التدريب وإنما أيضا في مجال العمليات العسكرية”. وقال مناديا المؤلف: ” ولقد شكلت الجبهة الشعبية كما ذكرت أيها الأستاذ محمد لومة مركز استقطاب للكثير من القوى اليسارية العالمية، وساهمت أنت في تدريب عدد من أعضائها”.
قدم محمد لومة الكثير من الأعمال الوثائقية المقروءة والمسموعة والمرئية بخصوص شطر مما يتعلق بالمقاومة وجيش التحرير في المغرب وأيضا قدم أعمالا تخص تجربته في صفوف الثورة الفلسطينية، وفي هذا العمل يرصد أسباب وحقائق عن الانشقاقات التي واجهت جورج حبش وكان هو جزء منها حيث يعتبر أن ذلك كان ناتجا عن سوء تقدير للموقف وغياب التجربة حيث اعتبر أنها كانت محاولات لتقويض الجبهة من قبل من وصفهم بالقوى الرجعية، وهذا ما أعتبره مراجعة أو شكلا من النقد الذّاتي.
لا زال الأستاذ محمد لومة مرحا وهو يرصد تجارب النضال الفلسطيني وتجاربه التي جعلته عارفا بتفاصيل الجغرافيا كمهندس عسكري تدربت على يديه عناصر قيادية وفدائية في صفوف الثورة الفلسطينية وفي إطار الجبهة، مرحا لأنّه يحسن التمييز اليوم بين المناضل الحقيقي والمناضل المزيّف الذي سقط سهوا في مسار نضال بات اليوم لا يتطلب وفاء أو فداء بقدر ما يحتاج إلى تدكين و عويلا وادعاء واستغلال للقضية. لم يتاجر في القضية الفلسطينية ولم ينخرط في دكاكين المتاجرة بالقضية وخلط الأوراق كما نجد ذلك ماثلا في مشهدنا بشكل تجاوز المدى. لقد ناضل كمجذوب وعاد أدراجه يتأمّل ما بات أشبه بتزييف منهجي للتاريخ، وأصبح الزّيف يتقدم إلى الأمام بعد أن لم يعد التقدم والبدار إلى الواجهة مكلفا. وككل شيء مزيّف دخل الفعل التضامني مع القضية الفلسطينية بمشهدنا في حسابات سياسوية رخيصة وتمثّلات مسرحية لإخفاء تاريخ لا زال محمد لومة يفضحه بالتوثيق الشاهد من نمير الشهادة والفدائية على طريق تحرير فلسطين. كان التضامن يعني بلغة لومة أن تكون فيدائيا وتكون حيث هم، وهم تعني الفرسان. حينما أنظر إلى لومة أتذكر رعيلا كاملا وسياقا مختلفا كان النضال والتضامن بالنسبة لشباب مناضل عشريني هو الالتحاق الفوري بجبهة التحرير، لكن أيّا من هؤلاء الذين التحقوا بالميدان ليسوا في واجهة النضال التضامني اليوم: أين كان المناضلون المزيفون الذين يحاولون التلبس بالقضية الفلسطينية كأنّها ميراث رخيص لمن لا تاريخ يشهد لهم بالنضال الحقيقي حين كان النضال مكلفا ويتطلب التحاقا بصفوف الفدائيين وما عدا ذلك هُراء عسير التبرير؟ وفي تلك الأثناء كانت الأحزاب التقدمية وحتى ما كان يعرف باليمين مجمعة على عدالة القضية الفلسطينية بينما ساهمت الأحزاب التقدمية بفتح الطريق للالتحاق بالثورة الفلسطينية، كان الأمر يتعلق بسياق ونمط في التفكير وربما محمد لومة اليوم وككل من ساهم في العمل الميداني يملك ما يكفي من التجربة والتأمل لإعادة تقييم الأحداث. وكما عبّرت مرارا وجهارا للرفيق محمد لومة بأنّه كان مقنعا لي في منافحته عن هذا التّاريخ، ففي الفعل التضامني الفلسطيني أقدّر من ضحّوا لا من تاجروا، من لبّوا النداء في سياقه لا من ناضلوا بأثر رجعي، وكذلك يدرك المتاجرون باسم فلسطين وبحدس سرّاق الله وسراق القضايا العادلة بأنهم غير مقنعين لنا لذا يهربون إلى الأمام في محاولاتهم الاستبعادية والاستئصالية والتآمرية. ولأنهم يعرفون أنّنا نعرف حقيقة تاريخهم الذي هو هجيع من العويل الأجوف من دون فعل تضامني على الأرض: مسيرات ووقفات ونشاطات مدفوعة الثمن وهو بئس التضامن. يبحث لومة في تجاربه وتاريخه ولا يحتاج أن يبتكر أساليب مغالطة واهتبال حوادث ملتبسة للتذكير بعدالة القضية، ذلك هو الفرق بين من يجرّ خلفه تاريخ مثقل بالتضحية ومن يجر خلفه تاريخ مثقل بالمتاجرة والعويل.
ثمة نقاط ستبقى مفتوحة على أكثر من تأويل، لكن يعلمنا التاريخ أن ننصت لتجارب المناضلين، وكيف أنّ السياق يلعب دورا كبيرا يخرم مفهوم الإرادوية حتى حينما يتعلق الأمر بفدائيين حملوا في ضمائرهم مسؤولية التغيير. وربما هناك في تجربة جورج حبش والجبهة الشعبية ما يعزز هذه الإشكالية التي سيضطلع الكتاب بتقديم رؤية وافرة عنها بتفاصيل ميدانية جعلت الرفيق لومة في قلب الحدث وأيضا في حديقته الخلفية كمدرّب للفدائين؛ اختلاف الرفاق حول مضمون الدياليكتيك، والنقاش الذي حام حول جدوى اختطاف الطائرات الذي كانت تتكلف به لجنة العمليات الخارجية، ومنهجية وديع حداد التي أرغمت رفيقه جورج حبش في آخر المشوار على القول: إمّا حداد أو الانضباط. وسنشتم من هذا أن جورج حبش كان مع دياليكتيك تاريخي يمنح النقيض مهلة الانصهار في أتون التناقض المنطقي الذي ينتج التركيب، وهو بهذا المعنى يتمتع باستقامة أيديولوجية جعلته إلى حدّ ما مدركا لخطر القفزات قبل أوانها ومدركا لخطر الفوضوية على مسار تكامل الثورة الفلسطينية. ربما وكما ذهب الكاتب فإن جورج حبش لم يكن لديه الاستعداد الكافي لحل المشكلات التنظيمية الداخلية كما كانت علاقته بوديع حداد تمنعه من اتخاذ قرار حاسم في أسلوبه ذاك. وفي النهاية تتأكد اعترافات أبو جاسم – محمد لومة – وقد تحمل مسؤولية ثلاثة معسكرات تدريب وهو خريج الكلية الحربية السورية والمنتمي في نهاية ستينيات القرن الماضي للصاعقة وكان شاهدا على الجزء الأهم من محاضر اللقاءات لاسيما المؤتمر الثالث للجبهة بل منخرطا في تحويل مخازن السلاح في إطار محاولة الانشقاق التي اعتبرها – في نوع من الإنصاف – ناتجة عن قلة الخبرة والتورط في انشقاقات كان وراءها اختراقات من زوايا مختلفة وأنّ الجبهة كانت مستهدفة. لقد أشرف لومة على تدريب عناصر فدائية في منظمات ثورية التحقت بمعسكرات التدريب لاسيما بالنبطية أو معسكر البداوي شمال بيروت، من قوى ثورية عالمية، من البلاد العربية وتركيا وإيران واليابان وغيرها.

التحاق لومة بالجبهة جاء بعد أن ساءت أحوال عشرات الرفاق الذين التحقوا به من تنظيم الفقيه البصري، لا سيما أحداث 1973، وأمام عجز من تبقى على مواصلة المسيرة بكفاءة تنظيمية أو فكرية لاذ لومة برفاقه الشيوعيين والبعثيين والقوميين العرب بعيد عن تنظيم الفقيه البصري الذي بات حسب وصف لومة “في مرحلة الوفاة السريرية”.


ويذكر لومة أنّ رئيس الجمهورية أنذاك الراحل حافظ الأسد كان قد منح خريجي الكلية الحربية من زملاء لومة في صيف 1971 مائتين وخمسة وعشرين ليرة سورية، أي ما يعادل راتب شهر كامل لضابط عامل في الجيش السوري أنذاك. كان محمد لومة قد قرر أن يتجه إلى جبهة تحرير ظفار باليمن كمدرب عسكري غير أنّ الانتقال من سوريا إلى لبنان كان صعبا بعد “رفض صارم من قوى الأمن اللبناني للسماح لي بالدخول”، غير أن لومة لجأ الى المراوغة ودخل عنوة عبر شتورا متجها إلى بيروت. وهكذا قادته الصدفة ليجد نفسه يتولى تدريب مقاتلي وكوادر الجبهة في انتظار مجيء رفيقه “محسن مي” من جبهة تحرير ظفار. وفي تلك الأثناء التقى مع الشهيد غسان كنفاني الذي كان يومئذ مسؤول تحرير جريدة الهدف لسان الجبهة الشعبية. هناك تولّى محمد لومة تدريب كوادر الجبهة في قطاع العرقوب تركزت حول المتفجرات وأساليب حرب العصابات وتداريب أخرى تتعلق بمدفعية الهاون والرشاشات والقذائف الصاروخية. ثم انتقل إلى القطاع الأوسط بمخيم الراشدية، وكانت التداريب في قرى صديقين ومجدل سلم وقانا ومخيمات الراشدية والبص والبرج الشمالي، وبعد ذلك انتقل إلى المعسكر الرئيسي للجبهة وهو مخيم البداوي بشمال لبنان بضواحي طرابلس، وهو مخيم كان يحتوي على سجن خاص للجبهة وفيها سيعتقل أول وأخطر جاسوس في الجبهة هو زياد بركات حيث سيروي لومة تفاصيل اكتشافه ومحاكمته قبل صدور حكم الإعدام في حقه.

في هذا الكتاب توثيق لعمليات فدائية لا سيما اختطاف الطائرات التي شكل انعطافة في تاريخ الثورات الحديثة، وهو منهجية وديع حداد التي أظهرت قدرات فائقة على التخطيط ومن خلالها لفت الانتباه للقضية الفلسطينية التي كانت تواجه التصفية، وشكلت ف نظر منفذيها أسلوبا في كبح جماح احتلال بلغ ذروة الاستهتار بالعنف ضد الأهالي في فلسطين لم يترك فرصة لطرح القضية في ضمير العالم، وسيتحدث عن عمليات ناجحة وأخرى لم توفق وسيحدثنا عن تفاصيل العملية التي قادتها المناضلة نادية خالد، وكيف استطاعت الجبهة في نهاية المطاف أن تضع حدّا لهذا النوع من العمليات.


يلعب السياق الموضوعي للكفاح دورا كبيرا، فالخلاف حول عمليات اختطاف الطائرات شكل أزمة عاتب فيها الصينيون والروس جورج حبش وكانت تلك العمليات محرجة وكانت وراء بدأ طرد الفصائل الفلسطينية كما حصل على إثر معارك أيلول الأسود، إذن هو الانضباط الذي تحدث عنه جورج حبش، لكنه وديع حداد الذي آمن بهذا المنهج وواصله بانفراد وانضم إليه في هذا الأسلوب كارلوس، مع أنّ الكاتب كما كل المناضلين في صفوف الجبهة يميزون بين أهداف وديع الذي لم يترك خلفه ثروة بل كان مؤمنا بما يفعل وبين لكارلوس الذي يتهمه الكاتب بأنه استعمل أسلوب العمليات تلك لأغراض خاصة.
عملية الاختراق المبكرة للجبهة ولعل أهمها حادثة زياد بركات التي عاصر تفاصيلها محمد لومة حيث كان مسؤول التدريب بمعسكر البداوي الذي يحتوي على السجن الذي سيودع فيه زياد قبيل الحكم عليه بالإعدام نتيجة الخيانة والتخابر مع العدو.
ويمنح لومة لأحمد جبريل أكثر من مقطع اعترافا بدوره التاريخي في التأسيس للثورة الفلسطينية، ولنزاهته وهو يصر على تبني قضية إطلاق سراح الفدائي الياباني كوزو أوكاموتو. وكان أحمد جبريل قد أدرج إسم المناضل الياباني ضمن صفقة كبيرة مع إسرائيل انتهت بإطلاق ثلاث جنود أسرى مقابل 1150 فدئي من منظمات فلسطينية مختلفة. ويذكر الكاتب أن إسرائيل مانعت ضد فكاك الفدائي أوكاموتو وبأنها مستعدة لإطلاق 100 أسير عربي مقابل ذلك، لكن أحمد جبريل أصرّ وتشبث بأوكاموتو مبررا موقفه بالقول: إن هذا المقاتل الأممي جاء من على مسافة آلاف الكيلومترات لنصرة القضية الفلسطينية وأنّ بإمكان إخواننا الآخرين من المعتقلين الفلسطينيين الانتظار لعدة سنوات أخرى.


في تفاصيل هذا الاستذكار لمسار فدائي يؤرخ من داخل ميدان لا يقتحمه إلاّ الرجال، وهو شاهد على مسار مناضلين كثر حقيقيين تكمن مفارقة الأجيال، فمحمد لومة الذي كان مسؤولا عن تدريب فدائيي الجبهة في قطاع العرقوب والنبطية والبداوي بضواحي طرابلس لا يوجد اليوم في الواجهة الزائفة للحركة التضامنية الفلسطينية التي احتلها جيل من مناضلي المرحلة الاستدراكية من الإخوان وبعض المتاجرين بالقضية ممن لم ينخرطوا في ميادين النضال عن قرب مكتفين بترديد كنانيش النضال واحتراف المتاجرة بقضية نهض بها الرجال في سياقات دقيقة وموضوعية يشهد عليها التاريخ الحقيقي الذي يزعج من لا تاريخ لهم. وهذه هي القضية التي تشغل بالي في تتبع ظاهرة النضال بالمراسلة وكتابة التاريخ بإيحاء الزيف وبأثر رجعي تختلط فيه السياقات والأزمنة والتلاعب بمفارقة الأجيال.
ولأنه آمن بالعمل في صفوف الثورة الفلسطينيين وداخل الجبهة الشعبية فهو لا يأبه بالتجارب الصبيانية القائمة على استنزاف القضية عبر سياسة التدكين والإدعاء والمزايدات والبحث عن أدوار استدراكية في زمن لم تعد القضية الفلسطينية تساوي الالتحاق بالعمل الفدائي في صفوف حتى الإخوان. وكما قلت في البداية إنه مرح ويحمل مرح المناضل الحقيقي بخلاف الدّخلاء الذين يمنحون حقدهم عنوانا نضاليا غامضا، فالمناضل الحقيقي لا يمكن أن يكون حاقدا أو متآمرا أو متاجرا لأنّ رأسماله هو موقفه النبيل وثقته في النفس وتاريخه الناطق.


يبقى محمد لومة شاهدا على بؤس الأساليب التضامنية اليوم، وسبق وقلت له من باب المداعبة: عندي مؤاخذة عليك
يقول: نعم مرحبا ، تفضل
قلت: لماذا لا تضع الكوفية وتمشي بها في الأسواق والمداشر والأزقة وتنام بها وتلوح من بعيد فأنت جدير بذلك..
يضحك..
وحريّ بمناضل حقيقي أن يضحك، فلومة كان فدائيا ولم يكن مهرّجا، وهذا تاريخ عصيّ على التزييف. محمد لومة الذي نبت في قلب العمل الفدائي يبدو مرحا ومن دون عقد ولا يحتاج إلى زعيق أو خداع الرأي العام أو استئثار بقضية قدم لها ورفاقه الكثير من صور التضامن الفعلي وعلى الأرض بعيدا عن صيغ النضال بالمراسلة والزيف الذي تساهم فيه ميديا جيل الضّياع.
في لقائين وطنيين حول القضية الفلسطينية ولقاءات أخرى حضر معنا الكاتب لومة بروح رياضية، قدم رؤيته وبانضباط كبير، كنت مقتنعا أنّ من يملك الحق في الكلام عن فلسطين وبجدارة هم أولئك الذين انخرطوا في ثورتها ذات يوم ولم يبخلوا بالنفس والمصير، وقد وضع المتلقي أمام معطيات ميدانية وتفاصيل كل واحدة منها تضعك أمام متاهة من تاريخ نضال فعلي وخبرة ميدانية واستيعاب نظري لدياليكتيك الصراع كما آمن به يومئذ وكما لا زال يتأمله في زمن التهريج والمزايدات والنصب على تاريخ النضال الذي أسس له الرجال ولعب فيه الجبناء ألاعيبهم القذرة.

المسألة الأساسة في خطاب الخبراء الميدانيين والقادة العاملين هو الوضوح والصراحة وعدم التلكّؤ والبعد عن أساليب الخداع والحيل والمكر الذي يطغى على الوصوليين والمتلبسين المزيفين بالقضايا العادلة، هي صراحة لا تردد فيها ولكنها لا تعتمد المبالغة في المزايدات لأنها موصولة بالواقع وليس بالخيال، وبالأحداث التاريخية وليس بالتّمثّلات والاعتمالات، فمن ليس له تاريخ لا يمكن أن يكمله في المرحلة الاستدراكية ويفرض عليه بقوة الغوغائية وبأثر رجعي تموضعا زائفا. فالمناضل الحقيقي واضح اللهجة مكثف المضمون غير مشغول بشكليات النضال بالمراسلة.


المسألة الأساسية هي إرفاقه الكتاب بقائمة الفدائيين المغاربة الذين شاركوا في عمليات فدائية في فلسطين، وسيتطرق إلى الأختين برادلي ويحكي الرواية بالتفصيل. وتبدو قائمة الفدائيين والشهداء المغاربة – وقد وعد ببسط حديث خاص عن التجريدة المغربية: الانخراط الرسمي في معارك الجولان – قضية من شأنها أن تضع الكثير من المناورين بالقضية الفلسطينية عند وضعهم الطبيعي حيث لا يوجد لهم هسيس في ذلك التاريخ الذي عاصروه لكنهم فضلوا أن يكونوا في المكان غير المناسب. وحده التاريخ بالفعل وكما قال عبد الله العروي في ديوان السياسة يزعج السياسي، وهو هنا يزعج السياسوية التي حولت النضال الفلسطيني إلى وصل تجاري في عواصم كثيرة يكثر فيها السباق والمزايدات ولكن ليس في كبير، وفي زمن تتراجع فيه صولة الرجال ينطلق الغوغاء والجبناء عديمي الضمير والتاريخ في ميادين الهرولة والتدكين والانتهازية: لقد ولّى زمن الأبطال الحقيقيين وجاء زمن الغوغائية والنّصب والاحتيال. ومن هنا أعتبر كتاب محمد لومة صرخة فدائي غطّى عليه جيل الكوميديا النّضالية وهو كتاب لا يروق لمن تصدروا مشهد العمل التضامني الممسرح لأنّه يحكي رواية الفرسان.


الجانب المهم من كتاب محمد لومة هو إظهار الفدائيين المغاربة الذين غالبا ما تناساهم التاريخ كالعادة، وقدر الفدائي المغربي أن يُغمط حقّه وتمحى آثاره، مرّوا في صمت بالعشرات، حاضرون حتى في كفاح 1948 –علينا أن لا ننسى الراحل الهاشمي الطود – تاريخ ممتدّ يحتاج إلى نفض أوراقه وتقليب دفاتره التي غطت كل الأجيال وتواجدت في ذروة كفاح الشّعوب. قلت إنّ لومة أقنعني بتجربته لأنّها مثقلة بتفاصيل تنطق بها الجبال والأودية والأحراش وتجارب الثوار وتلخّصها الجبهة الشعبية وهي شاهدة على مرحلة الذروة في الكفاح الفلسطيني. واليوم ستمنح الروية والزمن للرفيق لومة أن يستعيد الذكريات ويستعيد معها زوايا المقاربة المستبعدة.


ادريس هاني:29/يوايوز /2020