تشكل برأيي علاقة الفلسفة بالدين في سياقها التاريخي قضية إشكالية وخلافية معاً, أدت إلى صراعات عاشها المشتغلون على الفلسفة في تاريخ الدولة العربية الإسلامية. ربما تجلى هذا الصراع فكرياً في تاريخ الخلافة العربية الإسلامية في كتابي أبي حامد الغزالي وابن رشد وهما (التهافت, وتهافت التهافت), حيث نالت نتائج الصراع عملياً من اشتغل على الفلسفة في تاريخ الخلافة كالفارابي وابن سينا والكندي وابن رشد وغيرهم الكثير.

     وعلى الرغم من أن الفلاسفة العرب في العصور الوسطى كانوا أكثر جرأة منا اليوم في أطروحاتهم الفلسفية التي تعلقت بقضايا اللاهوت, وخاصة قضايا العقيدة, مثل القديم والمحدث, والتحسين والتقبيح العقلي أو الديني, وخلق القرآن وقدمه, والبحث في صفات الله, والجنة والنار وغيرها من القضايا التي تتعلق في الخالق نفسه وعقيدته, إلا أن الأكثرية المسلمة ظلت محكومة في نشاطها الفكري هذا بـ (الإيمان والتسليم) أكثر من إيمانها بالعقل النقدي الشكاك وخاصة فيما أظهرته أبحاثهم, وربما السبب في ذلك هي محاكم التفتيش التي كانت تلاحق المختلف مع رأي السلطان ورجال الدين وخاصة السلفين الموالين للسلطان والقادرين على تحريض السلطة والناس على من اشتغل على العقل من الفلاسفة المسلمين, واتهامهم بالكفر والزندقة, وهذا ما كان يجري تاريخياً. أو بسبب غياب الشروط العلمية للمعرفة ونقص وسائلها المنهجية, مقارنة مع ما عاشه مفكرو أوربا مع قيام الثورة العلمية والصناعية التي ساعدتهم على طرح قضايا تجاوزت نطاق الايمان المطلق كما جرى لكبررنيك وهارفي  وغيرهما.

     دعونا نأخذ “الفارابي” أنموذجاُ فلسفيا من هذه النماذج الفلسفية العربية العقلانية النقدية, حيث عرف الفلسفة بقوله:    

    (هي العلم بالموجودات بما هي موجودة, لاختصاصها بالنظر في ماهيات الموجودات, من خلال تتبع مساراتها وصولاً إلى الامساك بجذورها,  أو ما اعتبرها ارسطو عقلها ومبادئها الأولى). (1). 

     فالفلسفة عنده تقوم على الاقرار بدور العقل النقدي القادر على كشف الظواهر في الطبيعة والمجتمع, من خلال تتبع سيرورتها وصيرورتها التاريخيتين, بهدف معرفة سر وجودها. فالفارابي هنا إذاً تجاوز حدود الاستسلام للمطلق بالنسبة لوجود الظواهر, أي القول بأنها تخلق من خارج الوجود الأنطولوجي المحيط بنا, ومنحها الاستقلالية في هذا الوجود, بناءً على وجود سنن أو قوانين داخلية أو محيطة بها منحها هذا الوجود, مثلما منح الإنسان القدرة الذاتية على البحث في وجودها وآلية عملها وبالتالي تسخيرها لمصلحته.      

     إن الفلسفة وفق هذا المنطق في تعبيرنا المعاصر, هي قسم من الثقافة الروحية للبشرية, وشكل من أشكال الوعي البشري (الاجتماعي), حيث تكمن وظيفتها المتميزة في وضع نظرية قادرة على خلق فهم معلل نظرياً ومنهجياً لأكثر القوانين عمومية في الطبيعة والمجتمع والتفكير الإنساني. وهي تقدم أصول الفلسفة في الممارسة الاجتماعية  الواقعية, و تعكس على نحو متميز قضايا وتناقضات الممارسة الاجتماعية وقضايا عملية معرفة الواقع وتحويله, وتؤثر بالإضافة إلى ذلك على تطور المجتمع والتاريخ وعلى تطور الإنسان ومعرفته, وذلك انطلاقاً من أن الوجود بشقيه الاجتماعي والطبيعي مشروطاً بقوانين موضوعية يسري مفعولها في التاريخ الطبيعي والبشري بغض النظر عن إرادة الناس ورغباتهم. 

     إن المهمة الأساس في الفلسفة إذن, تكمن في العمل على جعل الوعي العقلاني (النقدي) على علاقة موضوعية بالواقع الاجتماعي عن طريق توجيه هذا الفكر لدراسة التناقضات والسنن والميول الموضوعية للتطور التاريخي البشري.  

     أما الدين فهو مجموعة العقائد والمبادئ والأفكار والرؤى والرموز والطقوس المتعالية عن الواقع, والتي يؤمن بها الناس ويعملون على تطبيقها فكراً وممارسة في حياتهم اليومية المباشرة, على اعتبارها تتضمن المقدس والثابت والمطلق الذي تكمن فيه حلول مشاكل الناس وتحقيق سعادتهم.

     أما الأسس التي يقوم عليها الدين فهي: الحس والخيال والايمان والامتثال والاستسلام لما يقره أو جاء به النص المقدس لهذا الدين أو ذلك, وما دور العقل هنا إلا وسيلة من وسائل السعي لتأكيد ما تقره هذه الأديان كما قرر أبو حسن الأشعري. وبالتالي, فالإيمان بما تقره الأديان يظل في الحقيقة خارج نطاق العقل النقدي القائم على الشك والتجربة, وما على العقل سوى إثبات ما يقره هذا الدين وليس الحكم عليه.

     إن الدين يقوم في سياقه العام على الوحي, والايمان بما ينزله هذا الوحي على الأنبياء والرسل الذين لم يكن دورهم أكثر من تبليغ حقائق للناس وضرورة التزام بها, رغبة في ثواب يتمثل برضا صاحب الدين الذي هيأ جنة لمن يطيعه ويطيع رسله وانبياءه, أو عقاباً يتمثل في نار حامية تكوى بها جباههم ووجوههم خالدين فيها.

     هكذا نرى أن الدين يقوم على الايمان المطلق, وعلى اعتبار ما هو قائم في هذا الوجود من ظواهر ليس أكثر من أدلة يجب على الإنسان أن يفكر فيها ليجد عظمة خالقها من خارج عالم الإنسان ذاته, ودون مقدمات موضوعية لهذا الخلق, فأمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكن.. فالزمن هنا ليس له سيرورته وصيرورته التاريخيتين, بل هو آنات متفرقة في الزمان والمكان المتقطعين.   

     ملاك القول: إن العقل النقدي يظل حجة, له منزلته العالية وقوته التي تمارس نفوذها على سائر القوى الأخرى. هذا العقل الذي يظهر عند الفرد مثلما يظهر عند الكتل الاجتماعية, وإذا كان العقل الفردي عقل ظني, يظل يحمل بين ثناياه الصح والخطأ كما يقول الفقهاء, إلا أن العقل الجمعي هو الأقرب لضمان  اليقين والاقتراب من الحقائق في نسبيتها, وعلى هذا الأساس تكون الحقيقة دينية أو غيره دينية أكثر قوة وحضوراً عندما يقرها العقل النقدي الجمعي. ومن تجليات هذا العقل النقدي الجمعي تأتي الشورى.

     إن العقل النقدي عقل شكاك, يؤمن بالحركة والتطور والتبدل, ويؤمن بالضرورة ممثلة بالقوانين التي تتحكم بسير حركة الوجود برمته, يرفض الإطلاق ويؤمن بالنسبية, أما الزمان والمكان عنده فهما تاريخيان, أي لهما وجودهما وتسلسلهما التاريخي, والحقية الممثلة بهذه الظواهر تقوم على معرفة ناقصة. مثلما يؤمن بالحرية  على اعتبار الإنسان سيد مصيره, حيث يستطيع بما يملك من قدرات عقلية وجوارح ناشطة في هذا الكون, من أعادة بناء نفسه وما يحيط به وفقاً لإرادته.. فهو في المحصلة خليفة الله على هذه الأرض إذا ما نظرنا إليه من منطلق أن الدين ليس كله خطأ, ففيه الكثير من الجوانب العقلانية وخاصة في مقاصده على اعتباره جزءاً من التراث البشري الذي تعامل مع الإنسان وقضاياه, وعلى اعتبار أن العقل النقدي لا ينكر وجود عوالم في هذا الكون لم تُكتشف كينونتها بعد, فالمعرفة تسير دائماً نحو الأمام وفي كل يوم يكتشف الجديد الذي يقبله العقل, في الوقت الذي يتخلى فيه كل يوم هذا العقل عن الكثير من القضايا القائمة معرفتها على الذاتية والحدسية والتخيل والظن.

د. عدنان ابراهيم كاتب وباحث من سورية

(1) موقع الأوان من أجل ثقافة علمية عقلانية – الفلسفة والنبوة عند الفارابي – غريد العليبي).