عن صفحة د.محمد همام على الفيس بوك

فقد المغرب مفكرا آخر هو الأستاذ محمد وقيدي( 1946-2020)، الأستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط، رحمه الله. ينتسب الأستاذ وقيدي إلى جيل فريد من أساتذة الثانوي الذين التحقوا بالجامعة للتدريس، ولسد فراغ التأطير في الجامعة، وإتاحة الفرصة للكادر المغربي من الأساتذة الباحثين لولوج البحث الأكاديمي، والاستعداد لتعويض الكادر الأجنبي، العربي على الخصوص، إما لظروف إدارية أو صحية أو سياسية حتى؛ مثل : نجيب بلدي، وعلي سامي النشار، وحسن حنفي، و نجيب البهبيتي، وأمجد الطرابلسي…( درس الأستاذ وقيدي بالثانوي سبع سنوات أستاذا للفلسفة). كما يمثل جيلا فريدا من الأساتذة الباحثين بالجامعة المغربية، جامعة محمد الخامس على الخصوص، ممن زاوجوا بشكل ناجح وفريد بين العمل البيداغوجي التدريسي والتأطيري، وبين البحث العلمي الرصين، من خلال أعمال تأليفية، أصبحث ذات بعد مرجعي في الفكر الأكاديمي الجامعي المغربي، كما أصبح لها إشعاع عربي ودولي.
يمثل الأستاذ وقيدي الفوج الثاني من الجيل الفريد بالجامعة المغربية، في شعبة الفلسفة، بعد فوج جيل محمد عزيز الحبابي، ورشدي فكار، والمهدي بن عبود، وعلي أومليل، ومحمد عابد الجابري، وطه عبد الرحمن وآخرين، من شعب أخرى؛ مثل عبد الله العروي، ومحمد المنوني، ومحمد القبلي، في التاريخ، ومحمد بلفقيه في الجغرافيا، ومحمد كسوس في علم الاجتماع، وبن شريفة، ومحمد برادة، وأحمد اليابوري، وأحمد المجاطي( المعداوي)في الآداب، وعبد القادر الفاسي الفهري، ومحمد الأوراغي، وأحمد المتوكل في اللسانيات، ومبارك ربيع في علم النفس، وبن البشير الحسني في الدراسات الإسلامية، وعبد الفتاح كيليطو في شعبة اللغة الفرنسية، وآخرين. كل واحد من هذا الجيل الأول كان أستاذا مدرسا، وكان باحثا علميا، وكان مفكرا صاحب أطروحة علمية تجسدها مؤلفاته الكثيرة، وإشعاعه العلمي الوطني والدولي.
يمثل، بنظرنا، الأستاذ وقيدي الفوج الثاني، وليس هناك أي بعد معياري تفاضلي بين الفوج الأول والثاني، بل هناك فقط بعد تحقيبي تعاقبي لمسار البحث المبدع ولمسارات الباحثين المبدعين في الجامعة المغربية، وموضوع حديثنا جامعة محمد الخامس بالتحديد، خصوصا في شعبة الفلسفة، وفي الشعب التي كانت تتفاعل معها من خلال مؤلفات ودراسات الأساتذة الباحثين المنتسبين لهذه الشعب. وسيكون رصد هذه المسارات البحثية من خلال التجربة البحثية والفكرية والإبداعية للأستاذ وقيدي، وقد كان همزة وصل نموذجية ، من حيث التدريس، أو التأليف، أو الجدل، أو الحوار، أو الاشتباك الفكري المثمر، بين هذه الشعب، وبين أساتذتها، وبين المؤلفات/ الأطروحات الصادرة عنهم؛ إذ كان الأستاذ وقيدي صاحب قدرة مذهلة على خلق حوار فلسفي وفكري بين إنتاجات أساتذة جامعة محمد الخامس، من خلال التعريف بها، والتعرض لها بالحوار والنقد والجدل، وهو ما يظهر بوضوح لكل مطلع على إنتاج الأستاذ وقيدي الكثير والمتنوع. وكان يمثل الفوج الثاني الذي ينتسب إليه الأستاذ وقيدي أساتذة مبدعون، في التأطير وفي البحث العلمي؛ مثل: سعيد بن سعيد العلوي، وكمال عبد اللطيف، ومحمد سبيلا، ومحمد المصباحي، وعبد المجيد الصغير، وبن سالم حميش، وسالم يفوت، وعبد السلام بن عبد العالي، وحمو النقاري، وعبد السلام بن ميس، وبناصر الباعزاتي، وعبد الله ساعف، ومحمد مفتاح، وسعيد يقطين، وعبد الله حمودي، وآخرون.
حصل الأستاذ وقيدي على الإجازة في الفلسفة بالجامعة( 1968). وعين بعد تخرجه من المدرسة العليا للأساتذة، قسم الفلسفة، أستاذا للفلسفة بالتعليم الثانوي، بمدينتي فاس والدار البيضاء. ومن ثانوية محمد الخامس بالدار البيضاء التحق بالجامعة بفاس( 1975)، ثم بعدها بجامعة محمد الخامس. و هناك سيسطع نجم محمد وقيدي باعتباره باحثا مميزا في حقل الإبستمولوجيا، وتاريخ العلوم، وفلسفة العلم، وكذا تطبيقات الإبستمولوجيا على العلوم الاجتماعية والإنسانية، مما سنذكره من نماذج في هذه الحلقات.
دخل الأستاذ وقيدي إلى جامعة محمد الخامس وبها كوكبة من المفكرين من العيار الثقيل، خصوصا في قسم الفلسفة، قادما من جامعة فاس، حيث احتضنه صديقه الأستاذ المفكر جمال الدين العلوي( 1992)، المتخصص في ابن رشد وفي ابن باجة. وناقش الأستاذ وقيدي رسالته لنيل دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة( ماجستير)، سنة 1979، وهي بمثابة البحث الأكاديمي الأول له بجامعة محمد الخامس. وأسند إليه عند ولوجه جامعة محمد الخامس تدريس مادة ” الفكر اليوناني القديم”، وقد بدأ تستهويه الإبستمولوجيا، خصوصا إبستمولوجيا غاستون باشلار( 1884-1962)،وهو الأمر الذي تعمق مع الدروس التي حضرها في جامعة باريس(1979-1980)، خصوصا دروس ومحاضرات سوزان باشلار( 1919-2007)، ابنة غاستون باشلار، برغم اختلافها العلمي مع أبيها، وتوسيعها لدلالات بعض مفاهيمه التفسيرية، خصوصا: العائق، والقطيعة. لقد وجد الأستاذ وقيدي نفسه أمام مادة لاتلبي طموحه العلمي، ولاتنسجم مع أفقه البحثي، ولكنه ملزم بتدريسها. لذلك طور مفهوم ( الإبستمولوجيا المطبقة)، ودرس من خلال أفقها الدلالي، وقوتها التفسيرية، ومما استفادت من مفهوم القطيعة عند باشلار، وعند ابنته سوزان، درس الفكر اليوناني القديم، وحلل نصوصه، وحقبها في علاقة هذا الفكر بما سبقه من أنظمة فكرية، على أساس القطيعة، لا التكوين، ولما ينفتح بعد الأستاذ وقيدي على متن جان بياجيه( 1896-1980)، أو قل لم يستلهم مفاهيمه في التحليل والتفسير، مما سيأتي بعد، في سياق تطور نظام التفكير عند الأستاذ وقيدي، مما سنراه لاحقا، سواء في دراساته للفكر اليوناني، أو في التأريخ للفلسفة، أو في التفكير الفلسفي بشكل عام؛ أي القطيعة مع الأنماط التفكيرية الأخرى؛ خصوصا: الفكر الأسطوري، أو الفكر الميتافيزيقي!!! وغيرها من الأنماط، وهو أمر لايبعتد عن أطروحة أوغست كونت(1798-1857)، وقد كان من المراجع الأساسية والملهمة لنظام التفكير عند الأستاذ وقيدي.
وعليه، التحم الأستاذ وقيدي بالإبستمولوجيا، من خلال هذه الحيلة العلمية المبدعة؛ أي عبر تطبيق مفاهيمها على مادة: الفكر اليوناني القديم. وكان الدرس، كما يحكي الأستاذ وقيدي، غريبا وصادما؛ أي تدريس الفكر اليوناني القديم من منظور( إبستمولوجيا باشلار)، وعبر أخطر مفاهيمه، وهو مفهوم( القطيعة الإبستمولوجية). وكانت هذه اللحظة فاصلة في تاريخ الجامعة المغربية، بنظر الأستاذ وقيدي، وهي لحظة إدخال الإبستمولوجيا إلى الدرس الجامعي، وهي الاختصاص الذي سيعرف به من حينها. وهو مجهود لم يتلق بقبول حسن وسط زملائه الأساتذة، ولم يسانده إلا صديقه الأستاذ جمال الدين العلوي، مع أنه لم يكن ملما بحقل الإبستمولوجيا، وكان يدرس، هو الآخر، الفكر اليوناني القديم. من هنا سيلج الأستاذ وقيدي إلى مادة: مدخل إلى الإبستمولوجيا. وسيدرس فيها نصوص : أوغست كونت، وغاستون باشلار، وجان بياجيه. وظل مصرا على توجهه الإبستمولوجي، ولما لاحظ ان المقاومات مرتبطة، في جزء منها، بجهل هذا الحقل العلمي الجديد ألقى ضمن فعاليات لكلية الآداب، عرضا بعنوان: ماهي الإبستمولوجيا؟ كانت مناسبة للتعريف بهذا الحقل الجديد في الجامعة المغربية، إلى جانب حقول: المنطق، وتاريخ الأفكار، وغيرها من حقول الدراسة في قسم الفلسفة. وكانت محاضرة ناجحة ومرجعية ، بنظر الأستاذ وقيدي، توجت بإصدار كتابه: ” ماهي الإبستمولوجيا؟”( دار الطليعة، بيروت، 1983)، وسيفتح بذلك عهد جديد لتدريس الإبستمولوجيا في الجامعة، سرعان ما ستتمدد من قسم الفلسفة إلى أقسام أخرى.، وكان الأستاذ وقيدي فارسها الأول.


((2)).

.
ألقى، إذن، الأستاذ وقيدي محاضرة: ماهي الإبستمولوجيا؟ في بداية الثمانينات من القرن الماضي. وهو يعتبرها انطلاقة رسمية للدرس الإبستمولوجي بالجامعة المغربية. وقد توسع في الإجابة عن السؤال: ماهي الإبستمولوجيا؟ في كتابه بالعنوان نفسه، كما تم ذكره سلفا. كما ظهر له بحث آخر، بعنوان: مهام الإبستمولوجيا، ضمن عمل مشترك، في كتاب جماعي، بعنوان: ” إشكاليات المنهاج في الفكر العربي والعلوم الإنسانية”. شارك فيه: عبد السلام بن عبد العالي، وسالم يفوت، وسعيد بن سعيد العلوي، وكمال عبد اللطيف، ومصطفى حدية، ومحمد كداح، والمختار الهراس.( عن منشورات دار توبقال، الطبعة الأولى، 1987)، وهو عبارة عن أعمال: مناظرة المنهجية التي كانت تنظمها جمعية البحث في الآداب والعلوم الإنسانية، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس. وبالرغم من عدم ميلنا إلى التورط في بحث سؤال : من هو صاحب المبادرة الأولى في تدريس الإبستمولوجيا في الجامعة المغربية؟ وهو سؤال أنطولوجي معقد أكثر مما هو سؤال بحثي قابل للمعالجة، فإنا نشدد على السبق الذي ميز فريق الأساتذة الباحثين في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس، من مختلف الأقسام والشعب، وكذا من مختلف الحقول ومن مختلف التخصصات، مع فرادة مقدرة وملحوظة، من خلال التتبع الدقيق لمسارات الدرس الجامعي بالكلية، بناء على مؤشرات الإنتاج العلمي، والتأليف الفكري، والإشعاع الوطني والدولي، والتأطير الثقافي، والحضور في الفضاء العمومي، بما يسجل فرادة وتميز أساتذة شعبة الفلسفة. ولكن يبقى التأكيد على أن حقل الإبستمولوجيا كان حقلا مغريا لباحثين آخرين، سواء من الفوج الأول، أو من الفوج الثاني، مما خلق نوعا من التنافس العلمي المحموم بين الأساتذة الباحثين، وخلق جدلا معرفيا ومنهجيا بينهم، وصل إلى حد الخصومة الفكرية، ولكنها خصومة رسخت موقع الإبستمولوجيا، باعتبارها خلفية علمية، وبراديغما معرفيا، مؤثرا بشكل كبير، في جل المشاريع الفكرية والعلمية التي تميز بها مجموعة كبيرة من الأساتذة الباحثين المبدعين، من الجيلين، من مختلف الشعب بالكلية.
ولقد كان الأستاذ الجابري، من الجيل الأول، رائدا في البحث الإبستمولوجي، خصوصا على مستوى التأليف، أو على مستوى التطبيق. والبحث الإبستمولوجيا كان يقتضي حينها البحث في إبستمولوجيا العلوم الطبيعية، وهي الإبستمولوجيا التي سيتم نقلها إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية، وإلى الفلسفة، وإلى تاريخ الأفكار، وإلى السوسيولوجيا، وإلى اللسانيات، وإلى النقد الادبي، وإلى العلوم السياسية، وإلى حقول أخرى. وهو نقل قام به غاستون باشلار، ملهم الإبستمولوجيين المغاربة، من الجيلين. فقد نقل باشلار هذا النموذج عن أوغست كونت، خريج مدرسة البوليتيكنيك، وسكرتير الفيلسوف سان سيمون، وصاحب كتاب: الفيزياء الاجتماعية. وصادفت النزعة الوضعية عند كونت تكوينا أساسيا في الرياضيات وفي الفيزياء والكيمياء عند باشلار، مع تكوين فلسفي، وهو مساعده على استلهام نموذجه المعرفي( الإبستمولوجي)، ومفاهيمه التفسيرية الصارمة. فأصبح الحديث في الإبستمولوجيا يبتدئ بالحديث في باراديغم العلوم الطبيعية. ولا يخفى ما في هذه النزعة من رغبة ( إبستمولوجية/ وضعية) لإضفاء الصرامة والدقة و( العلمية !!) على الخطاب الفلسفي، وعلى العلوم الاجتماعية والإنسانية بشكل عام. لذلك أصبح البحث في مباحث الرياضيات والفيزياء، على الخصوص، جزءا من البحث الإبستمولوجي الناشئ في الجامعة المغربية. فقد ألف الجابري، رحمه الله، كتاب : مدخل إلى فلسفة العلوم العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي.( صدرت الطبعة الأولى في بيروت، سنة 1976، وأعيد طبعه أكثر من سبع مرات!) ووضع له الجابري مدخلا عاما مطولا حول: الإبستمولوجيا وعلاقاتها بالدراسات المعرفية، خصوصا: العلاقة بحقول: نظرية المعرفة، والميتودولوجيا، وفلسفة العلوم، وتاريخ العلوم. ودرس وجهات النظر العلمية والفلسفية التي كانت رائجة حينها، خصوصا: الوضعية، والوضعية الجديدة، والنظرية التطورية، والمادية الجدلية. وعرض لابستمولوجيا غاستون باشلار، في فلسفة النفي، والإبستمولوجيا التكوينية عند جان بياجيه. ثم تناول في قسمين كبيرين: تطور الفكر الرياضي والعقلانية المعاصرة، وتطور الأفكار في الفيزياء، مع ترجمة عدد واف من نصوص إبستمولوجيا الرياضيات والفيزياء، عقب كل قسم. وأصبح، بذلك، البحث الفلسفي، من منظور ابستمولوجي( إبستمولوجيا كونت وباشلار وبياجيه تحديدا) مملوءا بمباحث العلوم الطبيعية؛ مثل: البحث في الرياضيات الكلاسيكية، وفي الهندسات اللاأوقليدية والمنهاج الأكسيومي، وفي نظرية المجموعات وفي نقائضها، وفي علاقة الرياضيات بالتجربة، وفي نظرية البنيات، وفي قضايا المنهاج التجريبي؛ مثل: الفرضية، والاستنتاج، والقانون، والسبب، والاستقراء، وقضايا الميكانيكا العقلية، ونظرية الطاقة، وتطور الأفكار في الفيزياء وما يرتبط بها، اتصالا وانفصالا، في الفيزياء الكلاسيكية، وقضايا: الحركة، والذرة، والغاز، والضوء، والنسبية، والثورة الكوانتية، والظاهرة الضوئية والكهرباء، والميكانيكا الموجية وغيرها من مباحث العلوم الطبيعية. وقد ضمن الجابري الكتاب نصوصا كثيرة تعبر عن مرجعيات العلوم الطبيعية في توجيه البحث الفلسفي، والعلوم الاجتماعية والإنسانية، من منظور إبستمولوجي. وبرزت في هذا السياق نصوص: نيوتن، وهايزنبرغ، وديتوش، ولوي دوبري، وأرنست ماخ، وبوانكريه، وإنشتين، وآخرين، من علماء الرياضيات والفيزياء والكيمياء. وخلق كتاب الجابري حافزية جديدة للبحث الإبستمولوجي، من خلال تطبيق بعض مفاهيم إبستمولوجيا باشلار، وجان بياجيه، في مشروعه الفكري( نقد العقل العربي، خصوصا في الجزء الأول: تكوين العقل العربي، صدر سنة 1985)، خصوصا مفاهيم: التكوين، والقطيعة…
ولم يكن الأستاذ وقيدي يحبذ هذا النوع من البحث الابستمولوجي؛ انطلاقا من إبستمولوجيا العلوم الطبيعية، الرياضيات والفيزياء على الخصوص، رغم أنه قد سار في هذا الطريق في بداية أبحاثه الإبستمولوجية؛ وذلك بسبب من عائق التخصص في الرياضيات وفي الفيزياء، وأيضا بسبب صرامة هذا الاختيار، بما لا يتناسب وخصوصيات الحقل الفلسفي، وحقل العلوم الاجتماعية والإنسانية. لذلك يذهب الأستاذ الوقيدي إلى أن بحثه في إبستمولوجيا العلوم الطبيعية يمنعه من التطبيق المرن للمفاهيم الإبستمولوجية خارج حقل العلوم الطبيعية، وهو الشيئ الذي أعانه عليه متن الفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير( 1918-1990) بخلفيته النقديةالماركسية. خصوصا وأن الأستاذ وقيدي خاض تجربة البحث في إبستمولوجيا العلوم الطبيعية، وهو مقتنع بأن تطور العلوم الاجتماعية والإنسانية في القرن التاسع عشر ارتبط بشكل وثيق بتطور العلوم الطبيعية. وعليه، فإن العلوم الاجتماعية والإنسانية قابلة للتحليل الإبستمولوجي، بأصوله وروافده في الفيزياء وفي الرياضيات. فقد أنجز بحثا بعنوان: ” إبستمولوجيا العلوم الفيزيائية”( ظهر سنة 1978)، وانتشر وسط الأساتذة الباحثين في كليات العلوم، وليس في كليات الآداب والعلوم الإنسانية!! تحدث فيه عن الثورة العلمية في النظرية الفيزيائية وعن أهميتها، اعتمادا على نصوص ألبرت إنشتين( 1879-1955)، خصوصا في كتابه: تطور الأفكار في الفيزياءL’ Evolution des idées en physique(Paris 1975)، ليتوجه إلى بحث العوائق الإبستمولوجية التي تعوق البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية. وهذا التوجه في البحث ستظهر بعض معالمه في كتاب: ماهي الإبستمولوجيا؟ مما سيخلق داخل بنية التفكير الإبستمولوجي الناشئ في الجامعة المغربية، توجهات مختلفة؛ يمكن رسم دوائرها الأولى، في مجهودات أساتذة باحثين بالكلية، كالتالي: الدائرة الأولى يمثلها الجابري، والدائرة الثانية، وهي قريبة منها، يمثلها عبد السلام بن عبد العالي وسالم يفوت، والدائرة الثالثة يمثلها محمد وقيدي. دوائر تجسد الاشتباك الفكري المثمر على أرضية الإبستمولوجيا، وتجسد الدور الحقيقي للجامعة باعتبارها فضاء للحوار والاختلاف.
(يتبع).